“أجساد خارج حسابات الدولة”: وقائع التعذيب داخل السجون المصرية

هي أجساد خارج حسابات الدولة، ليست فقط لمحتجزين سياسيين، أو أقليات يستهدفها النظام السياسي باستمرار، ولكنها تعود إلى محتجزين في قضايا عامة، وتظهر وجهاً قبيحاً للعدالة في مصر، هو قتل العدالة والانتقام منها.

لا تتوقف وزارة الداخلية المصرية عن توضيح حقيقة تعذيب مواطنين ونفيها، عبر بيانات وتسريبات صحفية، بعدما تتردّد روايات حول التعذيب في أقسام الشرطة، حيث المرحلة الأولى التي يمرّ بها المقبوض عليهم قبل الإحالة إلى النيابة العامة والمحاكمة. أحدث تلك “التوضيحات” جاءت قبل أيام، حينما نشرت الصحف نقلًا عن مصدر أمني تكذيبًا لمقطع فيديو متداول لسيدة تروي تفاصيل تعرض زوجها للتعذيب ووفاته في أثناء احتجازه داخل أحد أقسام الشرطة في مديرية أمن القاهرة، بعد اتهامه في قضية اتجار بالمخدرات، وذلك دون تحقيقات أو أدلة أو حكم قضائي. 

واعترفت وزارة الداخلية، في التكذيب الذي أصدرته مؤخرًا، بوفاة المواطن خلال احتجازه بأحد أقسام الشرطة، وذلك بعد توقيع الكشف الطبي عليه واكتشاف أنه لم يكن يعاني أي أمراض أو أعراض غير طبيعية تستدعي نقله إلى مستشفى، حسب البيان. إذن كيف كانت حالة المواطن طبيعية ثم توفي فجأة – وهو قيد الاحتجاز – دون تعذيب؟

لا يقدم الأمن المصري، في أغلب بياناته توضيحات كافية، وأحياناً لا يقوم بإصدار أي بيانات ويتجاهل فضائح على مستوى عال، كما حدث حينما نشرت صحيفة “الجارديان” البريطانية مقاطع تعذيب في أحد السجون، ولم يصدر النظام المصري ردًا حياله، وكان إيذانًا بعودة التعذيب الفج، الذي اشتهر به نظام مبارك قبل ثورة 25 يناير، إلى سابق عهده، ولو عبر المشاهد التي تتسرّب مرارًا لتؤكّد، رغم الكتمان وادّعاء المعاملة الإنسانية في السجون، خلال زيارات الحقوقيين والصحفيين الأجانب والمصريين ومواثيق حقوق الإنسان طبقًا لوجهة النظر المصرية، أنّ التعذيب والاعتداء على السجناء والمحتجزين لا يزال مستمرًا وفجًا، وأن التعامل مع من هم قيْد التحقيقات أو بانتظار العرض على جهات التحقيق، لا يتجاوز كونهم “أجساد خارج حسابات الدولة”. 

وهو عنوان التقرير، الذي أصدرته الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، خلال تموز/ يوليو الماضي، حول “أوضاع الاحتجاز داخل أقسام الشرطة في مصر”، كتقرير ختامي لمشروع مرصد أقسام الشرطة، الذي وثّق أوضاع الاحتجاز داخل 24 قسم شرطة في مناطق مختلفة بمحافظات مصر، لتغطية الأبعاد المختلفة لعملية الاحتجاز.

ولم يكتفِ التقرير بالقاهرة، بل امتدّ إلى مناطق مهمّشة كشمال سيناء، وأوضاع مسكوت عنها كالظروف القاسية التي يمرّ بها المثليون والعابرون جنسيًا والأقليات الدينية والقُصّر، والخاضعون للمراقبة الشرطية. 

يثير رصد “العالم السري” لأقسام الشرطة وحياته اليومية شديدة الخشونة، تساؤلات حول موقعها داخل المنظومة العقابية وإطارها القانوني، ضمن تنظيم تنفيذ العقوبات السالبة للحرية وما سببته من انتهاكات دون سبيل للشكوى أو الاحتجاج. وهي التساؤلات التي لطالما كانت دون إجابة طوال السنوات الماضية بعد التعتيم الشديد على الممارسات الأمنية المخالفة، والتركيز على أوضاع المعتقلين السياسيين، وسجناء الرأي، بسبب المناخ القمعي السائد.

أقسام الشرطة.. دولة داخل الدولة بلا قانون يحكمها!

يكشف التقرير، أن عدد غرف الاحتجاز في أقسام الشرطة يتراوح بين 3 غرف و15 غرفة، أي أن عدد المحتجزين يصل إلى العشرات والمئات في بعض الأيام، ويخصّص القسم، في الغالب، إحدى غرفه للنساء، ويتكرر تواجد حوامل وأمهات حاضنات بداخلها، ويتواجد القُصّر، الذين يسمون قانونًا “الأحداث” في أغلب الأقسام داخل تلك الغرفة، فلا يتم تخصيص غرفة منفصلة لهم. وبعد خروج المحتجز على ذمة القسم، قد يمضي به بعض الوقت الإضافي إن كان ملزمًا بأداء تدابير احترازية أو الحضور للمراقبة بشكل أسبوعي، وحسب اللوائح، لا يجب أن يدخل هؤلاء غرف الحجز مرة أخرى، إلا أنّ الأقسام المصرية تدخل بعضهم عنوة غرف الحجز مجددًا، وتطيل مدة التدابير الاحترازية، لتتراوح ما بين 3 أيام وأسبوع، وسجّل تقرير “الجبهة المصرية لحقوق الإنسان” شجارات داخل الأقسام، لرفض المحتجزين دخول غرف الحجز مجددًا.

تحتل الأقسام موقعًا هامًا للغاية في دورة الاحتجاز، لتردد أعداد هائلة من المحتجزين عليها، ولأن عددًا كبيرًا منهم يقضي فترات احتجاز طويلة رغم أن الأقسام غير مؤهلة للمبيت الطويل، أو معدة لاستقبالهم لفترات طويلة، حسب تقرير “الجبهة المصرية لحقوق الإنسان”، الذي يؤكد أن الأقسام أماكن غير ملائمة ليشمل جميع مراحل الاحتجاز التي يكون خلالها الشخص في عهدة قوات الشرطة، ومن المفترض أن يتمتّع بكامل حقوق الإنسان الأساسية، المنصوص عليها بدليل جمعية منع التعذيب للرقابة على الاحتجاز داخل مقار الشرطة، وهو دليل دولي يجمع المعايير العالمية ذات الصلة بعملية الاحتجاز داخل مقار الشرطة.

ينصّ الدليل على ضمان الحماية من أي شكل من أشكال التعذيب، ومنع الاحتجاز دون توفير إمكانية للتواصل مع العالم الخارجي، أو الاحتجاز في مقار سرية، خاصة أنه يزيد احتمالية تعرض المحتجز إلى سوء المعاملة والتعذيب والمعاملة القاسية وغير الإنسانية، وأهمية تجنب استخدام القوة سوى في الحالات الضرورية، وتقديم الرعاية الطبية مجانًا وإجراء فحص طبي عاجل فور دخوله مقر الاحتجاز، لإثبات أو نفي تعرض المحتجز للتعذيب أو سوء المعاملة، فضلًا عن سلسلة من التوصيات التي تضمن للمحتجز في قسم الشرطة ألا يمرّ بتجربة سيئة تأتي على صحته البدنية أو النفسية أو كرامته. 

يواجه الاحتجاز داخل أقسام الشرطة فراغًا قانونيًا شديدًا، إذ أن قانوني العقوبات والسجون لا يتناولان ظروف وضوابط الاحتجاز بأقسام الشرطة، بل يقدمان ضوابط عامة للاحتجاز في السجون تحديدًا، يتنافى بعضها مع ما يجري داخل أقسام الشرطة، حسب التقرير، ويكرّس ذلك إغفال القانون لأقسام الشرطة كمقار احتجاز، التي تقع في مساحة ضبابية قانونيًا، لا تبدو درجة شمولها أو حمايتها، وذلك لأن النصوص التي نظمت إجراءات تنفيذ العقوبة السالبة للحرية تقع تحت مظلة ما كان يعرف بـ”قانون السجون” قبل تعديله ليصبح مسماه “قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعي“. 

تلك النصوص القانونية “الناقصة” التي تتجاهل ظروف الاحتجاز في أقسام الشرطة، ولا تضع لها حدودًا قانونية، كأنّها كيانات غير موجودة وتخضع لسلطة الضباط دون تنظيم أو قيود أو غطاء قانوني يفصل بين الأطراف حال ارتكاب مخالفات إنسانية، أدت في النهاية إلى واقع احتجاز غير آدمي.

في الحجز: كل شيء ممنوع.. والرشاوى هي الحل

تشير المعلومات التي وثقتها الجبهة المصرية إلى أن إجراءات الضبط والاقتياد إلى الأقسام، بحد ذاتها، تتخللها الكثير من الانتهاكات للقانون وحقوق المحتجزين. ويبدأ ذلك من انتهاك خصوصية المحتجزين، الذين يكونون في عِداد “المتهمين” الأبرياء حتى تثبت إدانتهم، إذ يتم إدخالهم مناطق الحجز بالقسم وإخراجهم منها على مرأى من المواطنين، ومن المداخل والبوابات نفسها التي يستخدمها المواطنون، خاصة وأنهم يكونون في أثناء نقلهم معصوبي الأعين، ومقيدين بـ”الكلابشات”(الأصفاد). كما أن الأقسام لا تسجل دخول المتهمين فور احتجازهم، ويمثل ذلك خطرًا في بقاء المحتجزين فترات أطول من 24 ساعة قبل العرض على النيابة، وهو ما يخالف قاعدة الحجز لـ24 ساعة فقط أو أقل قبل العرض على النيابة، كما لا يتم إبلاغ المحتجزين بما لهم من حقوق أو قواعد يجب عليهم اتّباعها داخل القسم، ومن يمكنهم التوجه إليه إذا كانت لديهم مطالب أو شكاوى.

ويؤكد تقرير الجبهة المصرية، أنّ الممارسة السائدة في الأقسام هي الامتناع عن تمكين المحتجز من الاتصال بمحاميه لإبلاغه بوصوله أو مطالبته بحضور التحقيقات، مضيفًا: “يتوقف علم المحامي بموعد عرض موكله على النيابة على مدى تمكن الأخير من العثور على هاتف مهرب داخل الحجز لإبلاغ أهله، الذين سيبلغون المحامي بدورهم”. ويستمر منع المحتجز من رؤية محاميه أو مناقشته في أي شيء، حتى في وجود تصريح النيابة العامة في بعض الحالات، إذ يتم منع المحامين من الزيارة، أو تمكينهم من لقاء موكليهم لمدد لا تزيد عن 10 دقائق.

وحسب شهادات المحتجزين سابقين، لا توجد معايير موحدة لتوزيع المحتجزين على الغرف، تلتزم بعض الأقسام بصرامة بالفصل بين المحبوسين على ذمة قضايا “سياسية” ومن هم على ذمة قضايا “جنائية”. أما المحتجزون الجنائيون فلا يفصل بينهم القسم طبقًا لنوعية الاتهامات الموجهة إليهم، إنما على أساس العلاقات الشخصية مع الشخص المعروف بـ”مسير الغرفة” أو رشاوى أمناء الشرطة الذين يتولون مهمة توزيع المتهمين على الغرف.

في بعض الأقسام، تحمل غرف الاحتجاز أسماءً تمييزية، كغرفة “الأموال العامة” و”السياسي” و”الجنائيين”. ويوضح أحمد سيد، وهو صحفي مصري سُجن على ذمة قضية رأي سياسي، في تصريحات لـ”درج”، أنه أودع غرفة الجنائيين لبعض الوقت، في رغبة من الضباط لـ”تأديبه”، ويضيف: “كانت هناك غرفة للسياسيين، جميع من فيها مسجونون على ذمة قضايا رأي أو نشاط سياسي، وتتمتع تلك الغرف بمستوى أعلى من الجنائي وتكدس أقل وظروف حياة أفضل، وكان مطلوبًا في ذلك الوقت تكديري إلى أقصى درجة، لأنني اتهمت شخصية بارزة اتهامات سياسية، فقضيت بعض الوقت في غرفة الجنائيين بين البلطجية والقتلة، وكانت أسوأ أيام حياتي”.

وأضاف: “يحاول الكثير من الجنائيين، عبر دفع رشاوى، الانتقال إلى غرفة السياسيين للتمتع بمميزات أفضل، وينجحون في ذلك، إلا أن الانتقال ثمنه كبير، وبعضهم لا يقدر عليه، خاصة المحتجزين (الصغار شأنًا)”.

يؤكد تلك الرواية تقرير “أجساد خارج حسابات الدولة” بقوله أنّ نزلاء غرف الجنائيين يدفعون لأمناء الشرطة للانتقال إلى غرفة أخرى، قد تكون غرف السياسيين، أو غرفة الأموال العامة، التي تكون في درجة معيشية أعلى من باقي الغرف لثراء نزلائها، وأغلبهم من مختلسي المال العام والمتهمين بفساد مالي، ويضيف التقرير: “يقوم بعض نزلاء غرف الأموال العامة برشوة الأمناء لتحصل غرفهم على مميزات أكبر، ويتمكن السياسي من طلب النقل لتلك الغرف عن طريق الرشوة”.

وفي ثلاثة – على الأقل – من الأقسام التي وثقها التقرير، “لا يوجد حجز للنساء وأشارت المعلومات إلى أن النساء المقبوض عليهن، يحتجزن في أماكن غير مخصصة لذلك، أو في ممر مكشوف على القسم، وقد يبتن هناك، أو في غرفة للتخزين ويتم الإبقاء عليهن وأيديهن (وأحيانًا أرجلهن) مقيّدة”. 

الثلاجة… الغرفة السرية للإخفاء القسري والعقاب المشدد

تتمتع الأقسام بأشكال أخرى من غرف الحجز كـ”الثلاجة”، وهي غرفة للإبقاء على المحتجزين الذين لم تحرر لهم محاضر أو توجه لهم تهم بعد، كما تستخدم في الإخفاء القسري. ويضيف “علي”، أنه قضى في الثلاجة يومين، حتى تم تكييف موقفه قانونيًا، واتهامه رسميًا بنشر أخبار كاذبة، وأضاف: “خلال تلك الفترة، لم يعرف أحد شيئًا عني حتى أسرتي، التي أخذت من بينها، من جانب قوة الضبط والإحضار التي قدمت إلى منزلي للقبض علي”. 

وبحسب شهادة – واردة بالتقرير – لإحدى المحتجزات في قسم “المرج”، تقول إنها فوجئت بدخول محتجزات في وقت متأخر من الليل، وعيونهم معصوبة، وهم مقيدون، والتقت إحداهن لدى الانتقال إلى النيابة، فأخبرتها أنها كانت محتجزة في تلك الغرفة المُسمّاة بـ”الثلاجة”.

ويكشف التقرير استخدامًا آخر لـ”لثلاجة”، فمن بين الممارسات التي يتضح اتباعها نهجًا ثابتًا، تلاعب بعض الأقسام بتاريخ الإفراج عن المحتجز، بحيث يبدو على الورق أن إجراءات إخلاء السبيل تمت ولم يعد المحتجز في عهدة القسم رسميًا، وفي تلك الأثناء يتم نقله من غرفة الحجز إلى غرفة الحجز الإداري السرية “الثلاجة”، أو نقله بمعرفة القسم (وأحيانًا عن طريق قوة من القسم) إلى مقر آخر يتعرض فيه للإخفاء القسري والتعذيب، وهو ما يفتح الباب أمام تحليل الآلية التي يتم بها لغز كبير، يسمّى الإخفاء القسري، وهو اعتماد الأقسام بابًا خلفيًا للإخفاء القسري، وذلك بعد تواجد المحتجز داخل القسم، وقد تكررت تلك الواقعة عدّة مرات، حيث تتم رؤية المحتجز في قسم بعينه، ويعقب ذلك اختفاءه قسريًا من دون معرفة مكانه أو مساره، بينما يؤكد القسم إطلاق سراحه. ويدعم ذلك كون أقسام الشرطة غير مؤصّلة في القانون المصري بمواد واضحة، ودخولها والخروج منها غير مرهون بأوراق وإجراءات رسمية تستلزم أحكامًا قضائية كالسجون. 

الحياة اليومية في أقسام الشرطة.. تجويع وأسلاك عارية وغرف غير آدمية

بدرجات متفاوتة، يجب أن يتمتع نزلاء أقسام الشرطة بحقوق ومميزات، سواء أكانوا حاصلين على أحكام بالبراءة أو محبوسين احتياطيًا على ذمة قضايا، أو أنهوا أحكامًا بالسجن، كتوفير أسرة ووسائد وأغطية وملابس وضمان التريض وممارسة أنشطة رياضية وثقافية ودينية والاحتجاز بغرف حسنة التهوية وتتوفر على إضاءة ومعايير النظافة والصحة العامة والسلامة، ورغم ذلك، يعيشون حياة صعبة خلال الأيام التي يقضونها، فواقعهم على النقيض تمامًا من هذه الصورة التي يرسمها الإطار القانوني والمعايير الدولية، وجميع الأقسام التي وثقتها الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، تخلو تمامًا من أية أسرّة أو وسائد، ولا يسلم القسم المحتجزين أغطية أو ملابس، وتتفاوت المرافق الموجودة داخل الغرف من قسم إلى آخر، فبعض الأقسام لا يوجد فيها نوافذ على الإطلاق، كما تخلو من مصادر التهوئة، أو فتحات دخول أشعة الشمس، مع التكدّس والتدخين وارتفاع الحرارة، تكون التهوية سيئة للغاية، أما الحمامات فلا يوجد أكثر من حمام واحد في الغرفة، بغض النظر عن عدد المحتجزين، وغالبا لا يكون مفصولًا عن الغرفة فيجعلها شديدة القذارة، بحسب شهادات أغلب المحتجزين السابقين.

كما يُمنع المحتجزون في أقسام الشرطة من التريّض أو الخروج من غرف الاحتجاز إلّا للضرورة القصوى. ولكون الغرف غير مجهّزة، تكون الأسلاك الكهربائية عارية، ما يعرّض بعض المحتجزين للصعق، وفي الكثير من الحالات يكون تعرية الأسلاك عمدًا من جانب إدارة القسم حتى لا تُستخدم في إخفاء الممنوعات، إلى جانب “تكدير” المُحتجزين بقلة النظافة، والتقاعس في إخراج القمامة يوميًا لدواعي الكسل أو مضايقة النزلاء، ما يؤدي إلى انتشار الحشرات في غرف الحجز وتدهور الحالة الصحية للبعض.

ويوثّق تقرير “الجبهة المصرية لحقوق الإنسان” أيضاً، شهادة محتجزة في قسم المرج في القاهرة (تموز/ يوليو 2021) حول وفاة أحد النزلاء بسبب سوء حالة غرف الاحتجاز في أقسام الشرطة، تقول: “النور قطع في القسم 4 ساعات، وفي واحد من الجنائيين مات، اتخنق ومات وكتموا على الموضوع وطلعوه من سكات، جابوا الإسعاف من سكات، ساعتها المحتجزين ثاروا فسمعنا ضرب نار في القسم، وكان في زعيق وشتيمة وحركة غريبة، عشان يهدوا الدنيا، والإسعاف جت من سكات (بدون سارينة) خالص شالت الراجل ومشيت”.

يعاني المحبوسون في الأقسام حالة “تجويع”، بحسب التقرير، وغالبية الأقسام لا تقدم أي طعام للمحتجزين، سواء الأطعمة الطازجة أو النواشف أو الطعام المطبوخ، بغضّ النظر عن قدرة المحتجز على الشراء من عدمها، رغم أن لائحة السجون تنص على أحقية السجين في الحصول على 3 وجبات في اليوم. 

ويتعرض الطعام الذي يحضره الأهالي فيما يعرف بزيارة “الطبلية”، التي يأتي خلالها أهالي المحبوسين لجلب أطعمة فقط من دون رؤيتهم، للسرقة، أو الإهمال حتى يفسد. وتظهر الشهادات التي وثّقتها الجبهة، كثرة شكاوى المحتجزين من التعنّت في معاملة ذويهم، والاعتداء عليهم لفظيًا وبدنيًا، “بشكل يحط من كرامتهم”، بحسب تعبيره. 

لا تنحصر معاناة المحبوسين بالأقسام على الأوقات التي يقضونها داخل غرف الحجز، بل تبدأ من سيارة الترحيلات، فأشارت كل المقابلات التي سبقت التقرير إلى أن “الأصل في معاملة الضباط وأمناء وأفراد الشرطة احتوائها على اعتداءات لفظية وسباب وحدّة في الحديث، بدءًا من القبض عليهم، مروراً بسيارة الترحيلات، وعند إدخالهم إلى القسم، وداخل الحجز وفي أثناء تلقيهم الزيارات من ذويهم”، ويتعرض المحتجزون “تحت المراقبة” لـ”انتهاكات مروّعة”، بحسب وصف التقرير، إذ روى محتجز سابق أن أحد المراقبين تعرض للتعرية الكاملة في أثناء تفتيشه عند وصوله إلى جهاز المراقبة في مبنى القسم.

وينجو من تلك الانتهاكات من يسمى بـ”نباطشي الحجز”، الذي يختاره القسم بناءً على علاقاته بالضبّاط وأمناء الشرطة، استنادًا إلى ما له من “أقدمية إجرامية”، وتكون مهمته الأساسية منع الشغب، وتكون له سلطة جمع الرشاوى والإتاوات مقابل ظروف احتجاز أفضل، وكذلك تأديب بعض النزلاء بالاعتداء عليهم، أو الوشاية بهم، ووثقت الجبهة شهادة محتجز سابق في قسم “أول السلام” (خلال ديسمبر/كانون أول 2021) عن غرفة الحدث (المحتجزين القُصَّر): “في عيّل نباطشي عمره 12 سنة، كنا بنسمع أنه موقفهم ومذنبهم وبيضربهم، واللي بيدخلوا له مجرمين صغيرين، ممكن طفل واقف في إشارة، وبسبب اللي بيتعرض له ممكن يطلع بلطجي كبير، لو ملوش في حاجة بيتعلم جوا حاجات كتير”.

وإذا لم يفلح “النباطشي” في تأديب بعض المحتجزين، هناك ما يعرف بـ”غرفة الفلقة”، التي وثقت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان وجودها داخل قسمين على الأقل، من عينة البحث البالغة 24 قسمًا، ويعلق فيها المحتجز ويضرب ضربًا مبرحًا على قدميه.

النساء يواجهن التحرش والموت البطيء

من المعروف أن النساء “الشرطيات” لا يعملن في أقسام الشرطة، وهو ما وثقته الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، فلم تجد موظفة مدنية أو شرطية للتعامل بأي شكل مع نزيلات غرف الحجز النسائية، ولم تذكر النساء بأي قسم سوى “دار السلام” الذي ذكرت فيه محتجزة سابقة إشراف موظفة على التفتيش الذاتي للنساء، وفي بعض الحالات، تتولى المحتجزات الأقدم تفتيش المحتجزات الأحدث، ويشير التقرير إلى أن الأصل في معاملة المحتجزات في قسم الشرطة هو الإساءات والإيحاءات الجنسية، والاعتداءات التي تصل إلى التحرش الجنسي، وينطوي الأمر أيضًا على تمييز اجتماعي، فحسب الشهادات، يندر التحرش الجنسي بمحتجزات قسم القطامية (وهي منطقة راقية في القاهرة)، وذلك لأن “الخلفية الاجتماعية للمحتجزات تحول دون قيام الضباط وأفراد الشرطة بتوجيه الإساءات لهن”، وفق التقرير. ووثقت الجبهة دخول الضباط إلى قسم النساء في أحد السجون والاعتداء عليهنّ بالضرب، كما تعرضت محتجزة “في قضية سياسية” للتحرش الجنسي خلال التدابير الاحترازية في القسم، ولم يستجب رئيس المباحث لطلبها تحرير محضر بالواقعة، وتم تهديدها بتلفيق قضية لها.

وروت محتجزة سابقة في قسم “العاشر من رمضان” (في حزيران/ يوليو 2021)، في شهادة، أنه “بعد واقعة التحرش، كان وشي في الأرض وعمالة أعيط، مش عارفة أعمل حاجة، ولا أتصرف، وبعدما خلص ومشي، قلت لرئيس المباحث، سأله: هو حصل؟.. فضحك قائلا: حصل، قلت له: أنا عايزة اعمل محضر دلوقتي، وهنزل المحكمة وهحكي كل ده وهخرب الدنيا، فقال لي: خلاص وأنا هعملك محضر انك أغريتيه، وهلبسك قضية آداب،  أو أقولك، أنا هاكلم لك أمن الدولة يجي يقعد معاكي ويلبسك قضية سياسة تاني ومش هتشوفي الشمس مرة تانية”.  

وحسب شهادات، لا تحصل النساء على أي شكل من أشكال الرعاية الصحية المنصوص عليها في المعايير الدولية، فلا توفر الأقسام الفوط الصحية للنساء، ويتعين عليهن شراءها على نفقتهن الخاصة عن طريق أمناء شرطة وعساكر رجال، وتؤكد شهادة محتجزة سابقة في قسم “قصر النيل” في آب/ أغسطس 2021، أن “الناس اللي مش بيجي لها زيارات، تلاقي مجموعة جت لها الدورة في وقت واحد فكمية الدم اللي على السلم أو مكانهم أو على هدومهم غير طبيعية ومعظمهم مكنش معاهم فلوس عشان يجيبوا فوط صحية، الفوط الصحية غير منتشرة في الحجوزات، اللي منتشر هو البامبرز، اللي هي حفاضات الأطفال، بيشيلوا الأستيك اللي فوق وتكون الحفاضة مسطحة،  فتقعد معاهم 24 ساعة، طبعا ده حاجة سيئة مفيش فلوس”. وروت سها سعيد، لـ”درج”، تجربتها داخل قسم الطالبية في الجيزة، الذي قضت بحجزه ليلة كاملة على خلفية مشاجرة، وقالت إنها “احتجزت مع الجنائيات، رغم هيأتها التي لا يبدو عليها أنها واحدة منهم وقضيتها التي كانت مجرد بلاغ، ودخلت الحجز بتوصية من مأمور القسم للمحتجزات، اللواتي قمن بإرهابها وضربها، ومحاولات إفقادها عذريتها بعلم الضباط، دون تدخل من جانبهم”.

ووثق التقرير الحقوقي “أجساد خارج حسابات الدولة”، حالات محتجزات حاليات وسابقات في قسمي “ثاني العريش” و”ثالث العريش” بمحافظة شمال سيناء، “تمارس ضدهن انتهاكات فجة، تبدأ من عدم قانونية احتجازهن لعدم وجود مسوغ قانوني، حيث تحتجز الكثير منهن للضغط على أقاربهم الرجال، لتسليم أنفسهم، ثم يتعرضن للضرب والترهيب والتهديد، والاحتجاز في ظروف سيئة للغاية”، فضلًا عن وجود محتجزات في أثناء فترة الحمل وبعد الوضع، احتجزت إحداهن لـ5 أشهر من حملها، ووضعت طفلها أثناء احتجازها، وظل الطفل في الحجز لعدة أشهر، وأكدت المقابلات، التي سبقت نشر التقرير، أن الحوامل والأمهات الحاضنات وأطفالهن، “يمكثون داخل الأقسام في أوضاع كارثية في غرف متكدسة، وسيئة التهوية ولا تدخلها أشعة الشمس، وتغيب أي رعاية صحية، فضلا عن الانتشار الكثيف لأدخنة السجائر والمخدرات”، بحسب التقرير، الذي وثق شهادة من قسم “السادس من أكتوبر” عن تعاطي محتجزة في الشهر السابع من حملها للمخدرات لدرجة فقدان الوعي تماماً، دون أي تدخل من القسم لتوفير الرعاية الصحية، رغم علم أمناء الشرطة بوجود مخدرات داخل حجز النساء.

وروت محتجزة سابقة، أن إحدى المحتجزات بقسم “المرج” (عام 2018) كانت في الشهر الثالث أو الرابع من حملها، ورغم ذلك، لإجبارها على الاعتراف، “تعرضت خلال التحقيقات للتعرية والضرب والصعق بالكهرباء، والتهديد بإسقاط حملها”.

وعلى غرار قضية الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، والباحث الفرنسي المختفي يان بوردون، وثقت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، احتجاز مواطن باكستاني في أحد الأقسام لـ6 أشهر دون العرض على النيابة العامة، وفي قسم آخر، تعرض فلسطيني لجولات متكررة من الضرب المبرح، وفي قسم ثالث، أفادت محتجزة سابقة بتعرض محتجزات سودانيات لمضايقات عنصرية، ويتّضح من ذلك أن الانتهاكات بحق الأجانب لا تمس سوى دول بعينها، عربية وآسيوية. 

أما العابرون جنسيًا، فرصد التقرير تعرضهم لانتهاكاات في أحد الأقسام، فتم الإبقاء عليهم في ممر مغلق داخل القسم دون إيداعهم في غرف كما أشارت أكثر من شهادة إلى تعرضهم لمضايقات، واعتداءات لفظية تستهدف هويتهم الجنسية، وذلك من قبل الضباط وأفراد الشرطة والمحتجزين الآخرين على السواء، فضلًا عن عدم وجود غرف أو أماكن احتجاز مخصصة لهم.

“التعذيب يدر أرباحًا كبيرة على الضباط”

يستدعي الاعتداء والتعذيب داخل أقسام الشرطة مخاوف كبيرة بسبب ذكريات سقوط نظام مبارك، بسبب انتهاكات شبيهة، وهو ما يجعل نظام السيسي أكثر انضباطًا فيما يخص تسريب تلك الوقائع، فيُمنع دخول الكثير من أقسام الشرطة بالهواتف، وذلك سمح بعدم انتشار مقاطع فيديو التعذيب كما كان في السابق. ويؤكد علي أحمد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن “النظام السياسي كان راغبًا لفترة طويلة في تجنب التعذيب بأقسام الشرطة وخارجها، وأقدم عدة مرات على تقليم أظافر جهاز الشرطة لمنعه من تلك الممارسات، لحساب إصدار أحكام على المعارضين وغيرهم وسجنهم، لكن التعذيب هو مصدر دخل كبير للضباط وأمناء الشرطة، فالأصل هو الحياة السيئة، لكن من يقدر على دفع أموال حتى لا يتعرض لذلك، سينجو بنفسه ويجد أوضاع احتجاز أفضل”.

ويضيف “أحمد” في حديثه لـ”درج”: “الأمر ليس انتقاميًا، لكن الضباط والأمناء وجدوه مصدر دخل جيد، ومع الوقت، عادوا إلى ممارساتهم القديمة جزئيًا، تحديدًا في المناطق النائية والعشوائية، إلى جانب أنهم دائمًا يقرأون رسائل سياسية، بأن هناك ضوءً أخضر لعدم احترام حقوق الإنسان كما يجب، فيستغلون ذلك ويتوسعون في العنف والتعذيب والاضطهاد، كما أن ثقافتهم لا تستوعب الاختلاف أو وجود مثليين جنسيًا أو عابرين جنسيًا، وقد اعتادوا التحرش بالنساء في الشوارع فلماذا لا يتحرشون بهم وهم تحت سلطتهم؟”.

ويوضح أستاذ العلوم السياسية، أن “هناك منظومة كاملة، عالم كامل، داخل الأقسام، هو عالم خفي، وما يحدث به غير قانوني، لكن كل المحاولات لإيقافه فشلت، لأن المنظومة الأمنية تعتقد أن ذلك جزء من حفظ الأمن، لديهم منطق بأن بعض الفئات يجب أن تخاف كي يكون المجتمع مستقرًا”. ويختتم حديثه بقوله: “لا أتوقع حدوث ثورة جديدة بسبب انتهاكات جهاز الشرطة، ولكن سوء العلاقة بين الشرطة والمواطنين قد يؤدي إلى اضطرابات تمنح المواطنين حقوقًا أحيانًا، أو تحد من عنف الأجهزة الأمنية، وبشكل عام، الأنظمة السياسية تسقط تدريجيًا، وكل هذه المشاهد التي تحدث في أقسام الشرطة وفي الشوارع، وأثناء المحاكمات، تؤثر على النظام سلبًا”.

هي أجساد خارج حسابات الدولة، ليست فقط لمحتجزين سياسيين، أو أقليات يستهدفها النظام السياسي باستمرار، ولكنها تعود إلى محتجزين في قضايا عامة، كشف عنها تقرير “الجبهة المصرية لحقوق الإنسان”، وتظهر وجهاً قبيحاً للعدالة في مصر، هو قتل العدالة والانتقام منها، لحساب دولة أخرى سرية لها قوانينها الخاصة، العُرفية، ولا ينظمها أية قوانين أخرى. 

يغيب تنظيم الأقسام والحياة اليومية بها عن القوانين المصرية، وهو ما يؤدي إلى المزيد من العنف تحت غطاء رسمي، الذي يعيد أشباح نظام مبارك بطقوسه اليومية وأسباب سقوطه المدوي إلى الواجهة مجددًا.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني