fbpx

زيارة إلى السجن الذي تحوّل متحفاً للإبادة الجماعية في كمبوديا

أردت أن أرى بنفسي صور ضحايا الخمير الحمر، فلربما أتمكّن من العثور على بعض الإجابات. هل من الممكن أن نفهم العنف الغاشم الذي لا معنى له والذي ارتكبه الخمير الحمر؟ ولماذا قاموا بتعذيب ضحاياهم لتسجيل اعترافاتهم وتصويرهم عند اعتقالهم، وبعد قتلهم؟ بينما كنت أشاهد ضحايا الخمير الحمر، اعتقدت أن متحف تول سلينغ لا يتعلّق بالماضي وحسب، بل إن شيئاً مماثلاً يحدث في عصرنا...

كان ذلك في أحد أيام شهر تموز/ يوليو في بنوم بنه في كمبوديا، وقد تسبّب الجو الحار والهواء الرطب في صعوبة التنفّس. كانت الشوارع المؤدّية إلى “تول سلينغ” Tuol Sleng، صاخبة ومزدحمة، إِذْ ينادي سائقو التوك-توك للزبائن المحتملين ويملأ باعة الطعام في الشوارع الهواء برائحة السمك المشوي، فيما يصطف السيّاح الأجانب لشراء تذاكر لدخول المتحف. داخل هذا المبنى الذي كان مدرسة في يوم من الأيام، وأصبح في ما بعد السجن الرئيسي في ظل حكم “الخمير الحمر” Khmer Rouge، يواجه الزائر أهوال الإبادة الجماعية والغموض الذي اعترى الإرث الذي خلّفته.

سجن S-21

لطالما حيّرني تاريخ كمبوديا. كما زادت أفلام مثل “حقول القتل” Killing Fields، وأفلام المخرج ريثي بان، حيرةً إلى حيرتي. كانت كمبوديا بمثابة الدافع وراء حرب فيتنام والصين عام 1979، وهي الحرب التي اندلعت بين دولتين اشتراكيتين يُفترض أنهما شقيقتان. أما ما أثار حيرتي أكثر، فهو العنف غير المفهوم الذي شنّه الخمير الحمر ضد شعبهم، وإفراغ المدن والمراكز الحضرية، وإرسالهم الناس إلى الريف لإنتاج الأرز، والقضاء على النخبة المثقفة في البلاد. أردت أن أرى بنفسي صور ضحايا الخمير الحمر، فلربما أتمكّن من العثور على بعض الإجابات. هل من الممكن أن نفهم العنف الغاشم الذي لا معنى له والذي ارتكبه الخمير الحمر؟ ولماذا قاموا بتعذيب ضحاياهم لتسجيل اعترافاتهم بالتفصيل والتي تحصّلوا عليها بالإكراه، وتصويرهم عند اعتقالهم، وبعد قتلهم؟ وكيف تمكّن المجتمع الكمبودي من تناول مسألة التذكر والإنكار، الضحية والجاني؟ وأخيراً، أردت أن أتعلّم دروسهم التي تتعلّق بكيفية مواصلة الحياة بعد الإبادة الجماعية.

عند مدخل تول سلينغ، الذي كان يُعرف بسجن S-21 في ظل حكم الخمير الحمر، يواجه الزائر ملصقاً لتعميم “القواعد الأمنية” العشر في السجن، باللغة الخميرية، إضافة إلى ترجميتين بالفرنسية والإنكليزية. تنص القاعدة رقم 6 على ما يلي: “عند التعرّض للجلد أو الصعق بالكهرباء، يجب ألا تصرخ على الإطلاق”. حتى أثناء التعذيب، كان المرء ممنوعاً من التعبير عن معاناته.

قواعد التعذيب… القاعدة رقم 6: ممنوع التعبير عن الألم

وكان هناك ملصق جداري كبير يعود إلى 10 كانون الثاني/ يناير عام 1979، وهو اليوم الذي دخلت فيه القوات الفيتنامية تول سلينغ وأنقذت أربعة أطفال، بينهم رضيعان توفيا بعد ذلك بوقت قصير. كما كان هناك ملصق جداري آخر يعرض مشهداً يعود إلى نيسان/ أبريل عام 1975، بعد أيام من احتلال الخمير الحمر مدينة بنوم بنه، حين اضطر جميع سكّانها إلى النزوح نحو مزارع الأرز، والمعاناة والموت. استمرّ حكم الخمير الحمر من بدايته إلى نهايته لفترة تصل في مجملها إلى ثلاث سنوات وثمانية أشهر من الفزع.

ندخل غرفة واسعة ليس فيها سوى سرير معدني، كان السجناء يقيّدون به. وبجواره، كان هناك صندوق يقضي فيه السجين حاجاته. وتقع طاولة المحقّقين في نهاية الغرفة. تفهّمت في ما بعد أن هذه إحدى زنازين كبار الشخصيات، وهي من الزنازين المخصّصة للسجناء رفيعي المستوى، بينما سُجِن آخرون إما داخل غرف جماعية وهم مقيّدون إلى الأرض أو داخل زنازين فردية لا تزيد على المترين. يمتلئ المتحف بصور السجناء وملصقاتهم: رجالاً ونساءً ينظرون مباشرة إلى عدسة الكاميرا. ينظر البعض إليك وهو في حالة هلع، فيما يعتري التحدّي نظرات آخرين. ويبدو البعض عاجزاً عن فهم ما يحدث لهم، كيف يتسنّى لأبناء بلدهم، رُفقاء حزبهم المنتصر، أن يرتكبوا مثل هذه الفظائع في حقهم. ويبدو أن الآخرين فهموا مصيرهم وتحدّوه. بعضهم مجرّد أطفال، ومعظمهم من الشباب. هناك صور لأمّهات يحملن أطفالهن، ممن حُكم عليهم بالموت جميعاً. كما توجد مجموعتان من الصور: تلك التي التُقِطت عند إلقاء القبض عليهم؛ وهناك صور أخرى بعد موت السجناء تحت وطأة التعذيب.

بينما كنت أشاهد ضحايا الخمير الحمر، اعتقدت أن متحف تول سلينغ لا يتعلّق بالماضي وحسب، بل إن شيئاً مماثلاً يحدث في عصرنا. تبادرت صور “قيصر” إلى ذهني – آلاف السجناء السوريّين الذين قُتِلوا جرّاء التعذيب بعد اختطافهم من قبل قوّات الأسد في سوريا. وبعد أيام قليلة فقط، سمعت الأخبار التي تفيد بأن المتظاهرين السلميين – المئات منهم – ممّن اعتُقِلوا عام 2011، في بداية الاحتجاجات السورية، أُعلِن عن وفاتهم منذ سنوات على يد السلطات السورية.

من بين النزلاء الذين تُقدّر أعدادهم بـ18 ألف نزيل في سجن تول سلينغ، تم إنقاذ سبعة فقط عام 1979 عندما حرّر الجيش الفيتنامي السجن. كما تشير تقديرات في الوقت الحاضر إلى أن العدد الإجمالي لهؤلاء الذين نجوا من سجن S-21 أقل من 50 سجيناً. بعبارة أخرى، أُصدِر الحكم على جميع هؤلاء الذين أُلقي القبض عليهم وأُرسِلوا إلى هناك بالإعدام. مات كثر منهم بسبب التعذيب، أو بسبب الجوع والمرض. أمّا الذين نجوا، سواء “اعترفوا” أم لا، فقد اقتيدوا إلى منطقة Choeung Ek، إلى أحد الحقول حيث تقع مقبرة صينية قديمة، ليُقتلوا بسحق رؤوسهم – وذلك من أجل توفير الذخيرة. يُعرف هذا المكان باسم “حقول القتل” Killing Fields، وهو واحد من بين 20 ألف موقع تم اكتشاف مقابر جماعية فيه.

كانت المأساة الكمبودية إلى حد كبير أثراً جانبياً لحرب فيتنام. فقد أسقط الجنرال الموالي للأميركيين نول لونغ الأمير سوهانوك الذي حاول إبعاد البلاد من الصراع. دك الطيران الأميركي غابات كمبوديا الشرقية بـ250 ألف طن من القنابل (أكثر من القنابل الأميركية التي أُلقيت على اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية)، لمنع الأسلحة والمحاربين من المرور من شمال فيتنام إلى محاربي فيت كونغ (الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام). وكانت هذه هي الاستراتيجية العظيمة لهنري كيسنجر، الذي اعتبره كثيرون مجرم حرب: أدّى القصف بالقنابل إلى سقوط ما يُقدر بـ500000 كمبودي ما بين قتيل وجريح.

لا تمثّل جرائم الحرب الأميركية إلا جزءاً من المأساة الكمبودية. فما تلا ذلك كان أكثر إدهاشاً. ففي أعقاب الانسحاب من سايغون، تكون القوّات الأميركية قد انسحبت من كمبوديا فاتحةً الباب أمام الخمير الحمر الذين دخلوا بنوم بنه في 17 نيسان عام 1975. واستقبلهم الكثير من سكّان العاصمة الذين يبلغ عددهم مليوني نسمة كمحرّرين، آملين بأن يضع انتصار الخمير الحمر نهاية للحرب. ولم تمر سوى أيام قليلة حتى أمر الخمير الحمر جميع سكّان العاصمة وغيرها من المراكز الحضرية بالنزوح تجاه الريف لبناء يوتوبيا زراعية، عبر زراعة حقول الأرز. في ظل حكم الخمير الحمر، انخفض تعداد سكّان بنوم بنه إلى 20 ألف نسمة فقط، مؤلّفة من من قادة الحزب والجنود وحفنة من عمّال المصانع.

كان الثمن الذي دفعه السكّان باهظاً. توفي الآلاف بسبب معاناتهم من ظروف معاكسة، بسبب الإرهاق في العمل أو الجوع أو المرض. كما أعدم سفاحو الخمير الحمر الكثير: قُدّرت الوفيات بـ1.3 مليون نسمة. عانت الأقليات بشكل غير متكافئ: قُتل 100 في المئة من المنتمين للعرق الفيتنامي الذين لم يتمكّنوا من الفرار من الخمير الحمر، و50 في المئة من المنتمين إلى العرق الصيني، و40 في المئة من التايلانديين واللاويين، 36 في المئة من عرق التشام. هلك العدد الأكبر من الرهبان البوذيين: فمن بين ما يقدّر بـ500 ألف راهب لم يبقَ على قيد الحياة إلا 800 راهب بعد نظام بول بوت (فرّ البعض إلى تايلاند المجاورة). ومع ذلك، كان معظم الضحايا من أصل الخمير، سواء كانوا من أهل المدن والمتعلّمين أو الأميين والفلاحين، يشبهون كثيراً الهوية الاجتماعية لقيادة الخمير الحمر.

انقلب بول بوت أيضاً على حلفائه السابقين، الشيوعيين الفيتناميين. وفي الواقع، لا يمكن فهم نظامه من خلال الوصف الاشتراكي، ولا من خلال عدائه العرقي تجاه الفيتناميين، أو من خلال اليوتوبيا الزراعية الخاصة به. وقد أمر قوّاته المسلّحة الضعيفة بالهجوم على فيتنام، ما أشعل فتيل الحرب التي أدّت إلى سقوطه. انهار نظام الخمير الحمر حرفياً أمام الهجوم الفيتنامي، إذ استولت القوّات الفيتنامية على بنوم بنه في غضون أسبوعين.

يقول يوك شهانغ، مدير مركز التوثيق في كمبوديا: “تطلّب الأمر اتّخاذ إجراء عسكري لوقف الإبادة الجماعية”. واستنتج قائلاً: “لا أعتقد أن هناك أي طريقة أخرى لإيقافها. وهذا هو السبب في وجود الفيتناميين هنا”. وكان الفيتناميون أيضاً هم أوّل من عثروا على سجن S-21 وقرّروا إقامة متحف به.
بالنسبة إلى يوك شهانغ، لا يعتبر تول سلينغ أو S-21 نصباً تذكارياً ملائماً لضحايا الإبادة الجماعية في كمبوديا. يقول: “كان ما يزيد على 80 في المئة من ضحايا S-21 من الخمير الحمر أنفسهم. وكان واحداً من ضمن 196 سجناً”، ولكنه الوحيد الذي بقي كمتحف. ويتعجّب قائلاً “كان تول سلينغ هو الدعاية الفيتنامية الأكثر فعالية. لم يوثِّق الخمير الحمر جميع الضحايا، لكنهم كانوا يوثقون ضحاياهم في سجن S-21 لأنهم كانوا من الخمير الحمر في السابق”.

كان هذا جزءاً من جنون الارتياب الذي أصاب بول بوت الذي خشي المؤامرة داخل قيادته وحزبه السياسي. أكثر من ثلاثين من ضحايا S-21 كانواً يوماً أعضاء في اللجنة المركزية لحزب الخمير الحمر، و”تم تطهيرهم” بأفضل التقاليد الستالينية. هل يمكن أن يفسّر هذا سبب زيارة عدد قليل للغاية من الكمبوديين لتول سلينغ، في حين أن معظم الزائرين من السائحين؟

إقرأ أيضاً:
سوريا: “موت في عهدة الحكومة”
ثورة سعيدة ومبتسمة في أرمينيا… ولكن ماذا بعد؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد الزيدي – صحافي عراقي
“كورونا” أصاب رئة السياحة بين البلدين، وأصبح تنفّس العراقيين كما الإيرانيين دونه صعوبات، وقد ألحق الفايروس أضراراً جسيمة بشركات السياحة وبقطاع الفنادق والمطاعم وحتى المتاجر في البلدين وأحال عشرات آلاف العمّال إلى جيوش العاطلين من العمل.

15:27

6:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني