fbpx

لا تحلم أنت مصري

فبراير 25, 2018
ظنّ بعض ضباط الشرطة أن أسامة من المتظاهرين المختبئين في المستشفى فاعتقلوه. تمّ اعتقال شاب معوق على كرسيه المتحرك. ربما لم يقلق أسامة، فهذا خطأ ساذج لابد أن يصححه ضباط آخرون، أو أول وكيل نيابة ينظر إليه مذهولاً. من يصدق الآن أن أسامة معتقل حتى هذه اللحظة؟ من يصدق أنه في أكتوبر/ تشرين الأول 2016، وبعد معاناة طويلة، عُرض على الطب الشرعي، فقرر أنه يعاني من "حالة إصابية عبارة عن كسر في الفقرة السابعة العنقية أدّت إلى شلل بالأطراف العلوية والسفلية"؟ كل ذلك وأسامة مسجون.

في يوم ربيعي بعيد، منتصف مايو/ أيار 2005، اعتدى مجرمون مجهولون على شاب في الثالثة والعشرين أثناء سرقته بالإكراه، أصابوه بطلقات خرطوش في رقبته. نقل إلى المستشفى في حالة حرجة، ظل في العناية المركزة، وخرج من المستشفى يوم 24 مايو/ أيار. في تقرير خروجه ورد أنه مصاب بكسر في الفقرات العنقية.
من هنا بدأت مأساة أسامة سيد حسين.
في منتصف ديسمبر/ كانون الأول 2005 أصدرت له مديرية الشؤون الاجتماعية (التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية) بطاقة تحقيق شخصية لذوي الاحتياجات الخاصة باعتبار إعاقته بدنية. ثم أصدر مكتب التأهيل الاجتماعي للمعوقين، التابع للمديرية السابقة شهادة تأهيل له، محدداً حالة العجز بأنها “ضعف بالأطراف الأربعة إثر حادث أدى إلى كسر بالفقرة العنقية السابعة”.

أخبرني أحد أفراد الأسرة، أن أسامة بعد خروجه من المستشفى كان يستطيع المشي لمسافة أمتار فقط، وبصعوبة بالغة، فوفّرت الأسرة له كرسياً متحركاً، ظلّ يستخدمه. كما تقدم للكشف الطبي للقوات المسلحة في 2010، وفحصه المجلس الطبي التابع لمنطقة تجنيده وأفاد بأنه “غير لائق ويتم استبعاده من الاستدعاء نهائياً”.
تطور هذا الضعف الشديد للأطراف الأربعة إلى شلل كما أورد تقرير مصلحة الطب الشرعي لاحقاً.
من مايو/ أيار 2005 حتى مايو/ أيار 2015 انهارت أحلامه. صار سقفها أن يحصل على وظيفة حكومية ضمن نسبة الـ “5 بالمئة”، المتاحة لذوي الاحتياجات الخاصة. لم يعد المرتب الضئيل، الذي يحصل عليه بعد وفاة والده، كافياً. لا أدري حقاً كيف يمكن أن تكون الوظيفة الحكومية في مصر حلماً لأي إنسان. كان كل شيء ضده كأنه بطل مأساة إغريقية.

ذهب على كرسيه المتحرك إلى مستشفى المطرية لاستخراج تقرير طبي حديث بحالته حتى ينجح في مطاردة حلم الوظيفة الحكومية، كان ذلك أثناء أحداث ميدان المطرية في يناير/ كانون الثاني 2015 التي سببت حملة اعتقالات عشوائية. ظنّ بعض ضباط الشرطة أن أسامة من المتظاهرين المختبئين في المستشفى فاعتقلوه. لا أعرف الموجودين بالمستشفى وهل استخدموا العنف أم لا، أعرف أنه تم اعتقال شاب معوق على كرسيه المتحرك. ربما لم يقلق أسامة، فهذا خطأ ساذج لابد أن يصححه ضباط آخرون، أو أول وكيل نيابة ينظر إليه مذهولاً.
من يصدق الآن أن أسامة معتقل حتى هذه اللحظة؟ من يصدق أنه في أكتوبر/ تشرين الأول 2016، وبعد معاناة طويلة، عُرض على الطب الشرعي، فقرر أنه يعاني من “حالة إصابية عبارة عن كسر في الفقرة السابعة العنقية أدّت إلى شلل بالأطراف العلوية والسفلية”؟ كل ذلك وأسامة مسجون، لم أسأل أسرته كيف يعيش ويأكل ويدخل إلى الحمام.
في جلسات تجديد الحبس ثمّ المحاكمة، لم يشعر السادة القضاة أو وكلاء النيابة بأي غرابة في سجن شاب معاق منذ سنة 2005، على خلفية أحداث وقعت سنة 2015، بل لم يجد أي منهم غضاضة في أمر الإحالة الذي شمل أسامة مع غيره من المتهمين في القضية، وورد فيه، “أن المتهمين اشتركوا مع آخرين في التجمهر الذي من شأنه أن يجعل السلم العام في خطر بغرض الترويع والتخويف وإلقاء الرعب بين الناس وتعريض حياتهم للخطر، وارتكاب جرائم الاعتداء على أشخاص لخدمة انتمائهم السياسي ومقاومة رجال الشرطة المكلفين بفض تجمهرهم، والقتل العمد والشروع في القتل والإتلاف العمدي للممتلكات باستخدام أسلحة كانوا مدججين بها”.

ما الذي منع إخلاء سبيل أسامة فوراً؟ لنفترض أنه يدّعي الإصابة أمام المحكمة، ماذا عن المستندات الرسمية التي تثبت إعاقته البدنية منذ عشر سنوات؟ ماذا عن تقرير الطب الشرعي الرسمي الصادر في 2016، الذي يؤكد كل ما سبق؟ كيف يحيا هؤلاء البشر ويتنفسون الهواء الذي نتنفسه؟
آخر جلسات محاكمة أسامة ورفاقه كانت يوم 20 فبراير/ شباط الجاري، وتم تأجيلها إلى يوم 9 مارس/ آذار. لو أن شاباً في الثالثة والعشرين بدأ يتمشى، مزهواً بشبابه، حالما شارداً: أين سأصبح بعد عشر سنوات من الآن؟ ربما فكر أسامة في ذلك عام 2005، ربما حلم بأنه سيصبح أبا، لديه زوجة يحبها وأطفال يرعاهم… ربما تمادى فخطط للعمل صيفاً في إحدى القرى الساحلية، واقتناص رائحة “التصييف” من بين المهام المرهقة الكثيرة، كملايين الشباب الذين يقتنصون ما يشبه متع الحياة. ربما حلم بنجاح آخر لا أعرفه، لكنه أدرك خطأه الآن، لا تحلم ثانية، أنت مصري يا أخي.

[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علاء رشيدي – كاتب سوري
السؤال الإشكالي في التعامل مع الكارثة، هل علينا جبرُ الضرر والاستمرار وإعادة البناء بحيث تتجاوز الذاكرة ما حدث؟ أم علينا أن نحتفظ بالذكريات التي تؤشر إلى الكارثة؟

2:57

2:57

5:34

5:34
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني