كيف يتلاعب المستبدّون بالتاريخ للتشبُّث بالسلطة؟

أغسطس 4, 2022
"من السهل جداً أن يصبح الحاكم مستبداً وذا شعبية من أن يكون مستبداً لا يحظى بشعبية"

كانت كيتي ستالارد (Katie Stallard) تقدِّم تقاريرَ من أوكرانيا في عام 2014 حين ضمَّ الجيشُ الروسيّ شبهَ جزيرة القرم الأوكرانية. وبصفتها مراسلة أجنبيّة لقناة “سكاي نيوز” البريطانية، كانت في مقاعد الصف الأول حين كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدّث مستحضراً الحرب العالمية الثانية لتبرير الغزو والاحتفاء به.

في كتابها الجديد، “الرقص على العظام: التاريخ والسلطة في الصين وروسيا وكوريا الشمالية”، تحلّل كيتي ستالارد كيف يتلاعب قادة هذه البلاد الثلاثة بالسرديات التاريخية عن الحرب ويشوّهونها، متخذين من ذلك أسلوباً للحفاظ على سيطرتهم على السلطة وتعزيز سطوتهم. وترتكز ستالارد بشكل كبير على تجربتها في المراسلة من أرض الواقع في هذه البلدان الثلاثة.

كتبت ستالارد، “رفَع بوتين ذاكرة الحرب الوطنية العظمى إلى مصاف الديانة القومية”؛ بينما استخدم الرئيس الصيني شي جين بينغ الحربَ العالمية الثانية بوصفها مؤشّراً على نهاية ما يُسمّى “قرن الإذلال” في الصين؛ ولسرديّات الحرب أهمية خاصة في كوريا الشمالية، إذ يُقدَّم كيم إل سونغ، على نحوٍ خاطئ، باعتباره بطلاً من أبطال الحرب حرَّرَ البلادَ من الحكم الاستعماري الياباني عام 1945، وبعد ذلك بـ8 سنوات حقَّقَ نصراً على الولايات المتحدة في الحرب الكورية.

وتشير ستالارد إلى أن هذا تاريخٌ مصبوغٌ بـ”مسحةٍ وطنية”.

تحدّثتُ راهناً عبر الهاتف مع ستالارد، التي تقيم اليوم في واشنطن، وتعمل محرّرة قسم الصين والشؤون الدولية في مجلة “نيو ستيتسمان” (New Statesman). وقد تم تحرير هذا الحوار بسبب طوله، ولأغراض التوضيح.

لقد شرعتِ في استكشاف كيفية استغلال المستبدين للتاريخ من أجل البقاء في السلطة؛ كيف تلخّصين تقريرك هذا؟

إنه يتناول كيف تلاعَبَ قادة هذه الأنظمة- بشكلٍ فعّال وغالباً على نحوٍ ساخر- بالسرديات التاريخية لتتلاءم مع أغراضهم السياسية، وكيف قاموا بمَوضَعة أنفسهم في مكانة المدافعين الوطنيين عن بلدانهم؛ وبالتالي فكلّ من يُعارضهم يعد خائناً. ولكنهم في الواقع يفعلون ذلك- أوّلاً وقبل كل شيء- لتعزيز سلطتهم وحشد الدعم الشعبي لهم.

أعرف أن عنوان كتابكالرقص على العظامجاء من تعبيرٍ لناشط روسي؛ ما معنى هذا التعبير؟ ولماذا لاقى قبولاً لديكِ؟

خلاصة القصة أنه كان هناك ناشط روسي أسّس حركة شعبية بالتعاون مع أصدقائه، واسمها الفوج الخالد (Immortal Regiment)، وكان الهدف الأساسي منها أن تكون بديلاً لما شعروا بأنه احتفاء رسمي منمَّق وذو طابع عسكري للغاية بالحرب العالمية الثانية وإحياء لذكراها. وكانت الحركة تدور حول عقد مسيرات صامتة مع صور للأقارب. ولكن حين ذاع صيتُها جداً، وسيطرت عليها السلطات، ظهر هذا الناشط في مقابلة مستاءً وغاضباً، وقال “توقّفوا يا شباب، توقّفوا! جميعنا لديه أقارب ماتوا. هذا رقصٌ على العظام”. وهذه الكلمة بالنسبة إليّ تعبِّر تماماً عن التلاعب السخيف للغاية بما هو مدمِّر وبالذكريات والتجارب الشخصية.

ما وجه الشبه بين استغلال هذه السرديات التاريخية وبين الأساليب الأخرى، من جهة كون هذا الاستغلال وسيلةً للحفاظ على السلطة؟ ما مدى أهمية هذه الطريقة بعينها في الحفاظ على السلطة في هذه البلدان الثلاثة؟

أنظر إلى الأمر باعتبار أنّ هناك جميع تلك العناصر المختلفة التي تعمل معاً بفعالية كبيرة، ولذا من الصعب تفكيكها والنظر فيها بشكل منفصل تماماً. هناك مقولة لتيموثي فراي في كتابه “الرجل القوي الضعيف” عن فلاديمير بوتين، يقول إنه من السهل جداً أن يصبح الحاكم مستبداً وذا شعبية من أن يكون مستبداً لا يحظى بشعبية؛ وهذا في رأيي يلخّص الأمر بدقّة. لو أزلنا في الغد كل إشارة إلى التاريخ، هل ستصمد تلك الأنظمة؟ أعتقد أنها ستصمد. لكن من جهة بناء القدرة على الصمود وجعل النظام أكثر أمناً وأقل هشاشةً، أعتقد أنه كلما استطاعوا أيضاً تضمين هذه الأفكار الشعبية، فهذا سيجعل النظام أكثر أمناً وقدرةً على الصمود.

ما تُحدِثه السرديات التاريخية بالنسبة إليهم هو أنها تجعلهم يصمدون، لا سيّما في أوقات الأزمات الاقتصادية والصعوبات التي تواجه البلاد، وحين يُطلَب من الناس قبول التضحية في حيواتهم الخاصة. فمن المفيد للغاية والفعّال تماماً أن تكون هناك قدرة على تأطير ذلك في ضوء الصراعات السابقة والأعداء الخارجيين الذين يمكن تعليق المشكلات على مشجبهم. وبالتالي فمن الصعب فصلهم، وأعتقد أن من المهم النظر إليهم بوصفهم جزءاً من مجموعة أدوات أو ترسانة.

ربما من المستحيل قياس تكلفة كل هذا، ولكن سيكون من المثير للاهتمام معرفة الثمن التقريبي للتلاعب بالتاريخ.

في حالة كوريا الشمالية كان هذا من الأمور التي صدمتني. هناك سعر ما؛ مثلما حدث مع إعادة بناء “متحف حرب تحرير الوطن المنتصر” (Victorious Fatherland Liberation War Museum) في بيونغ يانغ. فهو بناء استثنائي تماماً، حجمًا وطموحًا. وهناك مثال آخر هو متحف سينتشون لفظائع الحرب الأميركية (Sinchon Museum of American War Atrocities). بالطبع لا نعرف حجم الميزانية المخصصة [لبناء هذه المتاحف]، بسبب غياب الشفافية؛ ولكن في دولة فيها أناس يعانون اليوم من الفقر المدقع والجوع الشديد، وأطفال يعانون التقزّم وسوء التغذية المزمن؛ فمن قبيل الترف الأهوج إنفاقُ مقدار من المال لن يقلّ عن عدّة ملايين على هذه المتاحف. فهذا أمر طوعي؛ لأنه كان يمكن أن تُنفَق هذه الأموال في مواضع أخرى.

ما دور الإعلام الرسمي في هذه الحملات؟

لكل بلد نغمة مختلفة قليلاً؛ فمن الأشياء التي فعلتها روسيا بشكل أكثر فعالية من الصين، جعلُها قنوات التلفزة الحكومية- تحديداً- مسلّية ورائجة للغاية. وإذا استطاع المرء إرجاء تكذيبه المحتوى، سيلحظ أنهم بذلوا حقًاً الكثير من الجهد في إضافة هذه البرامج الحوارية المثيرة والمذهلة، وجعل رسائلهم مقبولة للغاية. أما نشرات الأخبار المسائية الصينية فغالباً ما تكون جافة جداً؛ وليست بالشيء الذي قد تلجأ إليه للحصول على التسلية والمتعة. ولكن الصين أصبحت أكثر مبادَرةً في السنوات الأخيرة في استخدام وسائط أخرى، وأتحدّث تحديداً عن بعض الأفلام ذات الميزانيات الهائلة في السنوات الأخيرة.

في خاتمة الكتاب، تقولين إنك كنتِ تكتبين كلماتك الأخيرة فيه في كانون الثاني/ يناير مع احتشاد القوات الروسية على الحدود الأوكرانية. ثمّ غَزَت روسيا أوكرانيا في نهاية شباط/ فبراير. ربّما لم تكتبي هذا عن روسيا تحديداً، لكنّك قلتِ “هذه النسخة المشوَّهة من التاريخ هي الخلفيّة التي ستُخاض على أساسها حروب المستقبل”. كيف شاهدتِ ما حدث منذ ذلك الوقت؟

كان المشهد سريالياً حقاً. حين قال بوتين في ذلك الصباح إنها عملية تفكيك للنازية، لم أتوقع أنه سيمضي قُدُماً في هذا. لكن بعد كل ذلك، فبالطبع هكذا ستؤطّر هذه الحرب. شعرتُ بأن هذا تجسيد للأفكار الواردة في الكتاب. وهذا هو أسوأ سيناريو.

ما آثار هذه الحملات على مَن لا يعيشون في الصين أو روسيا أو كوريا الشمالية؟

أعتقد أن علينا جميعاً أن نكون شديدي الحذر، وقد جعلني هذا الأمر أدرك جيداً كيف لقادة بلاد أخرى- مثل الولايات المتحدة هنا أو المملكة المتحدة، موطني الأصلي- أعني كيف يلجأ مَن لديهم السلطة، أو يسعون إليها أو يريدون الحفاظ عليها، إلى التاريخ. فهذه السرديات التاريخية فعالة لأن لها قبولاً، وبالتالي قد تكون خطيرة جداً حين تكون بيَد مَن هم في السلطة. وهناك نقاش محتدِم حالياً هنا في الولايات المتحدة حول ما إذا كان علينا التركيز على الجوانب الأكثر قتامةً في الماضي أم أن هذا يمثّل خيانةً وطنية. لذا علينا الاشتباك مع هذه المسائل قدرَ ما نستطيع.

هذا يذكّرني بمقولة في كتابك عن التاريخ الذي يُوظَّف في روسيا أداةً لتوفير الشعور بالأمان.

نعم. يعطي حقاً شعوراً بالراحة. فمن اللطيف الشعور بأن المرء بطل الحكاية وأن بلاده أعظم بلد في العالم. لكن علينا أن نكون واعين بأن ذلك أيضاً هو ما تحكيه جميع البلدان الأخرى لمواطنيها: أنهم هم أبطال الحكاية وأن بلادهم تعمل لخير العالم. لذا أريد التأكيد هنا على الطبيعة الاستثنائية لتلك الرغبة في القيام بهذا. ولأنّ قادة جميع الدول يستندون إلى روايات متباينة عن الماضي، ليس هذا دافعاً استثنائياً في هذه البلدان الثلاثة، ولكنه تجاوز الحدود. بالطبع ليس المستبدون وحدهم الذين تجذبهم هذه الفكرة؛ لذا علينا جميعاً الحذر منها حقاً.

هذا المقال مترجم عن codastory.com ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا  الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني