4 آب… ما زلت أحلم بانفجارات بنفسجية صغيرة

هناك من لا يكترث، وهناك من يسخر من فكرة التروما، وهناك من يحزن. ويظن آخرون أنّ بيروت ماتت، أو أنها مجرد مدينة لا خبز فيها… وهناك من يربي قطة ولدت بعد الانفجار أو يبحث عن كمامة N95 استعداداً لانهيار اهراءات مرفأ بيروت.

أحاول أن أجد معنى في كل ما حصل. المعنى في تلك اللحظة الفارقة التي لم تلقِ بي بالانفجار، ربما كانت حين رفض أن يوصلني أول سائق تاكسي أو حين انقطعت الكهرباء في تمام السادسة مساءً ووقفت دقائق أنتظر المصعد. اليوم، أشاهد فيديوات، وأقرأ مقالات. اليوم الذكرى الثانية للانفجار. الكل يعود ليجد معنىً لكل ما جرى. نحاول أن نجد معنىً بالصمت، او معنىً بالمناداة بالعدالة أو المحاسبة، معنى برثاء المدينة، أو رثاء ضحية مقربة منّا، معنى بفلسفات عن شوارع العاصمة أو نظريات عن القبل والبعد، وما بعد البعد. نحاول أن نربط ردود فعلنا، وفكرنا، وعشوائية ما حدث بأي فلسفة أو تحليل نفسي. أين كنتَ يومها؟ ما الذي أنقذك؟ هل ما زالت الأحلام تراودك؟ هل عشت حرب تموز؟ هل رأيت طبيباً نفسياً؟ 

أجد نفسي اليوم ما زلت لا أعانق، وأجد نفسي ما زلت لا أخاف الموت. ربما اعتدت عليه أو على خبره، أو ربما أحبّ الحياة أكثر منه. رائحة العاصمة حريق، طوال الوقت، حريق يذكرنا بكل ما حدث.

 أراقب ردود فعل الناس حولي. هناك من لا يكترث، وهناك من يسخر من فكرة “التروما”، وهناك من يحزن. ردود فعلنا غير متشابهة هنا. هناك من يظن أنّ بيروت ماتت، لا تنبض بالحياة، وهناك من يظن أن لا أماكن للسهر بسبب ازدحامها، وهناك من يرى بيروت ربطة خبز غير متوفرة في منزل فقير. هناك من يريد البقاء وهناك من يحلم بالمغادرة. هناك من يربي قطة ولدت بعد الانفجار، وهناك من لا يسلك طريقاً ما، وهناك من حجز ليلة السبت ليحتفل أو يكتئب أو يهرب من الاكتئاب، هناك من ما زال يحلم بانفجارات بنفسجية صغيرة تختبئ خلف أبنية عتيقة، ويقف أمامها ويتمنى أن تأكله إذ لا مكان للهروب. هناك من يشفى. هناك من ينتظر ليليان شعيتو. وهناك من يتمنى لو يمكن أن يضرب زوجها. هناك من يعيش قرب الإهراءات ولا يكترث. وهناك من يقلقه أنّ كمامة الـN95 غير متوفرة للقطط. وهناك من يشعر بكل هذا في الوقت نفسه.

أنجب والداي بعد الحرب الأهلية أربعة أطفال، لربما فعلا ذلك كي يشاهدا ما معنى أن يعيش البشر خارج الحرب. منذ ذلك الحين، لم أعش سوى صدمات نفسية من علاقتهما السامة، وحرب تموز، وتفجيرات الضاحية، والانهيارات الاقتصادية، وأخيراً الانفجار. ما زلت مع هذا، لا أحبّ العناق أو الوداع، وأحب أن أذهب إلى الحفلات، وأتعرف إلى أشخاص، وأغيب في الليل وأذهب إلى البحر في النهار. أعلم أنّ والديّ لا يفهمان معنى “معالجة الصدمة” أو “الذاكرة الجماعية” أو “الأنكزايتي” أو “اضطراب ما بعد الصدمة” أو “الاكتئاب”. وأسعد لأنَني أصبحت عكسهما. أكتب عن صدماتي وأعالجها وأواجهها ولا أسامح ولا أنسى. أرى في صدمتي وسيلة لأكلّم حبيبة سابقة كنت مغرمة بها كانت تعيش في شارع مار مخايل وتفجّر المنزل وهي في داخله. أخطط أن أكلمها كل 4 آب لأطمئن على صحتها النفسية، فهي المناسبة الوحيدة التي تجمعني بها. أحلل كل هذا لأجد معنى في الانفجار. 

يعرّف علم النفس الـCoping mechanisms أو آليات المسايرة أو المجاراة أو التأقلم، على أنّها “بذل مجهود عقلي بصورة واعية لحل مشكلة شخصية أو مشكلة تفاعلية اجتماعية، أو احتواء موقف للتقليل من التوتر أو الضغط المصاحب لهذا الموقف، وتتوقف فاعلية المسايرة على نوع التوتر وشدته، كما تتوقف على الاختلافات بين الأفراد والظروف المحيطة”. آلياتنا مختلفة، منها سلبية وأخرى إيجابية، لكنّها بطبيعة الحال طريقنا للشفاء أو النجاة. نحن الذين لم يخسروا في الانفجار، كانت آلياتنا سهلة. منّا من غادر، ومنّا من يعيش بؤساً يومياً، وهناك من استسلم، أو كبت، أو ربما لجأ إلى آلياته القديمة كالحشيش والكحول والوقوع في الحب. 

نعيش نحن الذين لم يفقدوا قريباً ولم تبتر أعضاؤهم، بالقرب من الصدمة وبعيداً ممن جرّبها بتفاصيلها. نحاول أن ننشر ونعبّر لننصر الذين رحلوا، ونجد وسيلة للعدالة ومخرجاً من ذنب النجاة. نحاول ألّا نظهر أنانيتنا في رثاء الشوارع بدل أشخاص ماتوا فيها، وفي رثاء الذكريات بدل رثاء قصة النادلة التي ماتت في دوام العمل. نحاول أن نكون مقربين من الخاسرين، لنجد أنّنا منهم. ما زالت المحاسبة والعدالة هما العنوان الكبير. إنّهما وسيلة الشفاء للخاسرين فعلاً، وآليتهم، هم الذين كان ألمهم أكبر من الشوارع والحيطان. هم الذين لم ينتقموا، ولا يمكن أن يشفوا، هم الذين آليتهم في الشارع، والبكاء، والندم. هم الذين لن ننصفهم، ولن نتمكن من أن نكلمهم عن خسائرهم أو نعطيهم بعضاً من آلياتنا الفارغة. 

كنت قد قررت أن أغير رد فعلي هذا العام. أن ألتزم الصمت ولا أعبّر ولا أحتج حتى. أن أعتمد وسيلة جديدة لأنّ هذا اليوم سيتكرر لبقية حياتي. أكثر ما أعلمه اليوم هو أنّ مشاعرنا مختلفة وردود فعلنا غير متطابقة. خسائرنا أيضاً مختلفة، وعلاجاتنا لن تكون متشابهة. فمن يريد الرثاء بكل نكد وسلبية وحزن وقرف، له الحق الكامل. مثله مثل من يريد أن يثمل في حانة ما، أو يحتفل أو يحشش، أو من ينتظر هذا اليوم ليكلم حبيبة سابقة. مثله مثل من أنجب طفلاً ليعوّض أيامه التي ضاعت في الحرب، ومن لم ينجب أطفالاً خوفاً من الحرب.

ما زلت حين أغمض عينيّ، أشاهد انفجارات بنفسجية صغيرة وأقف خلف جدران قديمة، أنظر إليها وأقول “واو”. ما زلت أنام في الحر في أحد شوارع مار مخايل وأشتم رائحة الإهراءات تحترق، وأشاهد قطّي الذي وُلد بعد الانفجار يستغرب كلما سمع صوت محرّك سيارة على الأوتوستراد. ما زلت أكره بيروت في 4 آب وأغضب من ناسها، وأتذكر ذلك الخبر… “إعلان بيروت مدينة منكوبة”. ما فائدة الإعلانات؟ 

أكره من يحاول تصوير بشاعة بيروت، فهي لم تكن كذلك يوماً، هي التي حملتني في بؤسي وفرحي. هي تأتي بدل الحبيبة، وهي السبب في أنني لا أعانق أحداً، فلا داعي للعناق هنا. تمر ذكرى ثانية للانفجار، وسنعيش ذكرى أخرى، سيخف الشعور، وستبقى “العدالة والمحاسبة” العنوان كبير. ستبقى خسائرنا غير متفاوتة وردود فعلنا متضاربة. وكلّها ستحملها بيروت. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني