عن كيف علّموني أن أحبّ بشار الأسد مع الخبز والماء 

ما زلت حتى اليوم أحلم بأنني سُجنت في سوريا، أستيقظ بلا ريق ولا نفس، أفتح هاتفي لأتأكد أنني لم أفعل أي شيء يؤدي إلى اعتقالي وتعذيبي، أبكي قليلاً فأنا أعرف أن آلاف المعتقلين والمعتقلات يستيقظون الآن مثلي، لكن كابوسهم حقيقة.

“إجاك الدور يا دكتور”، لعلّه الشعار السياسي الأجمل في القرن الحادي والعشرين، كتبه تلميذ مدرسة على أحد جدران درعا، قبل أن تقضم كلاب الأمن أصابعه الصغيرة. أحب أن أبالغ في تقدير الأشياء، لذا اتخذت هذه الجملة رمزاً وشعاراً أبدياً للثورة السورية، مهما كُتبت من بعدها جمل منمقة وعميقة، فإن هذه الجملة هي البداية والاصدق في الوصف. 

“إجاك الدور”، لم تكن حجر الدومينو الأول لكنك أحدها، والحجارة تقف في الصف بانتظار دورها لتسقط، وربما لم تسقط انت فعلياً بعد هذه السنين وأكاد أسمع جميع النكات عن بقائك في الحكم ورحيل الآخرين، لكنّني أراك في كرسيك تنشطر لأجزاء، تشيب خوفاً، منهكاً من البطش وحمل البراميل، تجلس مكانك في الحكم لكن لا حول لك ولا قوة. 

واليوم “إجاك الدور” في مقالاتي، بعد سنين من الصراعات الداخلية للتخلص من رواسب التربية السياسية التي علمتني أن أدافع عنك في وجه “الأعداء”، سنين طويلة تعلمت فيها أنك ملاك الدولة والسياسة، المصلح والمنقذ والساهر على راحتنا وأمننا وأماننا، سنين وأنا أعتقد أن الجميع يريد النيل منك، لأنك أسد عظيم يحمي “عرين العروبة”. لا ألوم أهلي على خطابهم المشوه هذا، لا أحاسبهم اليوم على تقديم حبك مع الطعام والماء وكأنك فريضة الهية، هم أيضاً ضحايا، ضحايا عنف المناهج التربوية والتنشئة السياسية العسكرية في المدارس، كيف ألوم أطفالاً لم تقع أعينهم على زاوية واحدة في بلدهم لا يوجد فيها صورة لك؟ كيف ألوم أمي التي كادت تُساق للمعتقلات بسبب تغيبها عن الاجتماعات الحزبية، أمي التي شهدت على “سحب” استاذها من الصف لأن الجدران وشت به. اليوم أجلس في الغرفة مع أمي، أشاهد حلقات قصيرة عن معاناة المعتقلين والمعتقلات في السجون السورية، تسمع أمي ولا تنظر في عينيّ، وعندما نظرت أنا، رفعت رأسها مضطرة وقالت بصوت خائف يرتجف “دخيلك لاء يا امي”. لقد انتظرت أمي هذا اليوم، يوم ادرك فيه الحقيقة فأكتب عنها، علمت أنني لن التزم برواية أبي السياسية للأبد. والحقيقة تقول: امي لا تحبك أمي تخاف عليّ منك فقط. 

أذكر أنني كنت طفلة عند بداية الثورة السورية، لم أكن قادرة بعد على تكوين رأيي السياسي الخاص، كان أبي هو صاحب القرار الأخير في البيت، يقول هؤلاء هم الطيبون فأصدقه وأدافع عنهم دون تفكير. كان يختار أبي القنوات الاعلامية التي تدعم رأيه، وكنت أصدق هؤلاء أيضاً، أناس على الشاشة يلبسون بدلات أنيقة يتحدثون بثقة وحزم، نساء يبتسمن لكلامهم ثم يؤكدنه، أبي يهز رأسه موافقاً… كيف لا أصدق؟ ثم استمرت الثورة عشر سنوات أخرى، وأنا كبرت معها 20 سنة فجأة، لم أبق تلك الطفلة التي تنتظر رأيها معلباً جاهزاً، أصبحت قادرة على اختيار المحطات الإعلامية المختلفة، ولم ألتزم بواحدة. بعد عشر سنوات، أدركت أن أصحاب البدلات هؤلاء، يأكلون الأطفال على العشاء والنساء على الفطار. كان أمراً منهكاً، أن تعيد النظر بكل ما تعلمته، كان أشبه بأن تصل الى الصف التاسع ثم تقرر أن تعود إلى الروضة لتتعلم الألفباء من جديد. 

منذ الصغر يتعلم السوريون تجبنب النقاشات السياسية، حتى خارج البلاد. هناك فكرة دائمة في أذهاننا أن الآخر هو مخبر للدولة السورية، وما إن ننهي الحديث سوف تصل سيارة أمنية وتخفينا. كان من السهل إخفاء رأينا مقابل قول رأي كاذب، لذا كنا نصمت وندعي أننا لسنا من أهل السياسة ولا شأن لنا فيها. ومع تقدم التكنولوجيا وانتقال السياسة من حديث أسبوعي في القهوة الى حديث يومي على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من الصعب ابتلاع الرأي. فمع انتشار اخبار كخبر مجزرة حي التضامن، كان من المميت أن تجلس صامتاً أمام هذه المشاهد المرعبة، كان من المخيف ألا تقول أمام الله والتاريخ انك لا تؤيد هذا التوحش، بل تعاديه وتعادي ماضيه وحاضره وأي مستقبل له. والمرعب حقّاً، كان حديثك مع نفسك قبل النوم، عندما تختلي بأفكارك وتتذكر أنك يوماً ما كنت في صف هؤلاء، عندما تمسك ورقة وقلماً لتسجل أسماء من تود الاعتذار منهم على مواقفك هذه فيجف القلم قبل ان تنتهي الاسامي، أن تدرك فجأة أنك دافعت عن مغتصب النساء والأطفال، قاتل الشباب والطموحات، مقتلِع الحناجر والعيون والأظافر، المستبد الأكبر امتداد أبيه الطاغية. والمؤسف حقاً؟ إنك كنت تدافع عنه تحت مسميات عظيمة كالمقاومة ومعاداة إسرائيل وتحرير فلسطين، لكنك كبرت الآن وعلمت أن من يشبه اسرائيل لا يعاديها. 

ما زلت حتى اليوم أحلم بأنني سُجنت في سوريا، أستيقظ بلا ريق ولا نفس، أفتح هاتفي لأتأكد أنني لم أفعل أي شيء يؤدي إلى اعتقالي وتعذيبي، أبكي قليلاً فأنا أعرف أن آلاف المعتقلين والمعتقلات يستيقظون الآن مثلي، لكن كابوسهم حقيقة. أجلس لدقائق افكر في ابعد نقطة عن هذا النظام وعساكره وأقبيته الحقيرة لأهاجر إليها، يسيطر عليّ الرعب وأرتجف ثم أستبدل صلاتي قبل النوم وأردد “الحرية للمعتقل الذي لا نعرفه” وأنام باكية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني