fbpx

العواقب الوخيمة لقانون المحرقة الجديد في بولندا

فبراير 26, 2018
لم يفكر الباحث البولندي يان ت. غروس، وهو خبير في شؤون البلاد خلال الحرب العالمية الثانية، فيما سيقوله عندما سألته عن القانون البولندي الجديد الذي يجرم الإشارة إلى تواطؤ "الأمة البولندية" في جرائم المحرقة. قال بكل عفوية في مكالمتي معه من برلين حيث يعيش "إنه أمر فظيع. إنه يجرم جميع الناجين من المحرقة. كل يهودي من بولندا لا يزال حياً يمكن محاكمته". ربما يكون ذلك أمراً غير وارد الحدوث، إلا أنه لا يزال من غير الواضح تماماً كيف سيتم تطبيق القانون، ومن الصعب أن نتصور حالات تسليم لمن تجرأ على مناقشة جرائم الحرب البولندية في الخارج للحكومة البولندية. ولكن قلقه يستحق الاهتمام...

تقمع البلاد النقاش المفتوح بشأن جرائم الحرب وتعرض مكانتها في الساحة العالمية للخطر.
لم يفكر الباحث البولندي يان ت. غروس، وهو خبير في شؤون البلاد خلال الحرب العالمية الثانية، فيما سيقوله عندما سألته عن القانون البولندي الجديد الذي يجرم الإشارة إلى تواطؤ “الأمة البولندية” في جرائم المحرقة. قال بكل عفوية في مكالمتي معه من برلين حيث يعيش “إنه أمر فظيع. إنه يجرم جميع الناجين من المحرقة. كل يهودي من بولندا لا يزال حياً يمكن محاكمته”. ربما يكون ذلك أمراً غير وارد الحدوث، إلا أنه لا يزال من غير الواضح تماماً كيف سيتم تطبيق القانون، ومن الصعب أن نتصور حالات تسليم لمن تجرأ على مناقشة جرائم الحرب البولندية في الخارج للحكومة البولندية. ولكن قلقه يستحق الاهتمام.
غروس ليس المستاء الوحيد. فالحكومة الإسرائيلية كذلك في غاية الغضب. وقد تم إلغاء زيارة وزير التعليم الإسرائيلي نافتالي بينيت إلى بولندا هذا الأسبوع بعد انتقاده للقانون، قائلاً “إن دماء اليهود البولنديين تصرخ تحت الثرى، ولا يستطيع أي قانون إسكاتها”. وقال ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي، إن القانون سيؤثر على “حرية التعبير والبحث الأكاديمي”. كما أصدرت إدارة متحف تاريخ اليهود البولنديين في وارسو بياناً حاسماً، وكذلك فعل مجلس أوشفيتز الدولي، وهو مجلس مستشارين لمخيم الموت الذي تحول إلى متحف. وكذلك فعل عشرات من المؤرخين البولنديين، عبر كتاباتهم في “صحيفة الغارديان” البريطانية.
أستطيع أن أفهم استياء البولنديين من فكرة “معسكرات الموت البولندية” – وهو مصطلح يجرمه القانون الجديد – منذ إنشاء المخيمات وإدارتها من قبل ألمانيا النازية على الأراضي البولندية. (وقد وصفت ألمانيا وإسرائيل في الواقع تلك العبارة بغير الدقيقة في البيانات الرسمية). ولكن هذا القانون لا يتعلق بالنقاط الأكثر دقة من التاريخ. بل يهدف إلى تعزيز القاعدة اليمينية لحزب القانون والعدل الحاكم. وذلك على حساب موقف بولندا في الساحة العالمية، وربما أمنها.
منذ انتشار أخبار القانون، واجهت الحكومة البولندية هجوماً واسعاً. وألقى رئيس الوزراء ماتيوس موراويكي خطاباً في وقت الذروة قائلاً إن بولندا تحترم ذكرى الذين ماتوا في المحرقة. وقد وقع الرئيس البولندي أندري دودا مشروع القانون هذا الأسبوع، لكنه قال أيضاً إنه سيرسله إلى المحكمة الدستورية للتوضيح، واكتساب بعض الوقت لإجراء تعديلات محتملة.
ولكن من الصعب أن نرى كيف يمكنهم التراجع عنه. بعد أن تم اقتراحه من قبل حزب “القانون والعدل”، فمن الواضح أن هذا القانون تم التعجيل بوضعه بعد أيام فقط من قيام صحافيين متخفين يعملون لحساب قناة تلفزيونية بولندية خاصة بتصوير مجموعة من النازيين الجدد في بولندا يلوحون بأعلامٍ نازية ويرتدون الزي النازي ويحرقون الصليب المعقوف. وقد دفع التقرير السلطات البولندية إلى فتح تحقيق في “نشر الفاشية على نطاق واسع”. لكن ذلك بالطبع وضع حزب القانون والعدل في موقفٍ صعب نظراً لتعصبهم، إذ كانوا مستائين بالفعل بعد الإصلاحات المعتدلة التي جلبها التعديل الوزاري الأخير.
وجاء التعديل بعد أن حاولت بولندا تصحيح الأمور بعد أن هددتها المفوضية الأوروبية بفرض عقوبات عليها إذا ما قامت بتعديلات في نظامها القضائي الذي يقول المسؤولون الأوروبيون إنه يهدد سيادة القانون – وهو أكبر اختبار لحد الآن للكتلة.
فالرسائل المعدة للاستهلاك المحلي تتجاوز أصداؤها الحدود الوطنية. وقال باول ماخسافيتش، وهو مؤرخ ومدير سابق لمتحف جديد للحرب العالمية الثانية في غدانسك: “لا أقول إن هذا إجراء مخطط له بالكامل، بل هو انعكاس لعزلة ذاتية كاملة وعدم فهم الدول الأخرى. إنهم مندهشون لكنهم لا يستطيعون التراجع لأن ذلك سيعني الضعف وخيانة الكرامة البولندية”.
إذا كان أي شخص يعرف مدى أهمية التاريخ لهذه الحكومة، فإنه ماخسافيتش، الذي أطيح به كمدير للمتحف بعد أن تحدته الحكومة على أسس مختلفة، لا سيما أنه لم يصور بشكل كاف معاناة الشعب البولندي.
الجغرافيا مصير، وبولندا عالقة بين ألمانيا وروسيا. قبل بضعة عقود، كان لدى بولندا حلم مختلف: الانضمام إلى أوروبا. إلا أن قضبان الحكومة البولندية اليوم ضد أوروبا. وقال ماخسافيتش، “إن بولندا خلال عامين فقط أصبحت دولة معزولةً تماماً في العالم الغربى، وهو أمر مقلق للغاية، مع مراعاة تزايد عدوانية روسيا”. “إذاً، لا يتعلق الأمر بالتاريخ فقط، بل يرتبط أيضاً باستقلال بولندا والأمن البولندي. وأجد ذلك مقلقاً للغاية”.
قال لي غروس إنه لا يعتقد أن القانون سيكون له عواقب عملية كثيرة على المؤرخين الراسخين، على الرغم من أنه يشعر بالقلق من أنه قد يمنع الشباب من دراسة الهولوكوست.
أكثر ما كان يشعره بالقلق كان تدريس التاريخ في المدارس البولندية. وقال “لا أحد يجرؤ على تدريس تاريخ المحرقة. جهل المجتمع البولندي بالهولوكوست غير عادي. كانت هناك دراسات استقصائية وغالبية الناس الذين طرح عليهم السؤال التالي “من عانى أكثر خلال الحرب العالمية الثانية تحت الاحتلال الألماني، البولنديين أم اليهود؟” – أجابوا “البولنديين” ما مدى الجهل الذي يعاني منه هؤلاء؟ ”
جاهل أو متضرر؟ أجريت قبل بضع سنوات مقابلة مع وزير الثقافة البولندي ونائب رئيس الوزراء، بيوتر غلينسكي، حول الجدل القائم بشأن متحف الحرب العالمية الثانية في غدانسك.
وقال لي، “ترتبط بولندا أساساً بالمحرقة. يعرف العالم عن انتفاضة غيتو وارسو في 19 أبريل/ نيسان 1943، لكنه لا يعترف بانتفاضة وارسو التي تسببت في خسائر أكبر بكثير”. وكان يشير إلى الفترة من عام 1944 عندما قاتل البولنديين النازيين مع مساعدة محدودة من حلفاء لمدة 63 يوماً قبل غزو الجيش الأحمر. (افتتح متحف مثير للإعجاب في وارسو مخصص للانتفاضة في عام 2004). وأضاف غلينسكي أن “التزام بولندا” كان “الحفاظ على حوار حول تضحياتنا، حوار مع الرأي العام العالمي”.
غالباً ما كنت أفكر في هذا الاستياء غير الواضح تماماً والذي يبدو أنه يدفع الحكومة البولندية الحالية. وقد كتب العالم السياسي الفرنسي دومينيك مويسي أن ثلاث عواطف تميل إلى التحكم في السياسة: الإهانة والأمل والخوف. تقع بولندا في معسكر الإذلال. شعور من التظلم، والشعور بأن العالم الأوسع لا يفهم حقاً معاناة الشعب البولندي، ولكن أيضاً الشعور بأن الهولوكوست حيث ذبح ثلاثة ملايين يهودي بولندي على التراب البولندي – يعطي بولندا سمعةً سيئة. 
إن الإذلال المسلح هو أمر خطير. يقول لي غروس عن القانون الجديد: “شيء أكثر أهمية، في رأيي، هو ما فعلوه داخلياً. لقد أثاروا معاداة السامية. وكان هذا دائما جزءاً من الإرث الروحي لهذا الحزب”.
ويضيف غروس، “بحق الله، هؤلاء الضحايا اليهود كانوا من المواطنين البولنديين! هؤلاء الذين يقولون، هم يهود ونحن بولنديين، مجانين”.
وبما أن القانون اقتُرح الشهر الماضي، يبدو أن الجو في بولندا قد تحول. وأشار معلق تلفزيوني بارز إلى اليهود “بالمرتزقة”، على تويتر، في منشور أزيل في وقت لاحق. وقال مدير محطة تلفزيونية تديرها الدولة على الهواء مباشرةً هذا الأسبوع إن معسكرات الموت النازية يجب أن تسمى باليهودية، طارحاً سؤال “من كان يدير المحرقة هناك؟” وفقاً لما ذكره تقرير “أسوشيتد برس”.
وقالت آنا شيبتشينسكا، رئيس الطائفة اليهودية في وارسو، لصحيفة “فايننشال تايمز”: “نشعر بأن العالم الذي نعيش فيه ينهار فجأة، بكل الطرق الممكنة”. وأضافت “لقد دخلنا في حلقة مفرغة وخطيرة جداً ويصعب علينا مع مرور الأيام الخروج منها”. لقد كانت هناك علامات مثيرة للقلق لبعض الوقت. ففي عام 2016، بثت قناة TVP التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون في بولندا برنامجاً حرجاً للغاية مدته 12 دقيقة عن فيلم ” إيدا”، الفيلم الحائز على جائزة الأوسكار عام 2014 لباول باوليكوسكي، قبل بثه. تم تصوير الفيلم بالأسود والأبيض الجميل، في بولندا الشيوعية في الستينيات من القرن الماضي، وهو يحكي قصة الراهبة المبتدئة الشابة، التي تيتمت أثناء الاحتلال النازي في بولندا، والتي تكتشف أصولها اليهودي قبل دخول الدير.
بعد بث الفيلم على شاشة التلفزيون، علّق المذيع قائلاً إن العديد من البولنديين غير اليهود ساعدوا اليهود على الهروب من النازيين. قد يكون هذا صحيحاً بما فيه الكفاية، ولكن المقصود من ذلك بوضوح تقويض رؤية الفيلم. وقد احتجت نقابة المدراء البولنديين على أن ذلك يظهر “ليس فقط عدم احترام تجاه المبدعين ولكن أيضاً تجاه المشاهدين الذين يفقدون الفرصة لتفسير الفيلم بمفردهم”. وأضافوا، “إنه انتهاك للسلوك الجيد ومثال واضح على ممارسات الدعاية التلاعبية التي لا تتناسب مع معايير الإعلام في دولة ديمقراطية”.
وربما يكون التجديد بعد المحرقة العنصر الوحيد الذي يحدد الحياة الأوروبية في مرحلة ما بعد الحرب. وهو ما شكل أوروبا ودفع إلى تكوين الاتحاد الأوروبي الذي يربط بين البلدان اقتصادياً وسياسياً، وهذا من شأنه أن يضمن حقوق الإنسان وحرياته. واليوم، يموت الناجون من المحرقة. ولا يعرف الأوروبيون الأصغر سناً عن ذلك سوى من خلال كتب التاريخ.
وقال مدير متحف بولين لتاريخ اليهود البولنديين ورئيس مجلس رابطة المعهد اليهودي التاريخي في بولندا “نحن لسنا مسؤولين عن الماضي الذي لم يكن لنا أي تأثير فيه”. وأضاف “لكننا مسؤولون عنما نقوم به حول ذلك اليوم. وقبل كل شيء، ندين بالحقيقة لضحايا الجرائم الماضية، والحقيقة مدعومة بمناقشة مفتوحة وواقعية”.
نستطيع في متحف الحرب العالمية الثانية في غدانسك رؤية مفاتيح منازل البولنديين اليهود الذين قتلوا من قبل جيرانهم البولنديين في بلدة جدوابني، وهي فترة مشينة من الحرب. تحاول الحكومة تغيير ما يعرضه المتحف، على الرغم من أنه من غير الواضح كيف يمكن أن يتأثر هذا العرض بالذات. ويقاضي المدير السابق وآخرين بسبب انتهاك حقوق الطبع والنشر، على أساس أنه لا ينبغي انتهاك عرض المتحف الذي صمموه. أيا كانت نتيجة الدعوى – والقانون الجديد – المفاتيح موجودة.
راشيل دوناديو هي كاتبة في ذي أتلانتيك مقرها باريس، تغطي المواضيع السياسية والثقافية في جميع أنحاء أوروبا.
هذا الموضوع تم اعداده وترجمته عن موقع The Atlantic لمراجعة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي
 
 [video_player link=””][/video_player]

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مبادرة الإصلاح العربي
يتحتّم على أيّ حلّ يهدف إلى استمرار الحصول على الأدوية بأسعار معقولة أنْ يكفل إتاحتها لجميع الفئات السكّانيّة حتّى الذين لا تشملهم التغطية التأمينيّة، لا سِيَّما في ظلّ ارتفاع نسبة البطالة.
Play Video
مضى عامان على حادثة اغتيال رائد الفارس وزميله حمود جنيد، دون فتح تحقيقات أو إجراء محاكمة أو حتّى جمع أدلّة لتحديد هوية القتلة، رغم اشارت منظمات حقوقية إلى وقوف “هيئة تحرير الشام” خلف عملية الاغتيال هذه.

2:50

Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني