موازنة الجامعة اللبنانية تدنّت بنسبة 95%:
مستقبل الطلاب رهن بحملات “التسوّل”

أغسطس 2, 2022
شعار "أهلا بهالطلة" الذي أطلقته وزارة السياحة، يشبه كثيراً شعار "أنقذوا الجامعة اللبنانية"، لما يحملانه من رسالة استجدائية وتسوّل على حساب معاناة الناس.

يحدث في الجامعة اللبنانية، وربما في الجامعة اللبنانية فقط، أن يضطّر أستاذ متفرّغ إلى الدفع من جيبه لتأمين مستلزمات فرعه أو كليته. يتواصل أساتذة مع فعاليات، لحثّهم على التبرّع لسدّ العجز المادي الذي تعاني منه فروع الجامعة، وتأمين احتياجاتها الرئيسية لمواصلة التعليم فيها. “هذا ما حدث بالفعل، وليس عراضة إعلامية”، يقول باسل صالح، أستاذ متفرّغ في الجامعة اللبنانية- قسم الفلسفة لـ”درج”.

ضياع وفوضى، هذا هو حال الجامعة اللبنانية التي باتت موازنتها المعلّقة تشكل خطراً على مستقبل حوالى 80 ألف طالب. ومع اقتراب انتهاء العطلة الصيفية، أعلنت “رابطة الأساتذة المتفرغين” الإضراب مجدداً، لنيل الحقوق ولفت الأنظار إلى وضع الجامعة المزري، من دون جدوى.

فيما يضيع مجلس الجامعة، الغارق بين أيادي أحزاب السلطة، والممدّد له منذ فترة طويلة (بسبب غياب الانتخابات)، فتلجأ إدارة الجامعة إلى المراسيم الوزارية لإجراء أي تعديلات. لكن لا صلاحية لحكومة “تصريف الأعمال” في هذا المجال. 

عام 2019، كانت موازنة الجامعة 366 مليار ليرة لبنانية، ولا تزال كما هي في موازنة 2022 التي لم يتم إقرارها بعد. هذا يعني أن الموازنة كانت تعادل نحو ربع مليار دولار سابقاً (بحسب سعر 1500 ليرة لبنانية لكل دولار)، بينما لا تتعدّى اليوم 12 مليون دولار (على سعر صرف السوق السوداء)، بما يعني أن قيمة هذه الموازنة تراجعت نحو 95 في المئة: “الأزمة التي واجهتنا في الأساس هي أن موازنة الجامعة لا تكفي، فكيف مع تحليق سعر صرف الدولار وفرق العملة؟”، يقول صالح. 

اليوم، لا تزال رسوم التسجيل في الجامعة على التسعيرة القديمة، 250 ألف ليرة لبنانية، أي ما يعادل نحو 9 دولارات أميركية، وهو مبلغ يحتاجه عدد كبير من الطالب للوصول إلى الجامعة يومياً.

تأثّرت الجامعة اللبنانية بالأزمات المتلاحقة، بدءاً من معاناة الطلاب، الحلقة الأضعف، ومطالب الأساتذة، وموازنتها التي لم يتم تعديلها: “من لما فتت عالجامعة لهلق ما في سنة مرقت بلا إضراب، وكلهن بيتعلقوا بنفس الموضوع من دون أي حل جذري”، تقول رائدة، طالبة حقوق في الجامعة اللبنانية. 

رائدة هي واحدة من التلامذة الذين اختاروا الجامعة اللبنانية، لـ”شهادتها القوية” و”قسطها شبه المجّاني”، كما تقول: “أنا من الطلاب الذين أجروا أول امتحان هذا العام لكن الأساتذة قرّروا الإضراب في فترة الامتحانات كعادتهم”. وتؤكد رائدة أن هذه القرارات التي تصدر سريعاً ينجم عنها ضرر معنوي للتلامذة الذين “يسهرون ليلاً نهاراً لاستكمال المنهج”. 

يلجأ أساتذة الجامعة اللبنانية منذ سنوات إلى الإضراب للمطالبة برواتبهم التي خسرت نحو 90 في المئة من قيمتها. من جهة أخرى، ترى “رابطة الأساتذة المتفرغين” في الجامعة اللبنانية، أنّ هذا الإضراب ليس جديداً “ولن يتم التراجع عنه إلى حين تحقيق المطالب”.

الأستاذة المحاضرة في كلية العلوم وفاء نون، تشير إلى أن المطالب الحقيقية اليوم يجب أن توضع في خدمة الطلّاب المغيّبين عن المشهد والذين خسروا عامهم الدراسي: “أنا آخر همّي الوضع الاقتصادي للأستاذ، واللي أنا منهن، لأنو في جزء كبير منهن كان يتقاضى راتب لا يستحقه”. 

في الإضرابات السابقة، كانت أحزاب السلطة تنجح دائماً، عبر سطوتها، في لجم حراك الرابطة ومطالبها. لكنّها اليوم، ومع ازدياد الوضع الاقتصادي سوءاً، تصرّ الرابطة على الإضراب: “والسؤال الأهم هو، هل ما جنته الجامعة من السفارات أو الجمعيات غير الحكومية أو البلديات قادر على إنقاذها في ظل مصادرة استقلاليتها؟”، تسأل نون.

ماذا عن أموال الـPCR؟

بالنسبة إلى أموال فحوصات الـ”PCR” التي أجريت للوافدين إلى مطار بيروت سابقاً في ظلّ تفشّي جائحة “كورونا”، والتي خُصِّصَت للجامعة اللبنانية، فقد “تقاضت شركتا الطيران الميغ واللاد حوالى 52 مليون دولار، إلا أنّهما لا تريدان دفع المستحقات بالدولار النقدي بل من خلال الشيكات المصرفية (لولار)”، أوضح رئيس الجامعة بسام بدران في مقابلة صحافية، وهو ما يكشف عن فضيحة لم يتعامل معها القضاء اللبناني بالحزم اللازم.

ويعتبر الكاتب الاقتصادي علي نور الدين أن هذه الأموال، لو دخلت إلى ميزانية الجامعة، لكانت “غطّت جزءاً كبيراً من العجز المادي فيها”. ويرى أن هذا ليس سوى مؤشر على أن الجامعة ليست أولوية بالنسبة إلى الدولة ولا من ضمن السياسات التي توضع في ظل هذا الانهيار: “يظهر لنا هذا النموذج (ضياع فحوصات الـ”PCR”)، أن الحرص على ميزانية الجامعة غائب عن اهتمامات جميع المعنيين”.

ماذا يحدث لو انقلبت الموازين وأُقِرّت موازنة جديدة للجامعة اللبنانية؟ 

تصبح نقاشات طلّاب اللبنانية مع زملائهم في الجامعات الأخرى متكافئة.
يتفرّغ الطلّاب لدروسهم بدل الانشغال بالإضرابات المتكرّرة.
يستخدمون المصاعد في الجامعة للوصول إلى قاعاتهم وصفوفهم المضاءة والمزودة بالكهرباء.
يتقاضى الأساتذة والموظفون رواتبهم لتأمين حاجاتهم الأساسية على الأقل.
تعود الجامعة اللبنانية لتكون حاضنة للبحوث والدراسات.

لكن في الواقع، حتى هذه الموازنة المتواضعة والتي لم تعد تناسب واقع الحياة والغلاء الحاصل، ما زالت حبراً على ورق، ولا تأبه السلطة السياسية بخطورة استمرار إهمال أزمة الجامعة اللبنانية، وما يعنيه ذلك من دمار مستقبل الطلاب والأساتذة، ما يدفع كثيرين إلى الهجرة، فالتفتيش عن جامعة أخرى ليس بالأمر السهل، نظراً إلى كلفة الجامعات الخاصة بالنسبة إلى الطلاب، وعدم قدراتها على استيعاب جميع الأساتذة أيضاً.

شعار “أهلا بهالطلة” الذي أطلقته وزارة السياحة، يشبه كثيراً شعار “أنقذوا الجامعة اللبنانية”، لما يحملانه من رسالة استجدائية وتسوّل على حساب معاناة الناس.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني