وقائع التنكيل والتعذيب في رسائل أحمد دومة المُسرّبة من داخل السجون المصرية

يوليو 29, 2022
لكل ناشط مصري حكايته الخاصة مع السجون ولعل ما أعلنته عائلة أحمد دومة مؤخراً من تنكيل بابنهم مؤشر جديد على حجم الانتهاكات التي يتعرض لها دوما وأمثاله في السجون المصرية.

كشفت رسالة مسربة من السجن تعرض الناشط المصري أحمد دومة، للتعذيب، و جاء بها أن إصاباته متعددة، وهي عبارة عن إصابات بالرسغين والركبتين والساق والوجه والجبهة وكدمات بالجنب، وحتى لا يُكشف الأمر منعوا ذويه من زيارته بحجة إجراءات كورونا، واتهم أحمد دومة ضابطين بتعذيبه بتكليف أكثر من 20 من العساكر والمخبرين بتقييده والاعتداء عليه. 

منظمة العفو الدولية اصدرت بيانا، أدانت فيه ما يتعرض له دومة في السجن، وما وصفته بـ”سوء المعاملة مرة أخرى”. كل هذا يحدث في ظل الترويج لحوار وطني مع المعارضة المصرية وأفق ديموقراطي يروج له النظام الحالي إعلامياً.

وفقاً لتصريحات فاطمة سراج الدين محامية أحمد دومة  لـ”درج”،  فإن أسرته تقدمت ببلاغ إلى النيابة العامة إثر الرسالة المسربة، وأنها تواصلت أمس مع المجلس القومي لحقوق الإنسان ولجنة العفو الرئاسية، ومن المقرر إيفاد محامين اليوم بشكل رسمي. وأضاف شقيق أحمد، محمد دومة لـ”درج” أنه “تواصل مع مشيرة خطاب، رئيسة المجلس القومي، وحاولت طلب زيارة لأحمد، ووعدت بتقديم طلب لزيارته بنفسها، وأنها طالبت بالتحقيق فيما ورد بالرسالة”.

اتساع أرض التعذيب

يقول شقيق دومة، إن حدة الانتهاكات ضد أخيه، تصاعدت بشكل متسارع. مضيفا أن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعد نمط التعذيب ضد أخيه وأن رسالته الأخيرة، تسجّل رابع اعتداء في آخر شهرين، وأن العائلة تلقت منذ نقله إلى سجن المزرعة، في نهاية العام الماضي، وحتى الآن، أكثر من 10 استغاثات في شأن تعذيبه. وهو ما تؤكده سراج الدين لـ”درج”: “حدة الانتهاكات والتعذيب ضد دومة، بدأت في التسارع منذ نقله إلى سجن المزرعة”. 

في نيسان/ أبريل 2012، وبعد الإفراج عنه من سجن طنطا العمومي، بعد القبض عليه في قضية تظاهر، أشار دومة إلى حدة “التعذيب داخل السجون المصرية” بعد الثورة، عاقداً مقارنة سريعة بين التعذيب في السجون بعد الثورة وقبلها، وقال إن “التعذيب بعد الثورة ازداد سوءاً، بينما في عهد مبارك كان التعذيب يجري أثناء التحقيقات في أمن الدولة فقط، بينما كانوا السجناء يعاملون باحترام في محبسهم”، واصفا التعذيب بعد الثورة بـ”البشع وغير المسبوق”.

وكانت بذور الاختفاء القسري ما زالت في بدايتها، حينما جرى إخفاؤه 18 يوماً كاملاً، قضتها أسرته في البحث عنه، وتحت وطأة حملات مكثفة من الأسرة والمؤسسات الحقوقية، اضطرت وزارة الداخلية إلى الاعتراف بالقبض عليه.

تحدث دومة علنا عن وقائع التعذيب التي تعرض لها خلال فترة احتجازه، على أيدي ضباط من سجن طنطا. كان نمط التعذيب كالتالي: “التجريد من الملابس ماعدا الملابس الداخلية والتقييد من الخلف ثم الضرب بأنابيب حديدية”، وتحدث عن إرغامه بشكل متكرر من قبل أحد الضباط على الركوع والانحناء نحو ماسورة مياه صرف صحي. 

هي طريقة التعذيب نفسها التي يصفها في الرسالة المُسربة، لكن هذه المرة، بواسطة 20 من المخبرين والمجندين، وليس ضابطاً واحداً. في عهد مبارك كان التعذيب ضد دومة، لا يتجاوز دمغات وجروحاً وخلعاً بسيطاً بالكتف، كما قال، وحدث له على يد مأمور قسم الخليفة في 2009، أثناء إنهاء إجراءات نقله من سجن العريش إلى الخليفة استعدادا لترحيله إلى دمنهور. 

بعد الثورة، بات من الممكن أن يسلطوا عليه عناصر من داعش داخل السجن، مثلما حدث معه في أغسطس 2018، حين تم إيداعه زنزانة برفقة متهمين بالانضمام إلى داعش، واعتدوا عليه لفظيا ووصفوه بـ”الكافر“، واعتدوا عليه بدنيا في حضور ضابطي شرطة، وكاد يموت بين أيديهم.

يصف شقيق أحمد دومة ما يحدث بأنه “جديد علينا وغير مفهوم”، وخلال حديثه لـ”درج” يقول محمد إن التعذيب “حالة عامة تطال باقي السجناء أيضاً”، مثل الاعتداءات البدنية على الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح ومنعه من العلاج، والاعتداء على الباحث أحمد سمير. وهو ما أشار إليه دومة في رسالته الأخيرة المُسربة “حيث تعرض الباحث أحمد سمير لما يشبه محاولة القتل بالخنق، إذا قامت إدارة السجن برش كلور في زنزانته الضيقة وكاد يختنق وكل ذلك بأمر من الضابط أحمد الوكيل”.

مرحلة الأمراض المزمنة

في أكتوبر 2014 وأثناء محاكمته في “قضية التظاهر” ظهر أحمد دومة على كرسي متحرك، وقال محاميه حينها محمود بلال إن حالته الصحية باتت سيئة للغاية، وأصيب بعدة مشاكل صحية فى الجهاز العصبى والحركى، أقعدته على كرسى متحرك.

مشهد دومة على الكرسي المتحرك، كان صادما، وكان رسالة بأن التعذيب أخذ أبعاداً أكثر وحشية، إذ لم يسبق أن خرج سجين على كرسي متحرك بسبب تعذيب يتعرض له داخل السجن.

بحسب تقرير لـ”منظمة العفو الدولية”، صدر في 2021، أحمد دومة هو أكثر السجناء الذين تعرضوا للحبس الانفرادي، بمدة حبس انفرادي تصل إلى 4 سنوات وثمانية أشهر. وخلافا للسجناء الآخرين، وبحسب زوجته السابقة نورهان حفظي، أبقته السلطات منعزلا، وكان لا يخرج للتريّض إلا ساعة واحدة بعد انتهاء تريّض باقي السجناء. 

ونتيجة للحبس الانفرادي في زنزانة ضيقة (2 متر × 2 متر) أصيب بآلام في ركبتيه وظهره،  كما ظهرت إصابته بضغط الدم المرتفع والأرق ونوبات الهلع ونوبات الصداع النصفي الحاد وتآكل الركبة المفصلي. وإمعانا في التعذيب، تمنع السلطات المصرية إدخال الأدوية التي أوصى بها أطباؤه، إليه. وحاولت أسرته مرات خلال الفترة آذار/مارس وتشرين ثاني/ نوفمبر 2019 إدخال الأدوية من دون جدوى، وتقدم محاموه بأربعة بلاغات إلى النائب العام في هذا الشأن، غير أن النيابة لم تحقق في أي منها. 

وحتى قبل الرسالة الأخيرة، سُربت رسالة في 8 حزيران/ يوليو الماضي، يشتكي فيها دومه من أن منع الأدوية مستمر حتى الآن وأن أدوية أرسلتها له أسرته مؤخراً، لم تصل إليه. وبدا واضحا أن حدة التنكيل آخذة في التصاعد ضد دومة، واضطرت وزارة الداخلية إلى الرد بشكل رسمي، بنفي تعرضه لأي تعذيب أو إهمال صحي داخل السجن. فيما لا يتم التحقيق في أي بلاغات إهمال طبي أو تعذيب، يتم تقديمها إلى النيابة العامة أو وزارة الداخلية، بحسب محاميته.

إقرأوا أيضاً:

التعذيب المعنوي والمادي

تقول سراج الدين لـ”درج”، إن “عرض حرية السجين مقابل مبالغ هو غير قادر على سدادها، انتهاك معنوي، وتكبيل أكثر للسجين”.

في نوفمبر 2021، أعلنت أسرته بأن هناك عرضا للإفراج عنه مقابل دفع الغرامة التي أقرّت مع  حبسه 15 عاماً، وهي ستة ملايين جنيه (نحو 335 ألف دولار). 

فضلا عن كونك معتقلاً فإنهم يذكرونك أيضا بأنك لا تملك ثمن حريتك، هذا إن عرضوها عليك.

اضطر دومة وزوجته إلى الانفصال عن بعضهما بعد زواج استمر ـ9 سنوات قضى معظمها خلف القضبان. وحرم الزوجان من فرصة وجودهما معا بسبب نمط تنكيلي قاسي. ولابد أن هذا مؤلم بقدر الألم الذي يعانيه مسجون داخل زنزانة انفرادية يتعرض للتعذيب.

تكمن أزمة دومة بالنسبة إلى السلطات، في أنه الأكثر قوة وصلابة في المواجهة، ولا يتمتع بتلك المرونة بما يمكنهم من مساومته. في 2012، حين اعتدى الشيخ أبو إسلام المصري على الزميلة الصحفية سارة رمضان أثناء إجرائها حواراً معه، وانتقال الواقعة إلى قسم الشرطة، كان من بين الحاضرين بجانب سارة، أحمد دومة. وكانت هناك محاولات وقتها لإنهاء الأمر دون فتح محضر. فكان رد أحمد دومة قاسيا، وفجأة علا صوته بالهتاف في وجه رئيس المباحث، حتى رضخ وحرر المحضر.

وكان قادرا رغم سنوات سجنه الطويلة، كما تقول “منظمة القلم الدولية” على الكتابة عن خبراته وتطلعاته وأحلامه، مثل ديوان “صوتك طالع” الذي صدر في العام 2012. وعُرف عنه أنه من أكثر الناشطين تواجداً خلف القضبان. سجن في عهد مبارك في 2009 وفي عهد المجلس العسكري 2012، وفي عهد مرسي وعهد عدلي منصور وأخيرا في عهد السيسي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني