fbpx

في المقارنة “المرذولة” بين النظام السوري وإسرائيل

إذا كان النظام السوري يقتل ويدمر ويشرّد شعبه، وبإشراك دولتين هما روسيا وإيران، فمن الذي سيعترض، وبأي حجّة، اذاً على قصف إسرائيل للفلسطينيين، أو تدميرها بيوتهم أو تشريدها بعضهم (وهي فعلت ذلك دوما)؟ هذا مع العلم إن إسرائيل عدو للفلسطينيين، وهي تبرّر عدوانها عليهم بالحفاظ على أمن شعبها، ومحاربة الإرهاب، وعلما أن وحشية النظام فاقت وحشية إسرائيل، لكن ليس في الكم والنوع، فقط، وإنما باعتبار أن إسرائيل عدوّة للفلسطينيين، ولا تقتل في مواطنيها (اليهود)، في حين النظام يقتل في شعبه بالذات، وتتمتع بإسرائيل من خلاله على أهدأ حدود لها منذ قيامها، وهذه هي القصة المسكوت عنها، أو التي يفضل رافضي المقارنة "المرذولة"، إبقاءها محجوبة.

يأنف، أو يستنكر، البعض المقارنة بين ما يرتكبه النظام السوري من جرائم بحق السوريين وما ارتكبته إسرائيل من جرائم، ولا زالت، بحق الفلسطينيين، علماً إن عقد مثل تلك المقارنة لم يعد ترفاً أو مسألة مزاجية، إذ إنها أضحت عملية اضطرارية تفرض نفسها يوميا بحكم الأمر الواقع وبسبب الاستمرارية.
عموما فإن هذا الموقف الاستنكاري يصدر عن خلفية تعتبر أن إسرائيل عدواً طبيعياً، وقومياً، وإنها لذلك بمثابة شرّ مطلق ينبغي لصق كل الشرور بها، ويأتي في ذلك احتكارها التوحّش، والإجرام، وضمن ذلك القتل والتدمير والحصار والتشريد بحق الفلسطينيين وفي مجتمعات دول الجوار. هذا الموقف لا يأخذ في اعتباره أن الإجرام والتوحّش وانتهاك حقوق الإنسان ليس لهما علاقة بهوية ما أو ايديولوجية ما أو ديانة ما، كما علمتنا التجارب التاريخية، وأن مصدر هذه الأفعال إنما هو سياسي، أو يتبع علاقات القوة والسلطة، قبل أي شيء أخر.
لا يتسع عقل، أو ضمير، المستنكرين، لاستيعاب أن النظام السوري، يقتل ويعذب ويحاصر ويدمر ويشرد، منذ سبع سنين، فهؤلاء لا يرون، أو في الحقيقة لا يريدون أن يروا، البراميل المتفجرة، ولا الصواريخ الفراغية ولا الصواريخ الارتجاجية، ولا الـ 14 ألف صورة لضحية تحت التعذيب في سجون النظام، ولا ملايين المشردين، الذين هاموا على وجوههم، بسبب أهوال المأساة السورية، لدرجة الموت في البحر، أو بالرصاص على حدود هذه الدولة أو تلك.
المقارنة بإسرائيل، بالنسبة لهؤلاء مرذولة، باعتبارها خلطا بين ما يعتبرونه الشر المطلق وهو إسرائيل، وتالياً الإمبريالية، وبين النظام السوري الذي بات بالنسبة لهم بمثابة الخندق الأخير، للدفاع عن معسكر المقاومة والممانعة، الذي يضم إليه كل من إيران وروسيا.
اللافت أن هؤلاء لا يهمّهم أن هذا المعسكر، هو متخيّل، رغبوي وأيديولوجي، أكثر مما هو واقع، فهذا المعسكر لا يقاتل إسرائيل، منذ العام 1973 أو منذ العام 2000 أو منذ العام 2006، فيما تقوم إسرائيل بشن الهجمات عليه، في الوقت ذاته الذي يمعن فيه قتلاً وتدميراً وتشريداً في مجتمعات العراقيين والسوريين؛ وحتى فلسطينيي العراق قام بتشريدهم إلى أصقاع الدنيا.
وبعيداً عن قصة إسرائيل، فإن هؤلاء، وضمنهم “يساريون” و”علمانيون” و”قوميون”، في متخيّلهم أو توهّمهم المذكور، يرون إيران كمصدر للتقدم والحداثة في المنطقة، أي لا يرونها كدولة طائفية ودينية، وكدولة استبدادية تخضع للولي الفقيه، الذي يتحكم باللعبة الديمقراطية، ويفرض هيمنة نظامه بالقوة، عبر الحرس الثوري وطبقة رجال الدين الموالين، وعبر السيطرة على الموارد الاقتصادية لإيران. في المقابل يظنّ هؤلاء بروسيا بوتين وكأنها امتداد لروسيا لينين، أو للاتحاد السوفييتي الخاص بستالين، من دون أي تبصّر بطبيعة النظام الدكتاتوري، الذي فرضه بوتين، ومن دون أي اعتبار للخصائص المافيوية للحكم في روسيا، في السياسة والاقتصاد والمجتمع ووسائل الإعلام، الذي تجعل الشبه قريباً جداً بينه وبين النظام السوري.
والحال فإن الضمير الساكت أو الميّت، لهؤلاء يريد أن يبرّر كل ما يجري إما بالإنكار، وهذا أريح لضميرهم، أو بمقاومة متخيّلة لإسرائيل وللإمبريالية، في وقت تدمر فيه، بكل معنى الكلمة، مجتمعات المشرق العربي، بفعل إيران، التي نجحت بتقويض وحدة هذه المجتمعات، بإثارة النعرة الطائفية المذهبية (“سنة” و”شيعة”)، وإضعافها، أكثر بكثير مما استطاعت إسرائيل، التي قامت منذ سبعين عاما. ولعل هذا هو بالضبط، أي الخدمة التي قدمتها إيران لإسرائيل، هو مغزى الاستثمار الأمريكي والإسرائيلي بها، ما يفسر السماح لها بالبرنامج النووي، وتسليمها العراق بعد الغزو الأمريكي (2003)، والسماح بتدخلها العسكري المباشر في سوريا، وإلا ما الذي يفسر كل ذلك؟ أو ما الذي يفسّر كل هذا السكوت عن صعود إيران، من طهران إلى لبنان؟
ثمة فئة أخرى تأنف تلك المقارنة لكن لدواع أخلاقية وأيدولوجية، علماً أن هذه الفئة تناصب النظام السوري العداء، وحتى إيران، لكنها تضع كلمة “ولكن”، كلازمة، لمقولاتها، إذ أن ضميرها لا يستوعب أن ثمة شر أكثر من الشر الذي تمثله إسرائيل، أو يضاهي الشر الذي مثلته. ولا يخفى هنا أن هذا الموقف ينهل من منطلقات الفئة السابقة، ويتساوق معها في هذا المجال، ما يضعف منطلقاته، ويشكك في دوافع أو مبررات أصحابه؟
ثمة مسألتان يمكن اثارتهما هنا، في الرد على هاتين الفئتين، أولاهما، أن المشكلة ليست في المقارنة، بين النظام وإسرائيل، فهذه مجرد مقارنة نظرية، إذ المشكلة الحقيقية هي في ما يفعله النظام، أي في الجرائم التي يرتكبها، فهذه التي يجب مناقشتها بدلاً من التغطية عليها، أو التخفيف من شأنها.  وثانيتهما، أن الأخطر من كل ما سبق إدراك حقيقة أن إسرائيل لا تُجْرم بحق مواطنيها من اليهود، وإنما هي ضنينة بكل نقطة دم عندهم، لكنها تقتل وتدمر وتشرد شعباً أخر، تعتبره عدواً لها، في حين أن النظام السوري يقتل ويدمر ويحاصر ويشرد في شعبه، أو في من يفترض أنهم مواطنيه، بل إنه أدخل دولتين إلى حلبة الصراع لقتل شعبه، ووأد تطلعه للحرية والكرامة والديمقراطية.
وهنا لا ننسى أن المقصود هو نظام استبدادي، حول الجمهورية إلى ملكية وراثية، في ظل شعاره: “سورية الأسد إلى الأبد”، وأن سوريا ليست، فقط، مجرد قطعة أرض، أو موقعا جغرافياً استراتيجياً، كما يحلو للبعض، فهذا بلد فيه شعب أيضاً، وهذا الشعب له حقوق، أسوة بكل الشعوب الأخرى، بغض النظر عن أي شيء، وقبل أي شيء أخر.
الآن، إذا كان النظام السوري يقتل ويدمر ويشرّد شعبه، وبإشراك دولتين هما روسيا وإيران، فمن الذي سيعترض، وبأي حجّة، اذاً على قصف إسرائيل للفلسطينيين، أو تدميرها بيوتهم أو تشريدها بعضهم (وهي فعلت ذلك دوما)؟ هذا مع العلم إن إسرائيل عدو للفلسطينيين، وهي تبرّر عدوانها عليهم بالحفاظ على أمن شعبها، ومحاربة الإرهاب، وعلما أن وحشية النظام فاقت وحشية إسرائيل، لكن ليس في الكم والنوع، فقط، وإنما باعتبار أن إسرائيل عدوّة للفلسطينيين، ولا تقتل في مواطنيها (اليهود)، في حين النظام يقتل في شعبه بالذات، وتتمتع بإسرائيل من خلاله على أهدأ حدود لها منذ قيامها، وهذه هي القصة المسكوت عنها، أو التي يفضل رافضي المقارنة “المرذولة”، إبقاءها محجوبة.
[video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني