لا الأتاتوركيّة ولا الإردوغانيّة في صِيغ عربيّة أردأ

يقدّم تاريخ تركيّا الحديثة عيّنة نموذجيّة عن التعرّض لاستبدادات ذات مصادر متعارضة، بل متناقضة ومتحاربة. واكتمال الصورة التركيّة هذه وصفاؤها إنّما يغريان بالعودة إلى مُصغَّراتها العربيّة الأقلّ اكتمالاً وصفاءً وأهميّةً في آن.

يقدّم تاريخ تركيّا الحديثة عيّنة نموذجيّة عن التعرّض لاستبدادات ذات مصادر متعارضة، بل متناقضة ومتحاربة. واكتمال الصورة التركيّة هذه وصفاؤها إنّما يغريان بالعودة إلى مُصغَّراتها العربيّة الأقلّ  اكتمالاً وصفاءً وأهميّةً في آن.

ففي تركيّا الجمهوريّة سادت درجة بعيدة من العلمنة التي فصلت الدين عن الشأن العامّ، وفي تصدّيها للعالم السحريّ والخرافيّ الذي لا تستقيم معه أيّة حداثة، بلغت أحياناً مَديات كاريكاتوريّة. لكنّ هذه العلمنة صاحبَها تصنيع دؤوب لقوميّة متأخّرة زمناً استعاضت بالخرافة عن تأخّرها هذا، وقد لازمها حكم حزب واحد (الشعب الجمهوريّ) وزعيم واحد (أتاتورك) هما اللذان تولّيا علمنة المجتمع من الأعلى. وما إن أحدث هذا النظام انفراجاً جزئيّاً، وتوسيعاً جزئيّاً للحياة السياسيّة (انتخابات 1950)، حتّى انتهت التجربة بإعدام رمزها، قائد “الحزب الديمقراطيّ” عدنان مندريس، وبنشأة ما يكاد يكون تقليداً تركيّاً، وهو “تصويب” الحياة السياسيّة كلّ عشر سنوات بانقلاب عسكريّ.

ما انتفض عليه رجب طيّب إردوغان وحزبه “العدالة والتنمية” هو، قبل كلّ شيء آخر، قبضة العسكريّين على الحياة العامّة. هذا ما منح الإردوغانيّة، في سنواتها الأولى، مضموناً ديمقراطيّاً عزّزته النجاحات الاقتصاديّة التي كانت تتحقّق حينذاك. فوق هذا، استحضر إردوغان المكبوتَ الدينيّ والثقافيّ الذي برهن عن استعداده للعودة القويّة بسبب تلك العلمنة التي فُرضت عليه قسراً من المنصّة السلطويّة الأعلى. مبدئيّاً، كان في وسع هذا الاستحضار أن يضفي مضموناً ديمقراطيّاً آخر على الإردوغانيّة لولا الذهاب بعيداً في فهم التفويض الشعبيّ وعدم التزام حدوده. فالتجاوز عى القانون ومصادرة التعدّديّة المجتمعيّة أعادا جمع الإردوغانيّة بالأتاتوركيّة ولو من موقع الاختلاف والتعارض. وهذا لئن دلّ عليه التعامل مع الأكراد والعلويّين، فضلاً عن القضاء والإعلام وعموم المجتمع المدنيّ، فقد دلّ إليه تحويل الرئيس إلى زعيم أب، وموضعة النفس في موقع متخلّف حيال العالم: فكما يصطفّ إردوغان في طليعة السياسيّين الشعبويّين في زمننا، قلّدت الأتاتوركيّة، مرموزاً إليها بعصمت إينونو، الفاشيّة الإيطاليّة، لا سيّما حيال النقابات، قبل أن تتّخذ الحرب العالميّة الثانية مساراً آخر. ويمكن القول إنّ الجامع الأبرز يبقى القوميّة التي توسّل أتاتورك من أجلها علمانيّة تركيّة أكثر ممّا هي فرنسيّة، فيما توسّل إردوغان إسلاماً إخوانيّاً وسلطانيّاً هو أيضاً تركيّ أكثر منه مصريّاً أو عربيّاً.

الحرّيّة بمحض حركتها الآليّة والعفويّة – في مجتمعات تعدّديّة ومصابة عميقاً بالتناقضات الدينيّة والطائفيّة والإثنيّة، وفي محيط فكريّ لم يعرف الإصلاحات الدينيّة – قد تفضي أيضاً إلى الفوضى والاحتراب الأهليّ، وبالتالي التدمير الذاتيّ.

هذان المآلان الاستبداديّان المكتملان، بل الناصعان، يذكّران بثنائيّات عربيّة مشوّهة قد تكون أهمّها راهناً ثنائيّة بشّار الأسد – الإسلام السياسيّ النضاليّ (الإخوان من ناحية، ومن ناحية أخرى داعش، النصرة، علّوش…).

فالقوميّة العلمانيّة التي صدر عنها النظام البعثيّ (وهي بلا قياس أقلّ قوميّة وعلمانيّة من النمط البدئيّ الأتاتوركيّ) هي التي أنشأت، بالتضامن مع تصدّع النسيج الوطنيّ، نظاماً قهرَ الإسلاميّين خصوصاً، وإن قهر سائر المجتمع أيضاً. أمّا الإسلام السياسيّ الذي صدر عنه، وبالتضامن مع التركيب الأهليّ، معارضوه الإسلاميّون، فمارس هو الآخر ما استطاعه من قهر اعتباطيّ، خصوصاً تجاه ممثّلي الاختلاف والتعدّد ورافعي لواء التنوير والحداثة والعقلانيّة.

بيد أنّ معارضة كلّ من هذين الاستبدادين انتسبت إلى تقليد مقطوع عن التقليد الذي انتسبت إليه معارضة الاستبداد الآخر. فمناهضة الاستبداد الدينيّ مالت إلى تقديم المسألة بوصفها صراعاً بين العقل واللاعقل، من دون التوقّف عند مسألة السلطة السياسيّة. وهذا إذا بدا جائزاً في بلدان تقنع فيها الدولة باحتلال الحيّز السياسيّ وترك الحيّزات الأخرى (الدين، التعليم، الحرّيّات على أنواعها) خارج رقابتها، فإنّه غير جائز حيث الدول حاضرة وتدخّليّة في أبسط تفاصيل الحياة اليوميّة للسكّان. لكنْ إذا كان حسم مسألة السلطة مقدّمة لـ “تحرير العقل”، فإنّ ما شهدناه على مدى قرن ونيّف كان تراجعاً ملحوظاً على هذا الصعيد: فبدل الاستدلال بالثورة الفرنسيّة، التي كانت “الحريّة” أوّل ثالوثها، والتي لولاها لبقي “التنوير” حبراً على ورق، تراكمت الطبقات الفكريّة القوميّة والاشتراكيّة والقوميّة – الاشتراكيّة لتغرّب الطاقات الفكريّة والثقافيّة عن المسألة السياسيّة، ولتحوّل النظر عن أنظمة العبوديّة المعاصرة إلى ثنائيّات العقل واللاعقل، والتنوير والظلاميّة، ممّا تستطيع تلك الأنظمة استيعابه، إن لم يكن ترويجه.

هذا، بطبيعة الحال، لا يقلّل من أهميّة الكفاح ضدّ اللاعقل والظلاميّة، وإلاّ وجدنا أنفسنا حلفاء للإردوغانيّات الصغرى في مواجهة الأتاتوركيّات الصغرى، لننتهي في آخر المطاف في المكان نفسه. فإذا صحّ أنّ الحرّيّة السياسيّة توفّر الشرط الضروريّ للانطلاق، إلاّ أنّها لن تكون الشرط الكافي ما لم تُقرَن بالنضال الثقافيّ ضدّ الأصوليّات النضاليّة. ذاك أنّ الحرّيّة بمحض حركتها الآليّة والعفويّة – في مجتمعات تعدّديّة ومصابة عميقاً بالتناقضات الدينيّة والطائفيّة والإثنيّة، وفي محيط فكريّ لم يعرف الإصلاحات الدينيّة – قد تفضي أيضاً إلى الفوضى والاحتراب الأهليّ، وبالتالي التدمير الذاتيّ.

يردّنا هذا إلى المعادلة التي لا يُستغنى عنها من دمج الديمقراطيّ بالعلمانيّ والعلمانيّ بالديمقراطيّ، كي لا تستقرّ بنا الحال عند الثنائيّة التركيّة الكئيبة بشروط أسوأ ألف مرّة.

 

إقرأ أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
يتربع رجل الأعمال العراقي نزار حنا نصري على عرش إمبراطورية تشمل الأدوية وواردات الخمور وبعض المنشآت العقارية الأكثر إثارة في أربيل. لكن نجاحه كان مبنيًا على أساس مبهم وأقل وضوح: تجارة عالمية في سجائر السوق السوداء.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني