سوريا: وهمُ الحريّة الذي خدعت “قسد” الكرديات به

ربما علينا التساؤل: عن أي حقوق نساء تدافع "قسد"؟ عن المرأة الكردية التي تُجبر على الالتحاق بوحدة حماية المرأة، أو التي تُخطف ويتم تجنيدها قسراً، أو الأمهات اللواتي يحرمن من أطفالهن الذين يجندون قسراً؟

على معبر الدخول إلى مناطق الإدارة الذاتية في الشمال السوري، أرغمت قوات “قسد”(قوات سوريا الديمقراطية) ريم (اسم مستعار) على النزول من الباص القادم من دمشق، ومُنعت من متابعة طريقها إلى الحسكة بحجة أنها تحتاج إلى كفيلٍ في الإقليم، أو بطاقة إقامة. لم يخطر في بال ابنة دير الزور، أنها ستُحرم من زيارة أمها في الحسكة، بعد خمس سنوات من الغياب إثر نزوح عائلتها من دير الزور إلى الحسكة، ثم حظر الإدارة الذاتية دخول مناطقها لغير من أثبتت بطاقته الوطنية أنه تولد الحسكة أو يقيم فيها. وقفت ريم وحيدة عند المعبر، تحت الشمس، مع رضيعها الذي لم يتوقف عن البكاء لساعات طويلة، تنتظر أي وسيلة نقل أو فاعل خير يعيدها إلى دمشق.


شتائم تطال “داعش” و”قسد” بالتساوي


على ضفة نهر الفرات في قرية الحوايج في ريف دير الزور، يقع أحد المعابر الإنسانية لدخول مناطق الإدارة الذاتية، حيث هربت مجموعة من النساء من حرارة البيت إثر انقطاع التيار الكهربائي المستمر، جلسن كما العادة أمام باب الدار، لكن حتى نسمة الله الوحيدة التي تحمل رائحة الفرات لم تستطع اجتياز طبقات النقاب والسواد الذي فرضه الخوف، لتقطع الخالة أم محمد نظراتي بشتائم وجهتها إلى “داعش” و”قسد” بالتساوي لأنها باتت تحلم بالهواء فقط. أمام كل النساء المتشحات بالسواد قسراً، يظهر سؤال عن حق النساء في الشعور بالأمان والحماية من الترهيب بغية فرض سلطة سياسية لا ناقة لهن فيها ولا جمل.

بداية عام 2014 أصدرت الإدارة الذاتية الديمقراطية لمقاطعة الجزيرة في سوريا ميثاق العقد الاجتماعي. أكد الميثاق على دور المرأة والحفاظ على حريتها وصون كرامتها، ووعد بحياة مثالية للنساء والأطفال وهو يتغنى بديمقراطية الإقليم ومناهضة العنف القائم على أساس الجنس، وكان قانون المساواة بين المرأة والرجل في كافة جوانب الحياة السياسة والاجتماعية بمثابة الضربة القاضية للنظام العشائري السائد في المنطقة ولكل آباء السلطة البطريركية، عليه مُنع تعدد الزوجات، المهر، والطلاق المنفرد، كما أعطى للنساء الحق في ممارسة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مجالات الحياة كافة، وأضاف على ذلك كله المادة 28 في العقد الاجتماعي التي نصت على أن “للمرأة الحق في تنظيم نفسها، وإزالة كل أشكال التفرقة على أساس الجنس”. الملفت هنا جاءت مواد حقوق المرأة مباشرة بعد قرار إلغاء عقوبة الإعدام، لأن حق الحياة أساسي ومصان.

وعد الحريّة الكاذب


نقطع الريف لنصل إلى المدينة. لا يتغير وضع النساء كثيراً، يهددن أزواجهن ساخرات في حال فكروا في تعدد الزوجات، لكن من قال إن ما يشغل المرأة هو الزواج؟ ومن حدد سقف الكفاية على قانون يحظر تعدد الزوجات ولا يصلح الوضع الاجتماعي والثقافي. بالنسبة إلى بعض النساء اليوم القانون هو مجرد نكتة، لا يضمن لهن حياة كريمة، على الرغم من أن النساء رحبت في البداية بحكم “قسد”، الذي بدا مخلصاً لهن بعد معاناتهن من سيطرة “داعش” على مناطق شمال وشرق سوريا، لكن بقيت “داعش” الورقة الرابحة بيد قوات “قسد” حتى بعد سنين من خفوت وهج التنظيم الإرهابي. فإلى اليوم لا تمتلك النساء حق ارتداء الملابس الملونة أو حتى نزع النقاب لغير الراغبات فيه، أو التحرك بحرية في معظم قرى دير الزور بسبب بعبع “داعش”. ليس هذا وحسب، الحسكة إحدى المدن الرئيسية التابعة للإقليم، تعيش عجزاً تاماً، ونقصاً في مقومات الحياة الرئيسية، فالماء يصل للأحياء بالترتيب كل عشرة أيام أو أكثر أحياناً، والكهرباء لا تأتي غالباً. الجدير بالذكر هنا أن غياب الماء بسبب النزاع القائم منذ سنوات بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية، لتمنع الأولى وصول الماء إلى الحسكة، وتدفع النساء ضريبة ذلك.


ليلة وصول الماء هي ليلة بلا نوم كما تصفها لي إحدى الصديقات، تحاول النساء تعبئة الخزانات، العبوات، أي إناء موجود يصبح لتخزين الماء، كما أنه يوم حمام الأطفال والغسيل والتنظيف، واليوم الذي يليه هو يوم الآلام الجسدية والمسكنات ونوبات “الشقيقة”، ولا يقف الجسد عند ذلك بل يذكرهن بآلام الديسك التي لم تتم معالجتها بسبب غياب  إمكانية الوصول إلى طبيب مختص.


كسر حلقة الوهم


حياة النساء اليومية كسرت حلقة الوهم الذي آمنَّ فيه سابقاً، إذ تعيش النساء واقعاً مأساوياً تحت سيطرة قوات تُلمع صورتها متباهية بحقوق المرأة، وكأن الحقّ فضيلة يمنن بها الرجال أو أصحاب سلطة النساء، لتكون قوات سوريا الديقراطية والنظام البطريركي الأبوي وجهان لعملة واحدة، إذ تُستخدم النساء وقضاياهن للوصول إلى امتيازات سلطوية.


أمّا النساء فتمارسن كل يوم معركة الانتصار على انقطاع آخر سبل عيش حياةٍ كريمة، كل هذا ليس إلّا قطرة في بحر الإعدامات والقتل تحت التعذيب وجرائم الشرف المستمرة والانتهاكات والخطف. فبحسب تقرير نشرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان في اليوم الدولي للمرأة والذي رصد الانتهاكات المتعددة بحق المرأة من مختلف أطراف النزاع منذ آذار 2011 حتى آذار 2022، أثبت التقرير اشتراك قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في كثير من أنماط الاعتداء والانتهاكات والاعتداءات ضد المرأة مع مختلف قوى السيطرة وأطراف النزاع في سوريا.
كما سجل التقرير قيام قوات سوريا الديمقراطية بالاعتداء على النساء المطالبات بحقهن في العمل وحرية الرأي، وتم احتجاز بعضهن، كما تم تسجيل ممارسات تمييز ضد المرأة العربية على خلفية عرقية.


ربما علينا التساؤل: عن أي حقوق نساء تدافع “قسد”؟ 

عن المرأة الكردية التي تُجبر على الالتحاق بوحدة حماية المرأة، أو التي تُخطف ويتم تجنيدها قسراً، أو الأمهات اللواتي يحرمن من أطفالهن الذين يجندون قسراً؟ أم الطالبات الكرديات اللواتي فقدن حقهن الأساسي في التعليم بسبب سيطرة “قسد” على المدارس، ما أجبرهن على السفر إلى محافظات أخرى أو ترك الدراسة بسبب اكتظاظ المدارس داخل المربع الأمني؟


إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني