قصة حقيقية عن كائن فضائي يطالب بالجنسية اللبنانية!

"ماذا لو مُنِحنا الجنسية اللبنانية؟". فكر البطل في هذا السؤال مرة. واستطاع، بعد تفكير عميق وطويل، أن يصل الى استنتاجات رياضية ومنطقية وأخرى غير منطقية، جعلته يقع في دائرة الارتياب والارتباك.

لا يبدو الأمر مخيفاً. هي مجرد قصة حقيقية عن أسرة صغيرة من المخلوقات الفضائية، كانت تعيش في بيت واحد. ولكي أكون أكثر انصافاً وأقل قسوة، لن نجد بين سطور هذا النص ما يثير القلق. فهي ليست دعوة إلى قراءة واحدة من قصص إدغار آلان بو. 

الأمر بسيط جداً. سكان هذه الأرض، في نظر الكواكب الأخرى، هم فضائيون، والعكس صحيح. لذا سنعتمد هذه الفرضية لنتحرر من العقل قليلاً، وننظر من زاوية رومانسية بعض الشيء حتى ندرك مفاتيح هذه القصة وغايتها. لماذا يجب أن نتخيل ماهية الموضوع بهذا الشكل؟ لأن بطل النص يشعر بعزلة وهو يراقب كوكب الأرض من بعيد. ويظن، بكتابته هذه القصة، التي أسردها لكم، أن الأمر لم يعد يحتكم إلا لقوانين الطبيعة الفيزيائية. 

مخلوق فضائي في مقتبل عمره. أحس في لحظة عابرة بأن علاقته بجده الفضائي الراحل هي السبب لما هو عليه اليوم من عزلة واغتراب عن عائلته. خيارات الرجل العجوز أتاحت لمستقبل أبنائه وأحفاده الغوص في خوارزميات شائكة، يصعب معها، تقبل ما يمكن فهمه خارج حدود الشرائع والأديان، وتجاهل ما يمكن تقبله داخل حدود الإنسانية. خوارزميات تخضع لرقابة ديموغرافية، ظن بها الجد مدخلاً إلى عالمٍ جديدٍ سيتيح له أو لأبنائه وأحفاده الحصول على جنسية، تغير من تركيبة الواقع القسري، الذي تعرض له بعد خروجه من فلسطين وهو في السابعة من عمره. ثم سوريا التي شب فيها وكبر دون هوية. حين حطت مركبته الفضائية على أرض لبنان، مع قوات الردع السورية التي كان جيش التحرير الفلسطيني ينضوي تحت لوائها، وقع الجد، يومئذ، في غرام امرأة لبنانية أرملة. لدى هذه المرأة خمسة أبناء، ثلاث بنات وشابين. بينما كان لدى الجد سبعة أبناء وزوجة تركهم خلفه في سوريا، معلناً هجرهم بعدما تزوج الأرملة. كان والد بطل القصة، الذي كان في لبنان عندما انتهت الحرب ضد العدوان الاسرائيلي، يقاتل، ضمن صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، إلى جانب والده. ومثلما وقع الأب في غرام الأرملة وقع الابن في غرام واحدة من بناتها وتزوجها. 

من هنا ستبدأ المعضلة، لا سيما عندما أنجب الجد ثلاثة أولاد من زوجته الثانية. الابن سيغدو صهراً. وزوجة الأخير، التي أنجبت له ستة أبناء من بينهم بطل القصة، ستكون بمثابة أخت زوجها وبالتالي ستغدو عمة أولادها وخالتهم. وأبناء الجد سيكونون، بالنسبة إلى أحفاده بمثابة اعمام واخوال في آن معاً. تركيبة غريبة لا تقل غرابة عن روابط الصلة عند ملوك الفرس والرومان وحتى الفراعنة.

ما بين الخيوط المتشابكة والمعقدة للأسرة التي جاء منها بطل الحكاية، وواقعٍ محتوم مسير، يبقى تفسير الحكاية عبر مدلولات في الفيزياء الحديثة هو أهون الشرين. علماً أن بطل الحكاية لم يكن يكترث لمثل هذه المدلولات سابقاً. إلا أن حادثةً حصلت له مرة عندما كان في الثالثة عشرة من عمره جعلته يشك بهويته، ويطرح على نفسه سؤالاً مركزياً في مكانته على كوكب الأرض. 

“هل أنا بشري أم فضائي؟”. 

أجل، هناك عند الحدود اللبنانية- السورية (المصنع) اصطدم برفض الأمن السماح له ولأخيه الذي يصغره بعامين ولوالدتهما بالدخول إلى الأراضي اللبنانية. شاهد والدته (اللبنانية) وهي تكيل الصياح لضابط الحدود وتذرف الدمع والتوسلات للسماح لهم بالمرور. وقد كان جواب الضابط “اعبري وحدك، أو عودي برفقتهم من حيث أتيتِ”. 

استطاعوا بعد جدال وسجال بين الضابط والأم اللبنانية، ودفع الأخيرة مبلغاً يسيراً من المال، الدخول إلى لبنان. على مر السنين فهم هذا الفتى، أن هويته الفلسطينية، أقل وطأة من أن تكون أمه لبنانية تحمل على عاتقها تربية أطفالٍ محرومين من الجنسية اللبنانية، التي نص الدستور اللبناني منذ عام 1925، على منحها لأولاد الأم اللبنانية الأجانب. لكن الديموغرافية الفظة السائدة في لبنان كان لها رأي آخر. وبالتالي قضت الأم حياتها تبحث عن أذنٍ تستمع لشكواها ومطالبها وحقوقها في منح أبنائها، الذين صار عددهم ستة أبناء، الجنسية اللبنانية. كانت تعلم يقيناً أن ارتباطها برجل فلسطيني قد جلب لها مشقة المكان. أي بلد ستعيش فيه هي وأسرتها؟ أليس من حق أولادها العيش بكرامة؟ ألّا يكابدون مشقات التوظيف والضمان الاجتماعي والشيخوخة والطبابة والتعليم، وغيرها من حقوق تُنزِل عن كاهلها عبء ما لا يمتلكونه؟ ربما هي حقوق نسبية الأثر والتأثير. ظن بها جبران باسيل، عندما كان وزيراً للخارجية اللبنانية قبل ثلاثة أعوام، مدخلاً لقلوب الأمهات اللبنانيات حين اقترح تعديل المادة 15/1925، بما يفضي إلى منح الجنسية لأولاد المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي خلا الفلسطيني والسوري. للحقيقة لم يبدُ الأمر مضحكاً بالنسبة إلى البطل. باسيل يرى في هذا الاقتراح مخرجاً للأزمة بـ”صب الزيت ع النار”. وفي توقيت مثالي، إذ أراد أن يثلج قلوب الأمهات في يوم عيدهن. فعمد إلى بناء جدار عازل يفصل بينهن. وهو تفكير فضائي في صلبه. ولو قدر له أن يعترض على منح الجنسية للفضائيين لما بقي سياسي فاسد في لبنان ومؤسساته الحكومية ومجلسه النيابي. من هنا اكتشف البطل أمه كيف غدت فضائية هي الأخرى. ليغرق في ضحكٍ متفجرٍ، لا بسبب أن مواطناً عزل ابن جلدته عن حقوقه، بل لأنه تذكر مشهداً من مسلسل خيال علمي ألماني يدعى “دارك”. ويتحدث عن نظرية السفر عبر الزمن. في ذلك المشهد العجيب، ستلتقي إحدى بطلات العمل بابنتها في زمن المستقبل. لتأتي الصدمة حين تعلم أن الجنين الذي تحمله ابنتها بين احشائها ما هو إلا هي. هذا المشهد وهذه الفوضى والتعقيدات العجيبة التي تدخل في حدود تفسير دراسات وأبحاث خاصة في فيزياء الكم الحديثة، جعلت صديقنا يتأسف على حال لبنان الغارق في تعقيداته السياسية والطائفية التي تولد وتحبل من تلقاء نفسها، أكثر من تأسفه على حال أمه وأسرته. 

“ماذا لو مُنِحنا الجنسية اللبنانية؟”. 

فكر البطل في هذا السؤال مرة. واستطاع، بعد تفكير عميق وطويل، أن يصل الى استنتاجات رياضية ومنطقية وأخرى غير منطقية، جعلته يقع في دائرة الارتياب والارتباك. 

كان متفقاً عليه، بعد نيله الجنسية، أن علاقته مع الحقوق المدنية والدستورية كمواطن لبناني، ستخوله ممارسة حريته بشكل مبالغ فيه. سيتزوج من امرأة لبنانية مثلما فعل جده وأباه. سينجب أطفالاً لبنانيين، ينجبون له أحفاداً لبنانيين. سيقترع وينتخِب ثم يُنتَخبْ. ويورث هذا الأمر لأبنائه وأحفاده. سيمتد نسله، باعتبار أنه كائن فضائي طفيلي، بين جميع أوصال المجتمع اللبناني. وبذلك تصبح عائلته من أكثر العائلات انتشاراً في لبنان. وهكذا ستصبح هذه العائلة قوة ضاربة في النسيج اللبناني لها سطوتها ومكانتها. ما يخولها البت في المسائل العالقة والمعقدة وعلى رأسها، كما هو بدهي، إلغاء القيود الطائفية والديموغرافية. وتحطيم جدار الفصل الذي بناه باسيل وغيره ممن يحذون حذوه. هذه التخيلات التي راودت بطلنا جعلته يصطدم بنتيجة ساخرة. إذ أدرك أن لبنان سيغدو مزيجاً واحداً من الفضائيين كما كانت بلاد الشام قبل سايكس بيكو. هل هذا أمر سيئ أم جيد؟ يا لها من مفارقة عجيبة تلك التي أوصلته إلى هذه النتيجة. أليست هذه حال بلادنا قبل الاستعمار؟ كيف يعيد التاريخ بناء نفسه؟

أحس بطل القصة بارتباك عظيم أمام هذه الأسئلة. وحدها نظرية “مفارقة الجد” الفيزيائية تستطيع تبديد هذا الشعور. هذه المفارقة قادرة، بحسب بيانها النظري القائل: “إن استطاع شخص ما اختراع آلة للسفر عبر الزمن ثم عاد بها إلى الوراء، وقابل جده ثم قتله قبل أن ينجب أطفالاً، فكيف وجد هذا الشخص في الأساس حتى يعود بالزمن لقتل جده؟”، أن تغير كل المفاهيم والاعتبارات والنتائج. 

من هنا اكتشف الرجل كيف أن مسلمات الأشياء لا تتناقض مع التاريخ، بل تحاذيه. وإن كان عليه التصالح مع هويته خارج حدود الزمان والمكان، فإن عليه ترك الماضي لشأنه. وأي متغيرات يمكن أن تمنح جده خياراتٍ مختلفة لما تمنى للحظةٍ تحقق “مفارقة الجد”، إذ يكفيه أن عائلته أصبحت الآن في مكان آخر، تتنعم بحقوقها في بلاد أعجمية. نالت حق المواطنة فيها حتى باتوا بشراً لا فضائيين كما كانوا سابقاً. ويعزّيه أن والدته ليست مطالبة، بعد الآن، ببذل الدموع والتوسلات ليعبر أولادها إلى بر الأمان. وسترفع سبابتها بوجه حكام بلادها وتخبرهم من مكانها البعيد “أن لي بلاداً لم تحافظ عليَ وعلى كرامتي”.

أدرك هذا الشاب أن حقوقه، ربما، ستكون معلنة ومكتسبة في كوكب آخر. وسيرضى بهذا المصير الكوني الذي أثلجت هذه الفكرة صدره، فمصيره لا بد أن يكون مختلفاً عما هو عليه الآن. وأنه يمتلك جنسية لبنانية. واثقاً بأن ما طرحه عالم الفيزياء الأميركي هيو ايفيرت في نظرية “الأكوان الموازية”، خير سبيل لرؤية الحياة من منظور مختلف. فالزمن لا يسير في خط مستقيم. ولكل حدث أكثر من نهاية واحدة. وتبنى على هذه النهايات نتائج مختلفة وخطوط زمنية متباينة. لأن كوننا، بحسب النظرية، متفرع عن أكوان أخرى. لذا إن كان المرء قد أصيب بحادثة سير فإن هذه الحادثة، لربما لن توجد في زمن أو مكان آخرين، أو سيتدخل ظرف خاص في منع تسببها. وبالتالي فإن نسخة عنه في مكان ستكون مختلفة عنه في نسخة أخرى في مكان آخر. لذا لا بد أن نسخة البطل الأخرى تجلس في كونٍ آخر موازٍ، تتلو على مسامع الفضائيين قصةً خرافية، كيف أن البشر، تحدد وجودهم ومكانتهم ثقافة الهوية والانتماء، وتعزلهم سياسة الإقصاء والاعتبارات.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني