السورية أصالة نصري تغني بالكردية: رسالة عراقية إلى الأتراك؟

لا نعلم ما إذا كانت أصالة قد تقصّدت الغناء بالكردية دعماً للقضية الكردية، أم أنها أرادت الدخول إلى السوق الفني الكردي، أو ربما تكون المسألة برمّتها محاولة خلق "تراند". لكن "المصادفة" التاريخية قد تحمل إجابة لكل هذه الأسئلة.

“المصادفة” التاريخية التي رافقت إطلاق أغنية أصالة نصري الجديدة التي حملت عنوان “كفوكيم”، تغري بقراءة تتجاوز الفنّ الذي تقدّمه أصالة عادة، إلى السياسة التي لا تبتعد كثيراً من سيرة الفنانة السورية المعارضة لنظام بلادها. و”المصادفة” التي سنتحدث عنها، نضعها بين مزدوجين، لأن هناك احتمالاً كبيراً أن تكون مقصودة، وعن سبق تصوّر وتصميم و… كنا لنقول أيضاً “تلحين”، لولا أن لحن الأغنية من التراث الكردي، وكلماتها جاءت باللغة الكردية وهي اغنية تراثية معروفة جداً في كردستان. ويبدو أن المقطع العربي منها مأخوذ من دون إذن من صاحبه الأصلي الفنان ابراهيم كايفو، الذي سجّل على فايسبوك اعتراضه على استخدام اغنيته من دون أخذ إذنه. تبدأ أصالة بالغناء باللغة العربية المقطع المأخوذ من أغنية كايفو، قبل أن تنتقل إلى اللغة الكردية في مفاجأة لجمهورها الذي راح يتساءل عن معنى الكلمات وعن السبب الذي دفع أصالة إلى الغناء بلغة الكرد.

قبل الخوض في “المصادفة”، لا بدّ من الكلام عن الأغنية ومعانيها. الأغنية إذاً من التراث الكردي، وقد ذُكر هذا الأمر في الوصف الذي يرافقها على موقع “يوتيوب”. وهي اغنية مشهورة جداً في منطقة بهدينان الكردية، في شمال العراق على الحدود مع تركيا. وهذه المنطقة تشهد منذ سنوات هجمات عنيفة ينفذها الجيش التركي، لا توفّر المدنيين ولا الزراعات ولا البيئة ولا الحيوانات البرية ولا المواشي، وقد تعرضت بعض هذه المناطق إلى تهجير قسري من القوات التركية الغازية. وهذه الأغنية في نسختها الكردية التراثية، التي لم تحافظ عليها أصالة، تحكي قصة فتاة تقول عن نفسها إنها “حجلة زرقاء/ أمشي فوق السطوح والمنازل”، وأنها “عاشقة لعيون زرقاء”، وتخاطب الشاب الذي يعجبها بالقول: “نكاية بك/ أنا عجولة ومجنونة”، وأنها “قماشة زرقاء” في يد من يمسك أو تمسك حلقة الدبكة، وتقول له: “يا ولد/ انظر إليّ وانتبه لي”. وتقول له إنها جاءته حاملة “قماشة زرقاء”، ثم مع تفاقم السرد الدرامي، تصبح “قماشة حمراء” في الأغنية، وهو ما يحمل بحسب ما يقول أصدقاء كرد معاني جنسية، ثم تنتهي الأغنية بتحوّل الألوان كلها إلى الأسود: “أنا حجلة سوداء/… وعاشقة للعيون سوداء/ وأنا مريضة”. وفي الاغنية ومعانيها ما يعكس حال الشعب الكردي، المحبّ للفرح والحياة، والذي يعاني من سوداوية الظلم التاريخي، المستمر حتى الحاضر، لقضيته القومية. 

في نسخة أصالة، الحجلة بيضاء، ثم حمراء. ويبدو أن الذي أعدّ اللحن والكلمات، ويدعى آري جان، هو من غيّر في معاني الكلمات، وأخذ جملة واحدة من الأغنية الأصلية، تتكرر في اغنية أصالة، وفيها تقول الفتاة إنها عاشقة العيون السوداء وتتغزل بالشاب الوسيم الذي تتوجه إليه. ومع أن تغيير الكلمات وانتقاء مقطع، مسلوخ من سياق الأغنية الأصلية، افقداها معانيها الأساسية، إلا أن غناء أصالة باللغة الكردية خطوة لافتة من المغنية السورية، ستجعل من جمهورها يتساءل عن اللغة التي ستأخذهم إلى القضية الكردية من حيث لا يدرون. لا نعلم ما إذا كانت أصالة قد تقصّدت الغناء بالكردية دعماً للقضية الكردية، أم أنها أرادت الدخول إلى السوق الفني الكردي، أو ربما تكون المسألة برمّتها محاولة خلق “تراند”. لكن “المصادفة” التاريخية قد تحمل إجابة لكل هذه الأسئلة.

فالأغنية طرحت على موقع يوتيوب في 24 تموز/ يوليو 2022، وهذا التاريخ، إذا كان مقصوداً، فهو يعني أن أصالة تحمل رسالة سياسية واضحة، بلغة كردية، وتتوجه بها إلى الأتراك. ففي هذا التاريخ بالذات، من عام 1923، تم توقيع معاهدة لوزان، التي يرفضها الكرد، بحجة أنها أطاحت بحلمهم في إقامة دولة كردستان التي كانوا يأملون بأن يساعدهم الحلفاء الأوروبيون في إقامتها ثمناً لمساعدتهم لهم في الحرب العالمية الأولى في وجه تركيا (السلطنة العثمانية). ويتذكر الكرد سنوياً ذكرى المعاهدة، ويطلقون حملات للتذكير بجرائم تركيا بحق الكرد، والتي يصفونها بـ”الإبادة”. 

ويزداد ترجيح هذا المغزى المفترض من الأغنية، عندما ينتبه أحدنا إلى أن أصالة “ارتبطت” بالعراق بالمعنى الحرفي للكلمة، مع زواجها من الشاعر العراقي فائق حسن، وهو مدير أعمال الفنان العراقي/ السعودي ماجد المهندس، وهو بالطبع بات يشرف على أعمال زوجته. وهو ما قد يفسّر اهتمام أصالة بالغناء باللغة الكردية، خصوصاً إذا كان حسن منسجماً مع النبض في الشارع العراقي الممتعض من الانتهاكات والجرائم التركية، خصوصاً بعد قصف منطقة سياحية في دهوك قبل أيام وسقوط قتلى وجرحى.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
نادية مبروك
“غسّلت أبنائي الثلاثة فمن يُغسّلني؟”… قد تجد كنيسة القديس أبو سيفين متبرعين من أثرياء الأقباط في مصر لإعادة ترميمها وتأمينها لكن مئات الكنائس -المقننة وغير المقننة- في مصر تبقى مسرحاً محتملاً لحرائق تلتهم ضحايا أبرياء في كل موسم صلاة أو صوم.
Play Video
نشرت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية في 28 تموز/ يوليو الماضي افتتاحية لمقال بعنوان “لماذا النساء أكثر بدانة من الرجال في العالم العربي”، يتحدث عن بدانة النساء في الشرق الأوسط مرفقاً بصورة الفنانة العراقية إيناس طالب، من دون استئذانها، ضارباً تقارير المسح الخاصة عن البدانة في العالم الصادرة عن المؤسسات الصحية العالمية عرض الحائط، ما أحدث تبايناً في الآراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي العربية والغربية، إذ اعتبر كثيرون استخدام صورة إيناس جزءاً من خطاب مزوجيني معاد للنساء.

3:08

Play Video
على مدى ٣٣ عاماً خاض الكاتب سلمان رشدي الكثير من النقاشات العلنية حول كتابه “آيات شيطانية” وحدود حرية التعبير خصوصاً بعد فتوى هدر الدم التي عاش بموجبها سنوات طويلة في الخفاء والخوف حتى لحظة تعرضه لمحاولة قتل قبل يومين. رشدي دافع بشراسة عن حرية التعبير وهنا في هذا الفيديو وفي لقاء مفتوح له في العام 2018 يقول، “يقع الناس في فخ تصديق أنه من المحق الحدّ من حرية التعبير … إذا سلكنا هذا الطريق لن يتمكن أحد من التحدث بتاتاً”

2:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني