عقارات بغداد… “غسّالة” أموال للسياسيين
والميليشيات والمتهربين من العقوبات 

"هم يستخدمون أموال الشعب لبناء شركاتهم العقارية، ربما يفعلون ذلك لأنهم لا يستطيعون اخراج أموالهم من البلاد او يرون أن الاستثمار هنا أفضل ولا أحد يسألهم عن مصدر أموالهم، المصيبة حتى عندما يضعون أموالهم في مجال ما، فإنهم عبر مضارباتهم يخلقون الأزمات".

يحاول الموظف الحكومي حيدر حسين (58 سنة) منذ نحو ثلاثين عاماً امتلاك مسكن في بغداد لتحقيق “الحلم الكبير” كما يسميه، غير أن تحقيق حلمه هذا يجابه بارتفاع كبير في أسعار العقارات في العراق، الأغلى سعراً على مستوى العالم وفقاً لمتخصصين.

هذا ليس بالأمر المفاجئ، فارتفاع أسعار العقارات في العاصمة العراقية تتفاقم منذ نحو عقد، مع أنها بحسب ما يروي سكانها، مدينة لا تغادرها الأزمات الأمنية وغارقة في الفوضى وشوارعها مزدحمة وتعاني من تردٍ في الخدمات وانقطاع الكهرباء وتدهور البنية التحتية، ويأتي تصنيفها دائماً بين الأسوأ للمعيشة في العالم. يقول حسين: “الأسعار هنا تفوق طاقة الغالبية الساحقة من أبنائها”.

قبل عام واحد تصدرت بغداد قائمة المدن الأسوأ للمعيشة، بحسب مجلة “موي نيغوثيوس إي إيكونوم” (muynegociosyeconomia) الإسبانية بسبب “تدني مستوى المعيشة والفوضى الأمنية وسوء الخدمات”. ووفقاً لمؤشر جودة الحياة المعيشية “ميرسر”، فان بغداد جاءت عام 2019 في المرتبة الأخيرة من قائمة تضم 231 مدينة، سبقتها صنعاء والخرطوم ودمشق.

يمسح حسين بمنديلٍ العرق عن وجهه فيما ينتظر في مدخل منزله المستأجر بأطراف بغداد عودة التيار الكهربائي، يقول: “الهم الأكبر لمعظم الذين يعيشون هنا هو تأمين منزل. نعمل 30 أو 40 عاماً لتحقيق ذلك الحلم الذي يظل صعب المنال، في بعض مناطق العاصمة البيوت أصبحت بملايين الدولارات، وفي المناطق التي يمكن اعتبارها شعبية يصعب أن تجد منزلاً بأقل من 200 ألف دولار”.

وفيما يشير إلى منزله الصغير المؤلف من غرفتين وصالة، يضيف: “أدفع نصف راتبي لتأمين الإيجار، إلى متى أظل بهذا الحال؟ هنا حتى أسعار الشقق الحديثة تبلغ نحو ضعفي وأحياناً ثلاثة أضعاف إيجارها في اقليم كردستان”.

في مدن كردستان، حيث الأوضاع الاقتصادية والقدرة الشرائية وفرص العمل والخدمات أفضل نسبياً مقارنة ببقية مناطق البلاد، يبلغ متوسط سعر منزل من طبقتين نحو 100 ألف دولار، لكن في بغداد تتضاعف الأسعار، ما يدفع البعض مثل حسين للتفكير بترك العاصمة والاستقرار في الاقليم حال إحالته إلى التقاعد، “سأشتري شقة في أربيل وأنتقل إليها، لا يمكنني شراء منزل هنا ولو بعد 20 سنة أخرى من العمل”.

تشكو بغداد من أزمة سكن خانقة في ظل الكثافة السكانية العالية (8.7 مليون نسمة)، وتزايد العشوائيات، مع تعثر الخدمات نتيجة ضعف البنية التحتية الخدمية. وبحسب مسؤولين فإن التصميم الأساسي لبغداد حدد 40 في المئة من مساحتها كمناطق خضراء و60 في المئة للسكن، إلا أن المساحات الخضراء فيها تراجعت الى نحو 10 في المئة فقط. أي أن العاصمة فقدت 75 في المئة من مساحاتها الخضراء بسبب التجاوزات عليها.

مضى على اقتران مصطفى ربيع، الموظف في وزارة الصحة العراقية، بزوجته أكثر من 15 عاماً، ورزقا بأربعة أطفال أصغرهم في الابتدائية، لكنه ما يزال يسكن مع والديه في بيت صغير شرقي العاصمة.

يقول ربيع الذي لا يتجاوز دخله الشهري مليون دينار عراقي (700 دولار): “لا أملك حلاً آخر، أنا مضطر للسكن مع عائلتي بمنطقة البلديات في منزل يتكون من ثلاثة غرف بمساحة 100 متر مربع”.

ويضيف :”عليَ وعلى أطفالي التكيف مع الواقع وتحمل العيش هنا لسنوات أخرى، لا أستطيع امتلاك بيت، ولا دفع بدل ايجار شقة”.

استثمار ومضاربات

يقدر مقاولون سعر المتر المربع الواحد في بغداد بـ2000 الى 5000 دولار في أحياء العاصمة المتوسطة، بينما ترتفع الأسعار في الأحياء الراقية كالكرادة والمنصور والأعظمية وغيرها حتى تصل إلى 7000 دولار.

وشهدت أسعار العقارات طفرات كبيرة في السنوات الأخيرة مع تحول تلك المناطق إلى ميادين تنافس أطرافها أصحاب رؤوس الأموال، الذين يريد البعض منهم استثمارها في إنشاء أبراج سكنية وآخرين دخلوا السوق للمضاربة وجني الأرباح في ظل الإقبال على الاستثمار في العقارات نتيجة الحاجة الكبيرة وغياب فرص الاستثمار في القطاعات الأخرى.

وتنفرد بغداد التي يقطنها، بهذه الأرقام القياسية عن دول المنطقة، على الرغم من معدلات الفقر المرتفعة التي تتجاوز 20 في المئة والاضطرابات السياسية وضعف البنى التحتية. 

وبحسب متاجرين في سوق العقارات ومقاولي بناء، فإن عالم العقارات في بغداد محكوم بعوامل عديدة غير الطلب نتيجة زيادة السكان، فهناك المضاربات التي تخلق قفزات في الأسعار في بعض المناطق، وهناك أيادي القوى الحاكمة وشركات مقاولاتها ومدى قدرتها على وضع اليد على مساحات معدة للخدمات أو تحويل مساحات خضراء أو أراض زراعية الى سكنية. “هي ساحة صراع يحكمها لاعبون في ظل معايير متقلبة وضوابط متغيرة”.

 ويقول (سلام. أ) الذي يعمل في مكتب عقاري، مفسراً أسباب ارتفاع الأسعار: “الطلب يتضاعف في ظل زيادة عدد السكان في بلد عانى طوال ثلاثة عقود من حروب واضطرابات أمنية عطلت إطلاق مشاريع سكنية، كما أن العقار دخل الآن ضمن أدوات تبييض الأموال للتجار المشبوهين والساسة المعروفين وكبار وحتى صغار المسؤولين”.

ويرى أن العامل الأخير جعل أسعار العقارات “تحلق عالياً فوق امكانية غالبية أبناء العاصمة”.

غسيل أموال

دخول تبييض الأموال الى هذا القطاع حوّله الى مستنقع جديد للفساد وملجأ للتهرب من الكشوفات المالية بالنسبة إلى المسؤولين وهو ما ألقى بظلاله على قدرة المواطن العادي في الحصول على منزل صغير والذي بات حلماً يقترب من الخيال”، بحسب عضو لجنة الخدمات والاعمار السابق في البرلمان العراقي عباس عويد.

ووفقاً لعويد فإن “ارتفاع أسعار العقارات حصل بوجود المضاربات المالية وعمليات تبييض الأموال من قبل بعض الجهات المتنفذة التي استولت على مبالغ هائلة من الأموال بطرق غير مشروعة”، وطالب الحكومة بالتدخل “لوضع حد لتلك الأسعار والمضاربات” ومتابعة الجهات التي تملك كل تلك الأموال.

ويرى أن بغداد تحتاج الى بناء 3 ملايين وحدة سكنية جديدة، محملا الحكومات المتعاقبة مسؤولية ازمة العقارات لأنها “لم توفر خدمات ولا بيئة لإطلاق عمليات البناء، وجل مسؤوليتها اقتصرت على توزيع عوائد النفط على الموظفين والمستفيدين” بحسب وصفه.

بدورها تقول الأكاديمية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية، سلام سميسم، إن “نشاطات غسيل الأموال سواء في قطاع العقارات أو غيره ناتجة عن الفساد المستشري في البلاد”، مؤكدة “تنامي نشاطات غسل الأموال في العراق، ما يتطلب التحقيق في تلك الجرائم وملاحقة المرتبطين بها”.

الخبيرة الاقتصادية تعتقد أن “سوق العقارات في العراق أصبح ملاذاً لغسل الأموال بسبب السرية والبيئة المتساهلة التي تسود السوق الحرة عموماً”، مشيرة إلى أن “السبب الآخر في ارتفاع الأسعار يعود أيضا إلى تخوف أصحاب رؤوس الأموال من الاستثمارات الداخلية أو الخارجية في قطاعات أخرى كالصناعة والزراعة وهو ما يدفعهم إلى التوجه نحو سوق العقارات الذي يجدونه مضموناً أكثر ويحقق لهم أرباحاً كبيرة”.

عمليات غسيل الأموال التي يمكن أن تجري في قطاع العقارات سبق أن أشار إليها “المركز العراقي الاقتصادي السياسي” في بيان له، عن أن “عام 2021 شهد ارتفاعاً كبيراً في أسعار العقارات في بغداد قد يتجاوز مثيلها في دبي ولندن”.

وأضاف المركز أن “هذا الارتفاع يؤشر الى وجود عمليات تبييض للأموال أو تضارب في أسعار العقارات بعد تضييق الحكومة الخناق على عمليات التحويل المالي الخارجي”.

وكان العراق طوال سنوات، من الدول شديدة المخاطر في مجال غسيل الأموال، لكن في التاسع من كانون الثاني/ يناير 2022 أعلنت الحكومة العراقية، عن رفع اسم البلد من قائمة الاتحاد الأوروبي للدول ذات المخاطر العالية في مجالي مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفق رسالة تسلمها رئيس الوزراء العراقي من بعثة المفوضية الأوروبية.

إقرار حكومي بالفشل

يعلّق صلاح الكبيسي، وهو قيادي في جبهة الإنقاذ والتنمية، يولي اهتماماً بالتحديات الاقتصادية، على أزمة العقارات، بالقول: “الأسعار في بغداد لا تقارن بأي مكان آخر”، وهو ما يدفع العائلات إلى “تقطيع البيت السكني الواحد إلى أجزاء عدة”، مبيّناً أن “كلفة بناء المتر المربع الواحد تبلغ في المتوسط 400 دولار، لكن يتم بيعه بـ1000 دولار وفي بعض المناطق 2000 دولار للمتر الواحد بسبب المضاربات وقلة المعروض”.

وشهدت العديد من المناطق في مركز بغداد كالجادرية والكرادة والعرصات تقطيع البيوت ذات المساحات 300 و400 متر إلى ثلاثة أو أربعة بيوت بمساحات 75 إلى 150 متراً مربعاً.

في 18 أيار/ مايو 2022 أعرب رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي، خلال زيارته إلى مبنى أمانة بغداد وسط العاصمة، عن أسفه لما تشهده بغداد من تجاوزات وسوء في الخدمات وما تعانيه من التخطيط العبثي لأصحاب النفوذ الذي ساهم في ارتفاع أسعار العقارات في مناطق العاصمة.

من جانبه لا ينفي مظهر محمد صالح، المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة تأثير عمليات تبييض الأموال على القطاع العقاري.

صالح يقول إن لارتفاع أسعار العقارات سببين رئيسيين، أولهما هو أن العالم عاش ظاهرة الانغلاق الاقتصادي عام 2020 (بسبب تفشي “كورونا”) “ما أعطى صورة غامضة عن مستقبل استثمار الأموال العراقية (في الداخل الخارج) التي تأخذ طريقها بصورة هروب أموال أو اغتراب أموال أو ما يسمى أحياناً الأموال الساخنة من رأس المال قصير الأجل”.

وأضاف أن السبب الثاني “يتعلق بتعاظم القيود الرقابية الدولية على ظواهر التضخم السريع لأرصدة البعض ممن تتدفق ثرواته خارج البلاد ولاسيما في المصارف الإقليمية والدولية ما عزز من إجراءات المساءلة العالمية لوحدات مكافحة غسيل الأموال والبحث عن مصدر الأموال وتقييد حركات البعض منها”.

السببان أعلاه دفعا أصحاب الأموال إلى استثمار أموالهم في العراق وتحديداً في قطاع العقارات الذي يحقق أرباحاً سريعة في ظل حاجة السوق المتعاظمة للعقارات السكنية مع حصول استقرار أمني نسبي في البلاد. ولهذا يلاحظ زائر العاصمة بغداد وجود مشاريع سكنية متعددة قيد التنفيذ لكن ارتفاع أسعارها الخيالي وهيمنة المقربين من أحزاب على غالبية تلك المشاريع هو ما يمنع المواطنين من ذوي الدخل المحدود من الحصول على وحدات سكنية فيها.

إقرأوا أيضاً:

فرص عالية الربح

خلال ثلاث سنوات ارتفعت أسعار العقارات في بغداد بنسبة 44 في المئة، وفقاً لما يقدرهُ الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني، الذي يعزو الارتفاع إلى إدراج عدد من الشخصيات السياسية وقيادات الفصائل المسلحة على قوائم عقوبات وزارة الخزانة الأميركية، ما دفعهم إلى تغيير استثماراتهم بدلاً من تهريبها خارج العراق، عبر شراء عقارات وإن كانت بأسعار كبيرة سجلت بأسماء وكلائهم، لأنهم وجدوا في الاستثمار العقاري جدوى مربحة أفضل من إيداع الأموال في البنوك.

المشهداني يقول، إن “انخفاض القوة الشرائية بعد قرار خفض قيمة الدينار أمام الدولار الأميركي (من نحو 120 ديناراً للدولار، إلى نحو 150 ديناراً للدولار) دفع أصحاب الأموال إلى الاحتفاظ بقيمة العملة عبر موجودات ثابتة لا تتأثر بمتغيرات السوق، مثل الذهب والعقارات”.

ما ذهب إليه المشهداني، يلخصه أيضاً الخبير الاقتصادي، باسم انطوان، مؤكداً أن “المال السياسي ساهم في ارتفاع أسعار العقارات خصوصاً التجارية منها للتغطية على الأموال المستولى عليها من خزينة الدولة”.

الارتفاع لم يأت نتيجة زيادة الطلب وقلة العرض فقط، كما يقول أنطوان، فهناك عوامل أخرى مثل عدم بناء وحدات سكنية بأسعار مدعومة من الدولة لمحدودي الدخل، فضلاً عن توسع النمو السكاني إضافة إلى الهجرة من المحافظات إلى بغداد، وارتفاع أسعار مواد البناء.

برامج الإسكان الحكومية التي توفر وحدات سكنية للمواطنين يراها الخبير الاقتصادي “ضرورية لضبط السوق، بخاصة أن المقبلين على شراء العقارات من ذوي الدخل المحدود محبطون من تحقيق رغبتهم بسبب ارتفاع أسعار العقارات في المشاريع السكنية الخاصة والتي وصلت إلى 200 ألف دولار للوحدة السكنية”.

في المقابل، يرى أصحاب مكاتب بيع العقارات أنّ إقبال العراقيين بشكل كبير على السكن في العاصمة، وافتقار عمليات البيع والشراء لمحددات معينة، ما ساهم في تصاعد حاد في أسعار العقارات.

صباح الجبوري، سمسار عقارات بمنطقة الكرادة وسط بغداد، يقول إن “ارتفاع الرسوم والضرائب التي يدفعها البائعون وأصحاب الأملاك، فضلاً عن المزاجية والعشوائية في تحديد الأسعار واستغلال الإقبال الكبير والمستمر من الوافدين من المحافظات على مناطق العاصمة وتحديداً القريبة من مركزها من أجل الدراسة أو العمل، تعد أسباب أخرى لرفع الأسعار”.

أزمة أسعار العقارات، يصاحبها ارتفاع في بدلات الإيجارات، وقد انعكس ذلك سلباً على كافة فئات المجتمع، بحسب الجبوري: “إيجارات الشقق السكنية في بعض مناطق بغداد ارتفعت خلال العام 2021-2022 من 300 إلى 700 دولار والمنازل من 500 إلى 1000 دولار”.

ويؤكد سمسار العقارات أن “أسعار بيع وايجار العقارات، يخضع لمزاجية وجشع بعض أصحاب شركات العقاري”، موضحاً أن “القدرة الشرائية العالية لبعض الفئات مثل السياسيين وبعض رجال الأعمال والتجار هي التي ترفع الأسعار”.

محاربة الفساد

معالجة ملف أزمة السكن لا تتم فقط عبر خطط ومشاريع توزيع الأراضي وتقديم المنح والقروض للمواطنين، بل تتطلب خطوات حكومية في محاربة الفساد في هذا القطاع، بحسب عضو مجلس النواب السابق علي البديري.

ويشير إلى وجود “خلل وشبهات فساد بما يقارب 18 مشروعاً سكنياً تابعاً لوزارة الاعمار والإسكان”، والتي كان يفترض بها أن تخفف أزمة السكن لبعض الفئات، داعياً “هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية إلى تدقيق ملفات مشاريع الإسكان والتحقق من الشبهات التي تحوم حولها”.

ويحمّل البديري الحكومات المتعاقبة “مسؤولية تفاقم أزمة السكن في البلاد”، مؤكداً أن “أسعار العقارات لا يمكن أن تنخفض دون تدخل حكومي على عدة مستويات بما فيها مواجهة الفساد”. ويقدر حجم ما خسرته الدولة منذ العام 2003 بنحو 178 مليار دولار، بسبب الفساد في قطاع الاستثمار السكني ومشاريع البنى التحتية والمدارس والمستشفيات.

ويرى البديري أن التخلص من عوامل الفساد، التي وضعت العراق في المرتبة 160 من أصل 180 دولة على مؤشر “مدركات الفساد” لعام 2021 وفق منظمة الشفافية الدولية، هي الحل لمواجهة أزمة السكن وارتفاع أسعار العقارات في بغداد.

ويعد مشروع السكن الاقتصادي الذي أعلن عنه في العام 2012 بكلفة مالية تصل إلى 2 مليار دولار، لحل أزمة السكن، واحداً من أبرز ملفات السكن في العراق.

المشروع الذي لم يجد طريقه للتنفيذ أطلقته وزارة الإعمار والإسكان في تموز/يوليو 2012 والذي كان يهدف إلى مساعدة الفقراء الذين لا يمتلكون وحدات سكنية ومالاً من خلال بناء مساكن اقتصادية توزع مجانا لهم ويشمل المشروع جميع محافظات البلاد.

مشروع “داري”

الزيادة الكبيرة في أسعار العقارات ساهمت في زيادة عدد التجمعات العشوائية في العاصمة والتي باتت بدورها تعرقل المشاريع الخدمية وتطوير البنية التحتية.

ويقدر مسؤولون وجود 400 ألف وحدة سكنية عشوائية في بغداد، فيما تحولت حتى بعض المساحات الخضراء الى سكنية في ظل ضعف القانون في مواجهة سطوة بعض الجهات المسلحة.

لحل الأزمة طرحت حكومة الكاظمي مبادرة “داري” لتوزيع نصف مليون قطعة أرض سكنية على الفئات المستحقة مع تقديم قروض ميسرة في فترة سداد تصل الى 20 عاماً، لتسهيل تملك الراغبين مساكن ملائمة، كما يقول صباح عبد اللطيف مشتت مستشار رئيس الوزراء لشؤون الاعمار.

مشتت يشرح أن “المبادرة تهدف الى تخفيف أزمة السكن في العراق، وهي ضمن مشاريع أخرى للحكومة لحل الأزمة”، مؤكدا أن “المبادرة تتضمن توزيع 550 ألف قطعة أرض على المواطنين من ذوي الدخل المتوسط والمحدود تتوزع على بغداد والمحافظات الأخرى”.

وينوه المسؤول الحكومي، إلى أن “الأراضي التي ستوزع في بغداد ضمن المبادرة ستكون في منطقة النهروان شرق العاصمة بغداد إذ تشمل نحو 60 ألف قطعة، ومنطقة معسكر طارق في قضاء أبو غريب بواقع 13 ألف قطعة أرض ضمن المرحلة الأولى”، لافتاً إلى أن “تلك المناطق ستكون مخدومة وجاهزة للبناء من قبل المواطنين أو شركات استثمارية”.

المستشار الحكومي يؤكد حاجة العراق إلى “ثلاثة ملايين ونصف وحدة سكنية، أي أن نحو 20 مليون عراقي بحاجة إلى السكن إذا حسبنا متوسط معدل العائلة بستة أفراد”، عازياً ارتفاع أسعار العقارات إلى قوة الطلب في سوق محكوم بمنطق العرض والطلب: “سعر العقار في بعض مناطق لندن أقل من سعر شقة سكنية في بغداد”، مبيناً أن تغيير ذلك يحتاج إلى إطلاق مشاريع جديدة للإسكان ودعم صندوق الاسكان.

ويخلص الى القول بأن الحكومة عبر البنك المركزي عملت على زيادة قروض الإسكان للمواطنين إلى 5 تريليونات دينار ويمكن للمستفيد الحصول على قرض مالي يتراوح من 25- 100 مليون دينار عراقي، تدفع بكفالة دائرة الموظف وكفالة موظفين حكوميين اثنين.

ولم تقتصر آثار ارتفاع أسعار العقارات على عجز غالبية البغداديين عن تملك عقار وعلى ارتفاع بدلات الإيجارات، بل امتد الى الجانب الصحي بزيادة معدلات التلوث نتيجة تضاعف أعداد السكان في الأحياء السكنية القديمة، ومع تقطيع البيوت الكبيرة إلى بيوت أصغر بعدد طوابق أكبر.

وأظهر الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط، في تقرير له، ارتفاع نسب التلوث حيث ارتفع المعدل السنوي لتلوث الهواء بثاني أوكسيد الكبريت وهو أحد أكاسيد الكبريت، SO₂، بواقع 0.054، فيما بلغت معدلات ثاني أوكسيد النيتروجين 0.040، ومعدلات أحادي أوكسيد الكربون أو أول أوكسيد الكربون الذي يعتبر من الغازات الشديدة السمية 0.597، كما سجل الميثان CH₄ ،1.740.

1000 مشروع

يأمل المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي بأن يدخل قطاع العقارات العراقي في حالة ركود بعد توزيع قطع الأراضي على المواطنين في مناطق مخدومة، وتنفيذ المشاريع السكنية المقرة، ليصبح العرض موازي أو أكثر من الطلب وتهوي الأسعار حينها.

الهنداوي يقول إن “الجهود الحكومية تعمل على دعم أصحاب الدخل المحدود الذين يواجهون مشكلة في الحصول على وحدات سكنية”، كاشفاً عن “وجود نحو 1000 مشروع خاص ببناء المجمعات السكنية والدور واطئة الكلفة في بغداد، لحل أزمة السكن والحد من العشوائيات التي تقدر بـ1000 مجمع عشوائي في بغداد فقط”.

وعلى رغم أن الهنداوي يقر بأن هناك استحواذاً من أصحاب الدخل العالي على تجارة العقارات، لكنه يرجع السبب الى كثرة الطلب لأن 25 في المئة من سكان العراق يعيشون في بغداد، على اعتبارها مدينة جاذبة من حيث توفر فرص العمل، مستبعداً “أن تكون عمليات غسيل الأموال وراء ارتفاع الأسعار”.

حتى في ظل الأزمة السياسية التي عطلت تشكيل الحكومة منذ عشرة أشهر، ما زال سوق العقار ملتهباً. يقول صلاح عبدالله، وهو مقاول صغير يتابع سوق العقارات “هنالك نوع من الركود في السوق بسبب التوترات السياسية، وهذا عادة يدفع التجار والمستثمرين الى الاحتفاظ بأموالهم، لكن برغم ذلك لم تنخفض الأسعار بل زادت”.

ويوضح: “ارتفع سعر المتر الواحد من الأرض في بعض المناطق التي تشهد استثماراً تجارياً إلى أكثر من 7 الآف دولار فيما لم يكن يتجاوز الـ5 آلاف قبل أشهر”.

يؤكد على الأمر نفسه  أبو حسين، الذي يعمل في السوق منذ 30 عاماً “الأسعار ارتفعت في المناطق التي يمكن أن تستثمر تجاريا مثل الكرادة والجادرية والمنصور بنسبة 30 في المئة، ربما السبب يرتبط بارتفاع أرصدة العراق المالية نتيجة ارتفاع أسعار بيع النفط، فالوفرة المالية تؤمن للسياسيين والمستثمرين الذين يقفون خلفهم استحصال أموال كبيرة عبر المشاريع التي سيحصلون عليها”.

يوافقه الرأي جليل أحمد (55 سنة) وهو موظف حكومي يعمل مساءً في محل للأجهزة الكهربائية ليتمكن من تأمين إيجار شقة قديمة استأجرها بـ500 دولار ويطالبه صاحبها بمبلغ أعلى، وهو يرى أن السياسيين يستثمرون أموال الفساد في قطاع البناء لتحقيق ربح سريع “ابراج سكنية ومولات تجارية وأسواق، لا شيء آخر”

ويختم “هم يستخدمون أموال الشعب لبناء شركاتهم العقارية، ربما يفعلون ذلك لأنهم لا يستطيعون اخراج أموالهم من البلاد او يرون أن الاستثمار هنا أفضل ولا أحد يسألهم عن مصدر أموالهم، المصيبة حتى عندما يضعون أموالهم في مجال ما، فإنهم عبر مضارباتهم يخلقون الأزمات”.

أنجز التقرير بدعم من شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

ابراهيم الغريب – صحافي لبناني
“طليقي وابني في عداد المفقودين، أخاف أن يكون عامر قد مات قبل أن أسمعه يقول لي ماما، أو قبل أن أضمه إلى صدري وأخبره أنني أحبه”… المعاناة واحدة بين طرابلس وعكار، حيث يوضب المواطنون أمنياتهم بحقائب غير شرعية ويستقلّون مراكب الموت دون التفكير في النتائج.
Play Video
قارب موت لبناني يودي بحياة عشرات الضحايا من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين قبالة السواحل السورية، فقد انتشلت السلطات السورية جثامين عشرات الهاربين من عائلات كانوا على متن مركب هجرة غرق قبالة ساحل طرطوس، وتتواصل جهود البحث عن مفقودين بينهم نساء واطفال. المركب كان يحمل لبنانيين وسوريين وفلسطينيين. ما دلالات تلك المأساة التي تتفاقم في الأشهر الأخيرة. تعليق للصحافي حازم الأمين

4:10

Play Video
“خامنئي قاتل مهسا… إرحل”… بعد مقتل الشابة مهسا أميني على يد الشرطة بذريعة عدم التزامها بالحجاب القسري، توسّعت دائرة الاحتجاجات في مدن إيرانية وصدحت الأصوات المناهضة للنظام، إلا أن السلطات تُحاول قمعها عبر قطع الانترنت.

1:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني