مقتدى الصدر: صراع “ناطق” مع المالكي و”صامت” مع السيستاني

خلف تناقضات الصدر يختبئ طموح كبير، وبمواقفه كلها، يخوض حربَين ضروسَين، وما التخلص من المالكي إلّا معركة في هاتين الحربين. في الحرب الأولى يسعى إلى تزعّم الشيعة (سياسياً)، ويسعى في حربه الثانية إلى تجهيز نفسه لملء الفراغ ما بعد السيستاني.

في المنطقة الخضراء، المنطقة الأكثر تحصيناً في العاصمة بغداد والعراق، المشهد كلّه بلون الانقلاب: آلاف المواطنين يسيطرون على مبنى برلمان الدولة، ذات النظام البرلماني، وأسوار المنطقة تهوي أمام المتظاهرين، وشوارعها التي تتراصّ على جوانبها بيوت وقصور المسؤولين وأبناء المسؤولين وأصدقائهم، حتى امتلأت بهم.

مشهد، ببساطة، لا يدلّ سوى على إسقاط النظام، أو الحكومة، أو البرلمان، أو أيّ شيء من الأشياء الكثيرة في العراق، والتي، شيئاً فشيئاً، بعد الاحتلال الأميركي 2003 وبفعل الخراب والفساد المتراكمين، لم يعد لها، ولمن يعتلي كراسيها، سوى قيمة سكرتير يمرّر وينظّم أعمال صاحب القرار، الأكبر، الذي تفصلنا عنه أبواب كثيرة.

بالعودة إلى المشهد في “الخضراء”، اندفع التيار الصدري، وزعيمه مقتدى الصدر نحو الشارع بمجرد أن أعلن “الإطار التنسيقي” الاتفاق بشكل رسمي على ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الحكومة العصيّة على الولادة.

ولمن لا يدري: في تشرين الأول/ أكتوبر 2021 أجريت انتخابات مبكرة حصلت خلالها كتلة الصدر على الأغلبية بـ73 مقعداً واجتمعت أحزاب كـ”حزب الدعوة الاسلامي” و”تحالف الفتح” وتيارات أخرى لتشكل ما بات يُعرف بـ”الإطار التنسيقي” وهو الكتلة التي تمثل الميليشيات الإيرانية، أو إرادة الولي الفقيه وحرس ثورته بشكل مباشر.

لم ينجح الصدر وحلفاؤه في تشكيل حكومة، أو عقد جلسة انتخاب رئيس جمهورية لعدم اكتمال النصاب، وهي الخطوة التي تسبق تكليف رئيس حكومة، ما اضطره للانسحاب وتقديم استقالات نوابه وترك 73 مقعداً لبدلاء أغلبهم من الإطار أو مقربين منه.

حتى اللحظة الأخيرة، لم يكن الصدر يتصور أن تبقى قوى الإطار متماسكة، خصوصاً بعد تسريب تسجيلات صوتية لنوري المالكي، الأمين العام لــ”حزب الدعوة”، وهو يتهجّم على الجميع، ويوجه فوهات الشتيمة والتخوين نحو مقتدى الصدر. وأيضاً بعد إعلان هادي العامري، أمين عام منظمة بدر (ميليشيا تأسست في إيران إبان الحرب العراقية الايرانية وحاربت ضد الجيش العراقي) انسحابه من الترشّح لمنصب رئيس الوزراء أو المشاركة بالحكومة.

لمقتدى الصدر ميزة لا يتمتع بها زعيم آخر في العراق: قاعدة جماهيرية تتصف بالثبات النسبي والطاعة، وهي الإرث الأهم لوالده محمد محمد صادق الصدر (اغتيل عام 1999) ومنها تبدأ أحلام الصدر الصغير وبها يخوض حروبه.

من يتابع التطورات العراقية منذ عام 2015، يظن أن الصدر يخوض حرباً واحدةً بمواجهة قوى الولي الفقيه في العراق، وهذا جانب من جوانب معركة أكبر، وحرب أكثر تعقيداً وضراوة سنحاول هنا رسم خارطة جبهاتها.

في انتخابات 2018 النيابية، تحالف الصدر مع الحزب الشيوعي العراقي، ودخلاها بعدما تشاركا ساحات الاحتجاج والاعتصام، وحينما اقتحم أنصار الصدر البرلمان للمرّة الأولى عام 2016، نصبوا خيمة في المنطقة الخضراء واعتصم تحتها الصدر شخصياً. كانت تلك المرحلة الأولى التي يظهر فيها مقتدى الصدر في الجانب المضاد لإيران. بعد الانتخابات تحالف مع قائمة الفتح (تحالف يجمع الميليشيات المقرّبة من طهران وهو نواة الإطار التنسيقي) وارتضى للشعب حكومة عادل عبد المهدي بحسب التعبير الذي استخدمه بنفسه حين أعلن عنها.

في الأيام الأولى لتظاهرات تشرين الأول 2019 التحق الصدر مع جمهوره بالركب، ثم حاول تنظيمها لسوقها، لكن شبابها تجرّأوا عليه بصفته شريكاً في جميع حكومات ما بعد الاحتلال وراعياً رئيساً، فـ”جرّ أُذنهم” بصِدام وبعض الرصاصات والضحايا، وحين اغتالت طائرات واشنطن قاسم سليماني وصديقه أبو مهدي المهندس، كان أول المعزين والممجدين، على رغم معرفته بأنه تخلّص من شخصين لطالما أجادا تحييده، وبعدها كان راعياً أكبر لحكومة الكاظمي البديلة للحكومة التي كانت تشبهها واستقالت بعد نحو 800 شهيد من المتظاهرين وتدخلٍ مباشر من مرجع الشيعة الأكبر في النجف آية الله علي السيستاني.

قبل ذلك،  ظهر مقتدى الصدر مع الاحتلال الأميركي للعراق، وسرعان ما صار اسمه كبيراً بعد اغتيال عبد المجيد الخوئي في محافظة النجف في نيسان/ أبريل 2003 وهو نجل مرجع الطائفة الشيعية الأسبق أبو القاسم الخوئي، وأشارت الدلائل، وقبلها أصابع الاتهام، إلى الصدر، لاعتقاده بأن للخوئي الابن يداً في اغتيال والد الصدر.

بعد ذلك رُفِعَ أول سلاح شيعي بوجه الاحتلال من قبل ميليشيا تابعة له (جيش المهدي)، بدعم ورعاية من إيران، وسرعان ما تحولت إلى ضلع من أضلاع الحرب الطائفية في العراق 2005-2008.

عام 2008 تحديداً وفي إطار مساعي رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لبرهنة أن حكومته قادرة على ضبط الأمن، من أجل طمأنة واشنطن لتتمّ انسحابها من العراق، أطلق عملية “صولة الفرسان” التي كانت تهدف للقضاء على ميليشيا الصدر، وانتهت بمحاصرة المالكي من قبل عناصر الميليشيا في محافظة البصرة ثم عتقه، وتراجعت الميليشيا والصدر معاً عن مشهد السلاح، موقتاً، بتجميد عمل “جيش المهدي”.

بعد سنتين شارك الصدر، بنوابه البرلمانيين، في عملية تجديد الثقة بالمالكي لولاية ثانية في رئاسة الوزراء، الولاية التي انتهت باجتياح “داعش” ثلث مساحة العراق، وضياع مليارات الدولارات وعدد غير محصور من ضحايا العنف والسجن بدعاوى كيدية ودوافع طائفية.

لم تُنسِ السنوات (2008-2022) الماضية، الصدر أو المالكي، عداءهما الشخصي الذي تفجّر بعد “صولة الفرسان”، وإذا كان قد هدأ لفترة، فبفعل اتفاقات وتفاهمات كبار اللعبة في الساحة العراقية.

في قرارة نفسه، يدرك الصدر أن ما يحدث اليوم في العراق، فرصة ذهبية للتخلص من خصم سياسي وغريم شخصي كالمالكي. يحمله إلى هذا الإدراك فضح تسريبات المالكي الصوتية وانهيارُ شعبية إيران والميليشيات و”الحشد الشعبي” والنظام السياسي عموماً في العراق. وكل ما يفعله الصدر في هذه المرحلة، يتركّز في القضاء على المالكي ولو سياسياً على أقل تقدير. ولا مانع لدى الصدر، في ظروف أخرى، من الاتفاق مع قوى الإطار الأخرى، القريبة من حرس الثورة، وهذا ما أوضحته مواقفه في فترة المفاوضات العقيمة، التي حاول خلالها تشكيل حكومة في الأشهر العشرة الأخيرة. 

خلف تناقضات الصدر يختبئ طموح كبير، وبمواقفه كلها، يخوض حربَين ضروسَين، وما التخلص من المالكي إلّا معركة في هاتين الحربين. في الحرب الأولى يسعى إلى تزعّم الشيعة (سياسياً)، ويسعى في حربه الثانية إلى تجهيز نفسه لملء الفراغ ما بعد السيستاني.

يطمح الصدر إلى تزعّم المشهد السياسي الشيعي، بطريقة تشبه زعامة الولي الفقيه لإيران ونظامها السياسي، وخلال السنتين الأخيرتين أحاط نفسه بمحيط صدري من نخبة تياره، معوّضاً بهم بعض الشيوعيين والليبراليين الذين فتح لهم الباب في إطار تحالفه مع الحزب الشيوعي 2018  وعلى رغم صعوبة شخصية الصدر والتأثير عليه، لكن محيطه الجديد نجح بتهدئة إيقاعه، وتصويره بكياسة أكبر من ذي قبل، وبدا واضحاً انتقاله إلى منطقة جديدة من التأثير في العملية السياسية والنظام، منطقة الآمر الذي يتحكّم، عبر تغريدة، بسَنّ القوانين وتبني المشروعات وإنفاق الميزانيات.

المهم في ذلك، هو السؤال الذي لن يكون التحليل كافياً للإجابة عليه، عن شكل النظام والحكم الذي سيخلقه الصدر في حال أنهى هذه الحرب منتصراً، وكيف ستكون علاقته بالخارج: إيران والمجتمع الدولي وبقية محيط العراق، وقبلها كيف ستكون علاقته بضلعَي مثلث المحاصصة الآخرَيْن في العملية السياسية العراقية: الكُرد والسُنة.

أما في “حربه” الثانية، فالأمر أكثر تعقيداً: في النجف، المحافظة المركزية عند الشيعة (يقع فيها مرقد علي بن أبي طالب) هناك توجّسٌ في “برّانيات” العائلات الحوزوية (البرّاني تعبير نجفي شعبي يشير إلى غرفة شبه منفصلة عن البيت ومخصصة لاستقبال ضيوف المرجع)، توجّس قديم يعود إلى بدايات ظهور المرجع الديني محمد محمد صادق الصدر وتصدّره المشهد كمرجع للشيعة، على رغم وجود السيستاني، حينها انقسمت الحوزة العلمية وصارت تُعرف بـ”الناطقة”، بالإشارة إلى مرجعية الصدر، و”الصامتة”، بالإشارة إلى السيستاني المرجع الأعلى وبقية المراجع.

كان الصدر الثاني (الأول هو الأب الروحي لحزب الدعوة، محمد باقر الصدر) قد سلك طريقاً غير معهودة للمرجعيات، مع ادّعائه بأنه “الأعلم” ونزل إلى الشارع وخاطب، بلغة بسيطة، شرائح منسية، فبنى بهم القاعدة الأولى والأكثر صلابة للتيار الصدري.

ليس مقتدى الصدر مرجعاً، ولم يتمّ دراسته الحوزوية أو ينشر “رسالةً عمليةً”، لكن ضبابية المشهد النجفي، مشهد ما بعد آية الله السيستاني المُسِن والمريض، تشكّل أرضاً خصبة ليزرع فيها الصدر الإبن، منذ الآن، بذور تزعّم الشيعة دينياً، وهذا ما يقلق السيستاني، ويبقيه ساكتاً غير ذي موقف منحاز، على رغم أنه قد رعى نصّ الدستور بالدفع نحو التصويت لمصلحته عام 2005،  وهو الذي حشد، بشكل غير مباشر، لسياسيي الشيعة في مرّتين: انتخابات الجمعية الوطنية في كانون الثاني/ يناير 2005 وانتخابات البرلمان الأولى في كانون الأول/ ديسمبر من العام ذاته، وهو الذي أفتى بـ”جهاد كفائي” ولدت منه ميليشيات الحشد الشعبي.

في الحياة الفقهية للمذهب الجعفري، هناك شرخ كبير، خلقه ظهور روح الله الخميني ومنهج ولاية الفقيه: تقوم ولاية الفقيه على طاعة الولي الفقيه (وهو نائب الإمام المهدي، الإمام الثاني عشر في معتقدات الشيعة الإثني عشريين) المطلقة، والتسليم بتحكمه بجميع شؤون الرعية، في مقابل المنهج القديم الذي ظلت حوزة النجف تتبناه والمتمثل بحرية تقليد أي مرجع، وأن ولاية المرجع على مقلديه غير مطلقة، ولا ولاية مطلقة سوى للإمام الغائب (المهدي).

حتى هذه اللحظة، المشهد الفقهي، بصورته الخارجية، يكتفي بهذين القطبين (هناك أفكار فقهية أخرى لكن هذين القطبين هما الأكثر شيوعاً) وحتى هذه اللحظة، ما زال القطب النّجفي متماسكاً بشكله التقليدي، لكنّه قد يهوي بوفاة المرجع الأعلى علي السيستاني، لعدم اتّضاح الاسم التالي في القائمة، التي قد تنتهي بوفاته، ويخشى مريدو هذه المدرسة، أن تؤول المرجعية إلى مقتدى الصدر.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني