عامان على الجريمة: هكذا عرقلت السلطة التحقيق في انفجار مرفأ بيروت! 

بعد عامَين على الجريمة، ما زال استكمال التحقيق في انفجار 4 آب مرهوناً بيد السلطة السياسية وخاضعاً للمزيد من التسويف والمماطلة على حساب حقّ الضحايا وأهاليهم في العدالة. التحقيق مُجمّد منذ 7 اشهر، والقوى السياسية المُعادية للعدالة تتعمّد تعطيله.

تسير نجوى في منزلها، تدخل غرفة وتخرج من أخرى بحثاً عن شيءٍ ما. تُتمتم السيدة بعباراتٍ تشبه الصلوات حيناً، وقريبة من الكفر أحياناً: “أشعر بالوحدة هنا، لكن صوتها دائماً في أذنيّ، أسمعه وأشعر بها هنا…”، تقول نجوى وهي تبحث عن طيف ابنتها لارا.   

عندما يغلب الحنين نجوى، تدخل إلى غرفة ابنتها، تُبعثر ما في الأدراج وتُعيد ترتيبه، تشمّ ملابسها، تتفقّد أشياءها وتحدّق في صورها كثيراً… هناك، في الغرفة التي تبعد أمتاراً عن مرفأ بيروت، تحضن نجوى ابنتها كل مساء، فيما الأخيرة “تنام” في مكانٍ آخر. 

منذ عامين، لا تزال لارا تقبع في سريرها في إحدى مستشفيات لبنان. أُصيبت لارا بانفجار 4 آب فيما كانت تجلس في غرفتها المجاورة للمرفأ. في ذلك اليوم، هرعت لارا لطلب النجدة، مستشفيات كثيرة رفضت استقبالها، ولما تمكّنت من دخول واحدة، تُركت على الأرض لساعاتٍ ظناً أن حالتها ليست أولوية. في تلك الأثناء، كان رأس لارا ينزف داخلياً، إلى أن دخلت في غيبوبة… وإلى اليوم ما زالت هناك. 

“قالتلي الطبيبة لو من مليون صوت، لارا بتعرف صوتك وبتحس فيكي حدها…”، تخبرنا نجوى في محاولة لتسكين وجع الانتظار. تعيش نجوى يومياً على أمل رؤية ابنتها مجدداً تمشي وتتفاعل، وتسأل في كل مرّة تسمع فيها أخباراً عن عرقلة التحقيق في الجريمة، “ألم يُدركوا ما فعلوه بقلوب الأمهات؟ حرموني من ابنتي في لحظة وهم يتقاتلون على المناصب”. 

هكذا عرقلوا التحقيق!

بعد عامَين على الجريمة، ما زال استكمال التحقيق في انفجار 4 آب مرهوناً بيد السلطة السياسية وخاضعاً للمزيد من التسويف والمماطلة على حساب حقّ الضحايا وأهاليهم في العدالة. التحقيق مُجمّد منذ 7 اشهر، والقوى السياسية المُعادية للعدالة تتعمّد تعطيله. 

في هذا السياق، تقول المحامية في “المفكرة القانونية” غيدة فرنجية لـ”درج”، “استكمال التحقيق مرهون حالياً بتوقيع وزير المال يوسف خليل على مرسوم التشكيلات القضائية، مُتذرعاً بأن التشكيلة لا تحترم التوزيع الطائفي”. رفض التوقيع له هدف واحد لا ثانٍ له: تعطيل التحقيق لأطول فترة ممكنة. وفق معلومات حصل عليها “درج”، فإن ملف التحقيق في انفجار 4 آب متين ومُتكامل، وفيه أدلة تُثبت تورّط شخصيات سياسية وأمنية بالجريمة. 

التعطيل اتّخذ أشكالاً وأساليب عدة، بدأت بالتذرّع بحصانات النواب والوزراء، ومنع أذونات الملاحقة، وصولاً إلى دعاوى ردّ بحق القاضي طارق البيطار. إذ وصل عدد الدعاوى إلى 21 دعوى، أغلبها مقدّم من النائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر. هذا عدا أسلوب السلطة الأكثر خبثاً، عبر التشكيك بمصداقية القاضي بيطار وتطييف ملف القضية وتسييسها، وهو ما نتج عنه انقسام داخلي بين أهالي ضحايا انفجار المرفأ. 

أدى تعطيل التحقيق إلى تعطيل إحدى أعلى محاكم القضاء أيضاً. وعليه فإن التحقيقات في قضية المرفأ ليست وحدها ما تسعى السلطة إلى عرقلتها، “الجرائم المالية التي يُحاكم بها حاكم مصرف لبنان وأصحاب مصارف لبنانية مُعطلة أيضاً”، وفق ما تؤكّد فرنجية. يبدو أن القوى السياسية مستعدّة لتعطيل العدالة بالمطلق، لحمايةٍ المتورطين بجريمة قضى فيها أكثر من 200 شخصاً وجُرح الآلاف، فيما يعيش بعضهم على آلاتٍ طبية اصطناعية منذ ذلك الحين. 

ليست لارا وحدها في غيبوبة. هناك ضحية صامتة أخرى تلتزم سريرها بعد إصابتها بالانفجار. قصة ليليان شعيتو تكاد تكون من أقسى قصص الضحايا ألماً، فمنذ إصابتها حُرمت ليليان من طفلها علي، بعدما عمد زوجها إلى سلب الابن والاستحواذ على جواز سفرها. 

تحتضن ليليان اليوم دميةً لتُشعرها بحنان طفلها، منذ أيام نطقت كلمتها الأولى، ماما. 

حالة ليليان الصحية تتراجع وهي بحاجةٍ إلى عملية جراحية غير مُتاحة في لبنان. إلا أن وزارة الصحة رفضت دعم علاجها في الخارج، كما أن زوجها وعائلته رفضوا تسليمها جواز سفرها.    

“لا تعاون دولي!”

مؤخراً حصل “درج” على نص دعوى قضائية تقدم بها أميركيون أو أقرباء لأميركيين، قتل أبناء لهم في تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب/ أغسطس 2020. الدعوى رفعها المتضررون أمام محكمة هاري كاونتي في ولاية تكساس بمساعدة منظمة Accountability Now، وهي منظمة أسسها لبنانيون في سويسرا عام 2020، بهدف وضع حد لسياسة الإفلات من العقاب في لبنان. ومن بين المدّعين سارة كوبلند، وهي موظفة في الأمم المتحدة فقدت طفلها في الانفجار، وهو يحمل الجنسية الأميركية.

“أعتقد أن الضغط على السلطات اللبنانية عبر الإجراءات القانونية المعتمدة خارج لبنان هو الأمل الوحيد المتبقي للوصول إلى العدالة”، تقول سارة لـ”درج”، مشيرةً إلى أنها ستُدافع عن حق ابنها إسحاق حتى آخر رمق، فيما تسعى السلطة لضمان حماية الجناة لا الضحايا.

وبحسب نص الدعوى، فإنها مُقامة للتعويض عن “الخسائر الهائلة في الأرواح والأملاك التي تكبدها مواطنون أميركيون جراء تفجير مادة نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت”. ويطالب 

المتضررون بتعويضات تصل إلى 250 مليون دولار. أما عن الهدف، فهو تحقيق العدالة للمتضررين في ضوء تعطيل المسار القضائي في لبنان وتسييسه. 

في هذا السياق، ذكرت فرنجية أن التحقيقات المفتوحة في دول أوروبية عدة قد تساعد على إحراز تقدّم في الملف اللبناني، لا سيما إذا قدّمت معلومات جديدة غير موجودة في الملف. إلا أنه “لا تعاون دولي جدّي مع السلطة القضائية في قضية الانفجار من حيث كشف المعلومات، إذ لم تسعَ الجهات الأوروبية إلى مشاركة معلومات حول الباخرة “روسوس” أو مالك النترات أو ناقلها مثلاً”، تقول فرنجية. منذ أكثر من سنة، طالب أهالي الضحايا المجتمع الدولي بإرسال لجنة تقصي حقائق إلى لبنان، إلا أن الجهات الخارجية لم تظهر تعاوناً. وبذلك، ستبقى الجريمة من غير جناة، وستظلّ العدالة مؤجّلة.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني