تصفيات بسبب الدين و”جيل” الشعر… الوجه الآخر لمقتدى الصدر! 

بسط جيش المهدي نفوذه ونفّذ عمليات تهجير وقتل وتطهير عرقي ضد السنة على وجه الخصوص في العراق، وكان النسخة الثانية (الشيعية) من تنظيم "القاعدة" الذي انتشر هو الآخر في أرجاء العراق.

مقتدى الصدر، الزعيم الشيعي الذي نشاهده اليوم على شاشات التلفزيون، ويحتل أتباعه البرلمان، رافعين صوره، مقتدى الصدر صاحب شعارات مثل “الدعوة الى الاصلاح”، و”بلد حر وكريم”، هو نفسه، مقتدى الصدر الذي يتذكره الكثير من العراقيين بجرائمه وتنكيله بالأبرياء.

يصف لي أحد الجيران، مختصراً ما يفعله مقتدى اليوم من “إصلاح” بعبارة واحدة: “شاء أم أبى، سيبقى الصدر قائد جيش المهدي، مهما غيّر من حقيقته وأضاف أسماء والقاباً جديدة إلى تنظيمه مثل، سرايا السلام، أو حمام السلام، غير مهم، هذه الأسماء الجديدة، لن تعيد لي ابني الذي قتلوه فقط لأنه كان يضع مثبت الشعر وبعض القلادات الذهبية حول رقبته في زمنهم الأسود”. 

من هي ميليشيا جيش المهدي؟ 

من لا يعرف جيش المهدي، ويعتقد أن مقتدى الصدر هو “راعي الإصلاح في العراق”، فعليه العودة قليلاً 19 سنة إلى الوراء، لأخذ فكرة بسيطة عن هذه الميليشيا الخارجة عن القانون، والتي تأسست أواخر عام 2003، بعد الاجتياح الأميركي للعراق بقيادة مقتدى الصدر، وكان من المقرر أن يكون تأسيس هذه الميليشيا، لغرض مواجهة “الاحتلال الأميركي” ومن يحالفه، حيث أعلن مقتدى الصدر رسمياً عن البدء بقتال الجيش الأميركي بسبب إغلاق “صحيفة الحوزة” التابعة للتيار الصدري في نيسان/ أبريل 2004 ومحاولات اعتقاله شخصياً، في وسط العراق وجنوبه. لكن سرعان ما بدأ الصدر يصطدم مع قوات الجيش والشرطة العراقيين، مصنّفاً القوات العراقية بأنها جزء من الاحتلال الأميركي، بسبب عملهم المشترك.  لكن نفوذ جيش المهدي وسيطرته على مناطق بغداد “ذات الغالبية الشيعية”، بدأ بعد تفجير مرقدي الإمامين العسكريين، في مدينة سامراء، شباط/ فبراير 2006، وبعدها أخذ العراق منحى أكثر تأزماً، إذ صار الانشقاق المذهبي والمناطقي جزءاً من هوية البلاد.

بسط جيش المهدي نفوذه ونفّذ عمليات تهجير وقتل وتطهير عرقي ضد السنة على وجه الخصوص في العراق، وكان النسخة الثانية (الشيعية) من تنظيم “القاعدة” الذي انتشر هو الآخر في أرجاء العراق، وكما ارتكب “تنظيم القاعدة” جرائم لا تحصى في وسط العراق وغربه، فقد ارتكب جيش المهدي جرائم مثلها في وسط البلاد وجنوبها. 

قدّر عدد المسلّحين المنضمين إليه بأكثر من 60 ألف مسلح، وبسبب هذا العدد الهائل، امتلك الصدر، قوة مكنته من تحدي الحكومة العراقية بزعامة نوري المالكي حينها، وبعلانية ووضوح، من دون معرفة الأسباب، لكنه كان، جاهزاً لرمي اتباعه الى محرقة “صولة فرسان” نوري المالكي، متمثلة بمحافظات عدة، للقضاء على جيش المهدي، وإيقاف سطوته وطغيانه في المجتمع العراقي، وكانت هذه الحركة، هي افضل ما قدمه المالكي للعراق، حسب قول كثيرين، بما فيهم معارضين، قبل أن يتحول هو الآخر إلى ديكتاتور، رافضاً تسليم السلطة. 

إقرأوا أيضاً:

الجولة الاخيرة لـ”جيش المهدي” 

كانت “صولة الفرسان”، سلسلة من المعارك الطويلة ضد جيش المهدي، خسر خلالها الصدر شعبيته وعدداً كبيراً من اتباعه، فيما نال المالكي الذي أطلقها، في آذار/ مارس 2008 شعبية كبيرة، بعد استغاثة الشعب العراقي ومطالبته القضاء على الحرب الاهلية، التي اكلت الشعب وحطمت بنيته التحتية، واستمرت هذه “الصولة” التي بدأت من البصرة مروراً بالمحافظات التي يسيطر عليها أتباع التيار، لمدة ثلاثة أسابيع، تمكن خلالها الجيش العراقي وبمساعدة القوات الأميركية، من قتل أكثر من 400 مقاتل للصدر، وجرح ما يزيد عن 600 شخص، واعتقال حوالى 200 متهم بعشرات الجرائم، كالتصفية العرقية على أساس الدين والمذهب، وتفجير العبوات الناسفة، والمشاركة في معارك شوارع.

كان جيش المهدي، يفتعل مواجهات مسلحة مع قوات الجيش- قبل عملية “صولة الفرسان”- داخل الاحياء والازقة السكنية، وتستمر هذه المواجهات لأيام، يفقد خلالها سكان الأحياء طعامهم ودواءهم، وحتى الحالات المستعصية، كان يصعب إخراجها تحت زخات الرصاص والجثث المنتشرة مثل زجاج مكسور. 

هالة خسرت شقيقتها في إحدى المواجهات بين جيش المهدي والقوات الأميركية. تقول إن اختها صابرين كانت على وشك الولادة، تصرخ من الألم، الكهرباء مقطوعة، والجو بارد للغاية، لا يستطيعون حتى مد رؤوسهم من النافذة، رصاص وأصوات مفزعة وقنابل في كل مكان: “أردنا الخروج بها، بعدما حان موعد ولادتها، وجازف زوجها ووالدي، وخرجا تحت الرصاص، توسلا عناصر ميليشيات الصدر من أجل إخراجها عبر الأزقة، رفضوا، وقالوا، إذا خرجت سنقتلها ونقتلكم”. 

حين يئست العائلة من إمكانية الوصول إلى المستشفى، حاولت أمها توليدها في المنزل لكنها لم تستطع، توفيت والجنين ما زال في بطنها، حتى إنها دفنت بعد يوم من انتهاء المعركة. 

إذا كانوا قد قتلوا صابرين بشكل غير مباشر، فإنهم قتلوا أم عمر بإطلاق النار عليها بشكل مباشر ومقصود. والسبب؟ 

كانت أم عمر، كما يقول ابنها لـ”درج” مصففة شعر، و”حفافة” كما يسمونها في الأحياء الشعبية، طلب منها أحد أتباع جيش المهدي، أن ترتدي جورباً مع العباءة، لكنها رفضت. قاموا بقتلها. هكذا “ببساطة”. 

لكن عمر يقول لـ”درج”: “في الواقع لم يكن الجورب هو من قتلها، بل اسمي. اقترب منا مقاتل من جيش المهدي لا يتجاوز عمره الخامسة والعشرين وقال لأمي: “سنقول للناس اننا قتلناك، لانك لم ترتدي الجوارب”، ثم نظر الي وقال: “اسمك عمر صح؟ “. أطلق النار على رأس والدته أمامه. ثم اقترب منه وقال بسخرية: “تعيش وتتذكر انها من جنت على نفسها حين أطلقت عليك هذا الاسم، ستتحمل هي جزاء هذا الإثم، وبدّل اسمك حتى لا يقتلك غيري”. 

كانت معظم حملات التصفية الطائفية الخاصة بجيش المهدي في المناطق السنية، تحدث بعد أي انفجار يحصل في منطقة شيعية. يتجه حشد يحمل عدداً لا بأس به من الأفراد مع أسلحتهم الثقيلة، إلى منطقة معروفة بغالبيتها السنية، وبدقائق معدودة، يتم سحب جميع الرجال من بيوتهم، وأمام عائلاتهم وأطفالهم، ليوضعوا في سيارات خاصة ويُقتَلوا، قبل رميهم في “السدة” وهي منطقة من مناطق مدينة الصدر، اشتهرت بكميات الجثث المرمية فيها، حتى أصبحت بمثابة مقبرة مفتوحة عشوائية، لمجهولي الهوية، المقتولين، وضحايا إرهاب جيش مقتدى.

تغيير ديموغرافي… بالدم

يروي إحسان العاني لـ”درج” ذكرياته الأليمة حين كان في الثامنة، ودخلت مجموعة من اتباع الصدر إلى منزلهم لخطف والده من دون توضيح الأسباب: “كانت أمي تحاول، وبجهد جبار، ان تعرف مكانه، او حتى رقم خاطفيه، من عرض المال عليهم، فديةً لإخراج والدي، لقد تم خطف والدي، في يوم تفجيرات دامية في مدينة الصدر، مع العلم أن لا علاقة له بالأمر. إنه أستاذ جامعي، يدرّس القانون، ملتزم، ويحب بلاده، كان نائماً حين دخلوا المنزل وسحبوه، اعتقد أنهم أجبروه على النوم الى الأبد لأننا لم نعد نعرف عنه شيئاً ولم نجد له أي أثر”.

ساهم مقتدى من خلال جيشه، بإحداث تغيير ديموغرافي كبير في العراق، وتحديداً المناطق البغدادية، التي كانت معروفة بتنوعها العرقي والمذهبي على مدار عشرات السنوات بما فيها فترة حكم صدام حسين. إلا أن أسلوب جرائم جيش المهدي وغيره من الميليشيات، اجبرت العائلات السنية على ترك بيوتها، ليحل محلهم نازحون من مناطق اخرى. ولم يقتصر الأمر على السنّة، بل نكّل الصدريون بالشيعة أيضاً ممن كانوا يعترضون على أفعالهم. وحدثت جرائم كثيرة بحق الشيعة، حتى في المناطق التي يسيطرون عليها، فكانوا يعمدون، وبشكل قمعي، على تعذيب كل مختلف، فينكلون بمن يشرب الكحول، أو من يلبس قلادة في رقبته أو يضع قرطاً في أذنه، أو يستخدم مثبّت الشعر. كان “جيش المهدي” يجرد المواطنين ويتفحّصهم ويفتشهم ويقتحم بيوتهم ويأخذ “إتاوات” شهرية منهم إلى معاقبة كل من يخالف الشريعة. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني