“المحكمة”

من دون المحكمة كان تشكيل الحكومة يبدو صعباً جدّاً. معها قد يبدو مستحيلاً. الوضع الإقليميّ من سوريّا إلى اليمن يرشّ ملحاً كثيراً على الجرح: ذاك أنّ زلزال محكمة لاهاي قد يفتتح زلازل أخرى.

فجأة، بدا الأمر أشبه بزلزال. الذين ناموا آمنين، فاجأتْهم الأرض وهي تهتزّ تحتهم. الذين ناموا على مضض فاجأتهم الأرض أيضاً. الأوّلون راهنوا على أنّ النسيان والإهمال قوّة عظمى، وعوّلوا، بقدر من الضيعويّة، على أنّ من ينتصر في درعا ينتصر في لاهاي. الأخيرون انقسموا بين أولئك الذين أحالوا أمر العدالة إلى العليّ القدير، وأولئك الذين شرعوا يرتّبون أمورهم وقد تخلّصوا من العبء الثقيل لـ “الحقيقة”.

حسن نصر الله، كعادته، سبق الآخرين إلى الانتباه. اقتراب المرافعات الختاميّة التي تفتح الباب لإعلان الحكم النهائيّ، دفعه إلى التحذير: كلمات قليلة وحزم كثير. كان هذا كافياً لأن يضع ذكرى أيّار 2008 على الطاولة. جريدة “الأخبار” أكملت ما بدأه الأمين العامّ باسترجاع كلام ممجوج عن إسرائيليّين وموالين لإسرائيل تستشيرهم المحكمة. سعد الحريري بدا هادئاً لأنّه، حتّى إشعار آخر، لا يملك إلاّ أن يكون كذلك.

مع هذا انتقلنا من عنوان تشكيل الحكومة إلى عنوان المحكمة. من دون المحكمة كان تشكيل الحكومة يبدو صعباً جدّاً. معها قد يبدو مستحيلاً. الوضع الإقليميّ من سوريّا إلى اليمن يرشّ ملحاً كثيراً على الجرح: ذاك أنّ زلزال محكمة لاهاي قد يفتتح زلازل أخرى. هناك “محكمة” تحاكم الوضع الإيرانيّ الراهن في اقتصاده المتردّي وصراع أجنحته الحاكمة والضغوط التي تطالبه بالإنسحاب من سوريّا، وبعضها ضربات عسكريّة إسرائيليّة لم يعد من المجدي التكتّم عليها. هناك “محكمة” تحاكم النفوذ الإيرانيّ في العراق، انطلاقاً من البصرة، وصولاً إلى فوضى عارمة تطال كلّ شيء.

“زلزال محكمة لاهاي قد يفتتح زلازل أخرى… هناك “محكمة” تحاكم الوضع الإيرانيّ الراهن”

بالطبع، لا يزال من المبكر صدور أحكام نهائيّة عن هذه “المحاكم”، لكنّ وجودها سوف ينعكس بالضرورة على “سياسة” التناحر بين اللبنانيّين.

أهمّ ما في الأمر، وربّما أخطره، أنّ لاهاي تمنعنا من عقد تسوية مزغولة أخرى. حتّى الذين يريدون عقدها سيجدون أنّ الأمر الذي كان صعباً صار أصعب، وما كان محرجاً صار مهيناً.

حيال هذا الاصطفاف الكبير، سيتلاشى وهم آخر من أوهام “العهد القويّ”. لكنْ أيضاً سوف يتبدّى، حتّى للذين لا يعترفون بذلك، أنّ الشعوب اللبنانيّة لا تستطيع أن تنتج نصاباً سياسيّاً واحداً وموحّداً. إلاّ أنّ معرفة الحقيقة هذه لا تكفي لطرد القلق وتبديد الخوف اللذين تختزنهما. فبعد لاهاي، قد يُضطرّ الضبع لأن يقضم آخرين، فيما قد تُضطرّ النعامة إلى إخراج رأسها من الرمل.

إنّ إعلان الحكم النهائيّ قد يكون نهائيّاً لأمور كثيرة في حياة اللبنانيّين واجتماعهم.

إقرأ أيضاً:
الحرب التي انتهت ولم تنته
حروب الأسماء أعلى مراحل السخافة القومية

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
رامي الأمين – صحافي لبناني
لا يستطيع أي زائر أو مغادر لمطار بيروت إلّا أن يلاحظ ضعف التنظيم وتراجع الخدمات وتهالك البناء والبنية التحتية.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني