fbpx

في الذكرى العاشرة تحديات ترخي بظلالها على كوسوفو

فبراير 25, 2018
تحل الذكرى العاشرة لاستقلال الدولة الصغيرة، التي تقع في البلقان، واﻷجواء ممتلئة بمشاعر يغلب عليها الفخر والحماسة، لكن الشعور بالسعادة لا يمكنه إخفاء التحديات الخطيرة التي تواجهها البلد، المعترف به جزئياً، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي. تسبب قضايا مثل الهجرة وبطالة الشباب وجرائم الحرب المزعومة التي لم تُحل والانقسام العرقي صداعاً للداعمين الدوليين لكوسوفو. وتبدو المنازعات الإقليمية بشأن كوسوفو عصية على الحل، حتى أن البعض يشير إلى فكرة إعادة ترسيم حدود البلقان، وهي خطوة يمكن أن تؤدي إلى جولة جديدة من الحرب.

ترفرف الرايات عالياً في شارع الأم تيريزا بالعاصمة بريشتينا، وتُجهز المسارح لحفلات غنائية بطلتها المطربة بريطانية المولد ريتا أورا، إلى جانب بدء توافد الشخصيات الدولية. تحل الذكرى العاشرة لاستقلال الدولة الصغيرة، التي تقع في البلقان، واﻷجواء ممتلئة بمشاعر يغلب عليها الفخر والحماسة. ويقول غرانيت ميفتاغي، المغني البالغ من العمر 27 عاماً وهو يرتدي نظارته الشمسية من طراز “أفياتور”، وهو يمر على المسرح “كان الاستقلال هو أفضل شيء، أفضل شيء حدث لكوسوفو”. وأضاف “هذه واحدة من أفضل العطلات التي يمكن أن نحظى بها”.
وسيكون من بين الضيوف شيري بلير، التي دائماً ما يتم تذكّر زوجها في كوسوفو بمنتهي الاعتزاز لدوره القيادي في تدخل حلف الناتو في حرب كوسوفو 1998-1999، التي أنهت حكم نظام ميلوسيفيتش القمعي على كوسوفو ومهدت الطريق نحو الاستقلال. ويقول حسن دوتوكو، وهو فني بناء متقاعد يبلغ من العمر 67 عاماً، أثناء مروره بساحة للتزلج على الجليد الخاصة بالمنتزه اﻷوليمبي، “الولايات المتحدة والمملكة المتحدة هما مؤسسا دولتنا”. وأضاف “لقد ساعدنا توني بلير كثيراً، وسُمي الأطفال والشوارع تيمناً به. فنحن نعتبره رُجلنا”.
ولكن الشعور بالسعادة لا يمكنه إخفاء التحديات الخطيرة التي تواجهها البلد، المعترف به جزئياً، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي. تسبب قضايا مثل الهجرة وبطالة الشباب وجرائم الحرب المزعومة التي لم تُحل والانقسام العرقي صداعاً للداعمين الدوليين لكوسوفو، بما في ذلك المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وتبدو المنازعات الإقليمية بشأن كوسوفو عصية على الحل حتى أن البعض يشير إلى فكرة إعادة ترسيم حدود البلقان – وهي خطوة يمكن أن تؤدي إلى جولة جديدة من الحرب.
وقال الرئيس هاشم ثاتشي من مكتبه في العاصمة، حيث يُعلق إعلان الاستقلال المكتوب بخط اليد في إطار على الحائط “هناك شعور بالكرامة والاعتزاز بالإنجازات التي حققتها كوسوفو”. وكان ثاتشي هو الزعيم السياسي لجيش تحرير كوسوفو الألباني الذي شن حرب عصابات ضد الدولة اليوغوسلافية، والتي كان يسيطر عليها الصرب، في أواخر التسعينيات، وبلغت ذروتها بانسحاب القوات الصربية في عام 1999 بعد حملة قصف قام بها حلف الناتو واستمرت على مدار 78 يوماً.
سرد ثاتشي، المهيب طويل القامة، إنجازات كوسوفو على مدى العقد الماضي، بما في ذلك بناء مؤسسات الحكومة والوصول متوسط النمو الاقتصادي لنسبة 4 بالمئة والحصول على عضوية 200 منظمة دولية (من الفيفا إلى صندوق النقد الدولي) والاعتراف من قبل 115 دولة. ويتطلع قادة كل من كوسوفو وألبانيا إلى استغلال الاحتفال بهذه الذكرى ليس فقط كعلامة على النضال التاريخي من أجل استقلال العرق اﻷلباني الكسوفي، ولكن أيضاً للتركيز على تطلعات المنطقة في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي.  وقال رئيس الوزراء الألبانى إيدى راما في تصريحاته لصحيفة “الغارديان” البريطانية، “إذا كانت مسألة حرية كوسوفو واستقلالها حلماً مستحيلاً للألبان في فترة زمنية ما، فها هي اليوم أصبحت أمراً واقعياً”. وأضاف “وآمل الآن، وقبل نهاية العقد القادم، أن تندمج كل من كوسوفو وألبانيا وصربيا، وجميع دول منطقة البلقان، بشكل تام، وأن يصبحوا أعضاء في الاتحاد الأوروبي. هل يعد هذا الأمر حلماً آخر يصعب تحقيقه؟ لا أعتقد ذلك!”.  ويصف برنار كوشنر، الممثل الخاص السابق للأمم المتحدة لدى كوسوفو والذي كان يشغل منصب وزير خارجية فرنسا وقت إعلان استقلال كوسوفو، كوسوفو بأنها “أحد نجاحات منظومة الأمم المتحدة”.
يقول كوشنر، “كانت هناك حرب، حرب دموية، والآن لم يعد هناك المزيد من الحروب”. ويدّعي كوشنير، المدافع عن التدخل للدوافع الإنسانية، إن “اﻷموال الطائلة والجهد الضخم”، الذي قام به حلفاء كوسوفو الغربيون في المنطقة منذ عام 1999 كان له ما يبرره. ويقول دبلوماسي في الاتحاد الأوروبي، “كوسوفو دولة معترف بها، على الرغم من آلامها المتزايدة في أعقاب تدمير أركانها قبل الحرب وخلالها، وهذا ليس بالإنجاز الهيّن”. وأضاف “في عام 1999، تحت مظلة الأمم المتحدة، بدء الأمر هناك من نقطة الصفر”. ولكن هناك قلق متزايد بين العديد من الكوسوفيين. يبلغ متوسط الأجر الشهري 360 يورو فقط، ويعتمد النمو على التحويلات من الخارج، إذ يأتي نحو 80 بالمئة من الاستثمار الأجنبي المباشر من مواطني كوسوفو في الخارج – ومعظمها يُضخ في منازل وشقق جديدة في بريشتينا. وتصل نسبة البطالة لحوالي 30 بالمئة، وتتخطى نسبتها الـ 50 بالمئة بين الشباب.
تملك كوسوفو أدنى متوسط للأعمار في أوروبا، لكن الاقتصاد لا يوفر سنوياً سوى نصف عدد الوظائف التي يحتاجها الشباب المقبلين على سوق العمل. ويُعتقد أن حوالي 190 ألف كوسوفي قد غادروا البلاد خلال العقد الماضي، بالرغم من صرامة وعدم انتشار تأشيرات الاتحاد الأوروبي. ناهيك عن نمو وارتفاع الشعور بعدم الرضا عن استمرار تربع ساسة زمن الحرب على عرش السلطة. كما صنفت منظمة الشفافية الدولية، وهي منظمة غير حكومية، كوسوفو كواحدة من أسوأ الدول في أوروبا في تصور الفساد، لتأتي خلف العديد من الدول النامية.
يقول عصمت جيجاج، وهو مدرس متقاعد يبلغ من العمر 72 عاماً، يضع قبعة مسطعة، وهو يسير بجوار ملصقٍ كبير لإبراهيم روجوفا، أول رئيس لكوسوفو “إننا في حاجة إلى زيادة فرص العمل والتوظيف لكي لا يشعر الناس بأنه يجب عليهم الفرار من البلاد”، وأضاف قائلاً “لكن الفساد هو السرطان المتفشي في مجتمعنا. أنا مقتنع بأن الناس الذي يقودوننا ليسوا الأشخاص المناسبين”.
يلقي الكثيرون في البلقان اللوم على ما تعانيه البلاد من ركود جزئياً على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ويقول ألبين كورتي زعيم الحزب اليساري فيتيفندوسجي المعارض، ذي الحصة الأكبر حالياً في البرلمان، “للمجتمع الدولي طموحات ضئيلة للغاية فيما يخصنا، ويركز على الاستقرار السياسي وإدارة الأزمات على المدى القصير”.
بالرغم من جهود حلفائها، تظل كوسوفو محل إهمال دولي. إذ لا تعترف صربيا بما تشير إليه ب “الانفصال الأحادي وغير القانوني” كما أنها تحتفظ بمطالبتها الدستورية لأراضي كوسوفو. بالإضافة إلى أن الكثير من الصرب ينظرون لكوسوفو كالقلب التاريخي لأمتهم، مع بعض أهم مواقعها الثقافية والدينية. ويشعر بعض الصرب في كوسوفو بأن حقوقهم لا تُحترم، وما يزال ينبغي على العديد من اللاجئين العودة إلى بلادهم. وتجدر الإشارة إلى أن كوسوفو ليست عضواً في الأمم المتحدة، نظراً لرفض الصين وروسيا، أعضاء مجلس الأمن، لانضمامها. وأشار ماركو غوريتش مدير مكتب كوسوفو وميتوهيا في صربيا (كما يفضل الصرب الإشارة للمنطقة)، إلى أن البلدان التي لا تعترف بكوسوفو تمثل ثلاثة أرباع سكان العالم.
بالرغم من أن الاتحاد الأوروبي كان مؤيداً جوهرياً لكوسوفو، وتطلع كوسوفو للانضمام للاتحاد، إلا أن خمس دول أعضاء بالاتحاد الأوروبي لا تعترف بها. وما زاد من تعقيد العلاقات الدولية في كوسوفو كان محاولات ساستها إسقاط محكمة متخصصة أنشئت لمحاكمة أعضاء جيش تحرير كوسوفو السابقين لارتكابهم جرائم حرب مزعومة. كان الاتحاد الأوروبي واضحاً فيما يخص ضرورة “تطبيع” العلاقات بين بلغراد وبريشتينا كشرط مسبق لانضمام صربيا إلى الاتحاد الأوروبي. وهذه اللغة الغامضة لم توضح ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى اعتراف صربيا التام باستقلال كوسوفو. وفي غضون ذلك بدأت بلغراد “حواراً داخلياً” حول هذه القضية، في محاولة لإيجاد حل مقبول للطرفين.
وقد تزايد الاهتمام والتركيز على شمال كوسوفو، حيث تحتفظ بلغراد بنفوذ كبير. فعلى الضفة الشمالية لنهر إيبار في مدينة ميتروفيتشا المقسمة، تمتد الشوارع بالأعلام الصربية كما أن المحلات التجارية والمقاهي تستخدم الدينار الصربي في معاملاتها التجارية، علاوة على توفير الشركات الحكومية الصربية العديد من المرافق. وقال ديجان فيليبوفيتش، وهو طالب في تصميم الغرافيك يبلغ من العمر 23 عاماً، “يقول كل صربي إن استقلال كوسوفو ليس لنا، ولن تكون كوسوفو مستقلةً أبدا”. لكن السيادة ليست هي الشاغل الوحيد هنا. إذ تحيي الكتابة على الجدران القريبة أوليفر إيفانوفيتش، وهو سياسي محلي معارض قتل في وضح النهار في 16 يناير/ كانون الثاني. وقد تم إلقاء اللوم فيما يخص هذه الجريمة بطرقٍ مختلفة على المتطرفين القوميين من كلا الجانبين، والعملاء المحرضين وأفراد عالم الجريمة المنظمة المحليين الذين ينظر إليهم على أنهم يسيطرون على المنطقة.
وقد زاد عدد  المحادثات غير المسجلة  التي أجراها الدبلوماسيون والسياسيون حول التقسيم المحتمل لكوسوفو – مع احتفاظ صربيا بالجزء الأقصى من الشمال مقابل السماح لكوسوفو بالانضمام إلى الأمم المتحدة – في الأشهر الأخيرة. ولكن الكثيرين يخشون أن يؤدي ذلك إلى نشوء سلسلة من ردود الفعل والصراع الجديد في منطقة البلقان، بوجود البوسنة المتعددة الأعراق ومقدونيا، والصرب في وسط كوسوفو الذين يعتبرون عرضة بشكل خاص للتخريب الإقليمي.
يقول الأب سافا جانجيتش، قس دير فيسوكي ديتشاني الصربي الذي بُني في القرن الرابع عشر في التلال الثلجية في غرب كوسوفو: “سيكون هناك هجرة جماعية جديدة وتدمير للتراث والفوضى. لا أستطيع أن أصدق أن هناك أشخاص ما زالوا يقترحون ذلك”.

*أندرو ماكدوال
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع “ذا غارديان” لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني