“يلعن أبو إيران وأميركا”

في هتاف "يلعن أبو إيران وأميركا" انعكاس لشخصية الصدر التي لا تطيق سطوة الجهتين، وتنفر من تدخل أي منهما للتأثير في قراراته، أو للضغط عليه.

هذا الهتاف ردّده مناصرون لمقتدى الصدر، الزعيم الشيعي العراقي، خلال اقتحامهم مجلس النواب في بغداد. 

قلّما نعثر على خطاب يجمع العداء لإيران وأميركا في الوقت نفسه. ولولا أنه صادر عن مناصرين لزعيم طائفي، له تاريخ دموي ويدير ميليشيا مسلّحة، لتحمّس واحدنا للقول إنه خطاب وطني عراقي بامتياز. وهذا الهتاف قد لا يكون واعياً إلى تكثيفه الوطني. وهو لا يخرج عن مؤمن بفكرة الدولة وفكرة الديمقراطية وتداول السلطة. بل إن الصدر كما هو معروف، دخل عالم السياسة في العراق بعدما ارتكب مناصروه الغاضبون (كما هي حالهم اليوم) جريمة اغتيال سياسي بحق عبد المجيد الخوئي، نجل المرجع الشيعي ابو القاسم الخوئي، وكان هذا حدثاً مؤسساً، غيّر بشكل حاسم مستقبل الصدر السياسي. 

ولا نعرف على وجه الدقة بماذا هتف أنصار الصدر لدى ارتكابهم الجريمة، لكن ما يعنينا أنهم قادرون على ارتكاب غيرها، إذا شعر زعيمهم بأن مستقبله مهدّد. 

بهذا المعنى، يستمد الصدر قوته من جمهوره القادر على القتل من أجله، ومن أجله يحتل مناصروه البرلمان، ومن أجله، لن يترددوا، كما قال لي أحد المقرّبين من الصدر في زيارتي الأخيرة إلى العراق، في الزحف إلى إيران للقتال ضد نظام الولي الفقيه، إذا ما شعروا بتهديد إيراني جدّي، أو أصاب الصدر مكروه، او أشار إليهم زعيمهم بذلك.

والصدر، كما يصفه عارفوه من قرب، شخصية إشكالية. يصعب أن يكون تابعاً، بسبب أناه المتضخمة، برغم خجله وارتباكه في مواقف كثيرة، فهو غالباً ما يضع عينيه في الأرض متحاشياً النظر في العيون، ومع ذلك يعتبر من أكثر الشخصيات العراقية التي “تواجه”، بكل ما لكلمة “مواجهة” من معنى. وهو عنيد كما يقول مقربون منه، لا يمكن الضغط عليه لإجباره على أي شيء. فلا “تمون” أميركا عليه، ولا ترهبه إيران، ولا العكس. 

في هتاف “يلعن أبو إيران وأميركا” انعكاس لشخصية الصدر التي لا تطيق سطوة الجهتين، وتنفر من تدخل أي منهما للتأثير في قراراته، أو للضغط عليه.

هذا لا يرتبط طبعاً بوطنية الصدر ورغبته في أن يكون العراق مستقلاً عن القوى الإقليمية والدولية التي تتجاذبه، لكنه بالتأكيد موقف ضد طرفين يعلم الصدر تأثيرهما الكبير في الشارع العراقي، وفي السياسات العراقية، وهما بهذا المعنى يزاحمانه على القوة والسطوة التي يريدها مطلقة له وحده في حكم العراق، خصوصاً بعدما سجّل انتصاراً ساحقاً في الانتخابات النيابية الماضية على حساب خسارة قاسية لحلفاء إيران وميليشياتها. 

إقرأوا أيضاً:

لولا ميليشياوية الصدر، وتاريخه (وحاضره) العنيف، لاستطعنا قراءة الهتاف المذكور من زاوية وطنية، تذكّر بعبارة بديعة للباحث والمؤرخ اللبناني أحمد بيضون: “الذين يريدون حصرنا بين أن نكون مع إيران وسوريا وأن نكون مع اسرائيل وأميركا ليس لهم نفوس تكفيهم ليكونوا مع أنفسهم”. وللصدر نفسٌ تكفيه ليكون مع نفسه، لكنها لا تتسع لمشاركة الآخرين، وهي نفس دموية لا تتقبّل الخسارة، وتنزع صوب الديكتاتورية في التعاطي مع الحكم والجماهير.

من هنا يبدو الهتاف أقرب إلى عبارة طريفة، صدرت عن سيدة خلال حرب تموز/ يوليو 2006 في لبنان، بعدما ضاقت ذرعاً بالعدوان الإسرائيلي وبسلوك “حزب الله” السياسي المرهون للخارج، فقالت غاضبة: “الله يهدّك يا إسرائيل ويهدّ عدوّينك”. وإذا استبدلنا إسرائيل بأميركا في حالة الصدر، يصير الهتاف أقرب إلى هذا المعنى، الذي يراد به تمني “ضرب الظالمين بالظالمين والخروج منهم سالمين”.

لكن في الحالة العراقية، ومع تعدّد التجارب، نعلم، ويعلم الصدر، ويعلم “أبو إيران” و”أبو أميركا” أن ضرب الظالمين بالظالمين، لن يكون على الغالب إلا بمواجهة دموية على الأرض العراقية، لن يخرج منها العراقيون سالمين.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني