بيوتنا المدمّرة: “لوكايشن” لسينما النظام السوري وحلفائه

لا يختلف استخدام سوريا ديكور حرب لأفلام سينمائية عن مشهد بشار الأسد وهو يمشي مع عائلته في مدينة حلب، وسط الأحياء المدمّرة. إن كان رأس النظام يبتذل الدمار الذي تسبب به، فلماذا نستغرب أن يقدم منتجون صينيون وإماراتيون على ذلك أيضاً؟

ينفق منتجو الأفلام والدراما المتعلقة بالحروب مبالغ طائلة لبناء ديكورات حرب ودمار تحاكي الواقع، لكن سوريا تحولت في السنوات الـ11 الماضية الى “ديكور” دمار هائل، جذب صناع الدراما والأفلام ليكون خلفية ومادة بصرية في حبكاتهم الدرامية أو الوثائقية. 

في الدراما السورية الراهنة، وتحديداً تلك التي قُدمت بإنتاج سوري وتتناول في موضوعاتها الحرب السورية/ السياسية أو العسكرية كـ”الولادة من الخاصرة” و”دقيقة صمت” مثالاً لا حصراً،  سنجد أنّ هناك ما سهّل على هؤلاء المخرجين “السوريين” تصوير مسلسلاتهم بطريقة مكّنتهم من إخراج مشاهدهم بشكل مطابق تماماً للواقع (من حيث المشاهد البصرية)، لا يعود ذلك إلى مهارة الفنيين السوريين في العمل الدرامي وحسب. إنما الأمر الذي لعب الدور الأكبر هو توفر البيئة المناسبة، بدءاً بمواقع التصوير، وصولاً إلى “الكومبارس” الذين كانوا أصلاً سوريين. 

التصوير كان يتمّ في مواقع شهدت معارك وحرباً حقيقية، لكن قوة الصورة وواقعيتها كانت توظف في سياق رواية النظام وهو ما أفقد تلك الأعمال قوتها وإن أبقى على تأثيرها الدرامي الواقعي. 

هذه المسلسلات أو الدراما السورية التي أنتجت في السنوات الأخيرة، نقلت من خلال بعض مشاهدها، الصورة الحقيقية لحجم الدمار الّذي أتى على أكثر من ثلاثين في المئة من حجم البلاد، بحسب مسح أعده معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث. 

الموافقات الأمنيّة “خيار وفقوس” 

اعتمد النظام السوري خلال سنوات الحرب، أسلوب الأرض المحروقة لاسترجاع المناطق التي فقد سيطرته عليها، فكان يلجأ إلى قصفها بالطائرات والمدافع الثقيلة. يُهجّر سكّانها ويبسط يده العسكرية فيها، تنهب ما تبقّى منها، ثم تُدرج تلك المناطق ضمن المناطق الّتي تحتاج إلى موافقات أمنيّة لدخولها، حتى ولو كان أهلها، هم الذين يرغبون في ذلك. ثمّ حوّلها بعد ذلك في ما يخدم الجانب السينمائي إلى مواقع لتصوير المسلسلات والأفلام (العربيّة والسّوريّة) الّتي تخدم حصراً تصدير روايته حول ما يحدث في سوريا. 

فإن لم يكن المسلسل المزمع تصويره وإنتاجه يصب في مصلحة النظام، يتم منعه، من خلال عدم منحه “موافقة أمنية”. ويتم الإعلان عن عدم الموافقة، دون التطرق إلى ذكر الأسباب، وكأن لسان حاله يقول “إن لم تكن الرواية كما أريدها، فابحثوا عن أماكن أخرى”، في دول أخرى. 

من الأفلام السورية، التي منحت موافقة أمنية لإتمام تصويرها في مناطق يسيطر عليها النظام بعدما دمّرها، هو فيلم “فانية وتتبدّد” للمخرج نجدت أنزور. الفيلم عالج الحرب من زاوية وحيدة  هي رؤية النظام السوري وفكرة “الإرهاب” حيث تم تصويره تحت حماية أمنية. 

تلك الرواية، هي تحديداً ما أراد النظام تصديره. تكرر الأمر نفسه مع أفلام لمخرجين مثل جود سعيد وباسل الخطيب، المعروفين أيضاً بولائهما للنظام.

في الفترة الأخيرة، أثير جدل بشأن تصوير فيلم Home Operation، أو “عمليّة الديار” وهو فيلم من إنتاج “صيني- اماراتي” يدور حول عمليّة إجلاء ديبلوماسيين ورعايا صينيين من مناطق اشتعلت فيها الحرب. كان من المفترض أن يتم تصويره في اليمن، المكان الذي دارت فيه الأحداث الحقيقية عام 2015. لكنّ شركتيّ الإنتاج قرّرتا أن التصوير في اليمن لن يكون آمناً، ومن أجل إتمامه لا بدّ من إيجاد “لوكايشن” مناسب.

أن تكون سوريا المكان المناسب لتصوير الدمار، بدا قراراً تقنياً لصناع الفيلم، لكن بالنسبة إلينا نحن السوريين، فهو حدث مؤلم بالفعل.

أظهرت الصور الأولى للعمل وجود كوادر كبيرة من الممثّلين في مناطق عدة من سوريا المدمرة، أبرزها كانت منطقة الحجر الأسود في جنوب العاصمة دمشق. وقد أشارت بعض الأخبار، إلى أن التصوير سيكون في مناطق أخرى، كالغوطة الشرقيّة وداريا وحمص.

اللّافت في الأمر، أنّ هذا العمل، القائم على استغلال خسارة الناس منازلهم، لتوفير تكاليف بناء استوديوهات ضخمة للتصوير،  يتمّ إنتاجه وإخراجه بمشاركة ممثّلين عرب وسوريين. 

الصادم هو الخطاب الترويجي للدمار الذي يجاهر به سينمائيون وفنانون محسوبون على النظام. المخرج المنفّذ للفيلم في سوريا رواد شاهين وهو أحد أفراد طاقم العمل، يتحدث عن الدمار بوصفه عامل جذب إلى سوريا فأسهب في الحديث عن أن سوريا تحوّلت إلى استوديوهات سينمائيّة عملاقة، ستجذب المنتجين من أنحاء العالم للتصوير فيها. 

تجاهل شاهين خلال حديثه أن لهذه المناطق، أهلاً وذاكرة وضحايا ونازحين ولاجئين، الذين يفترض أن تكون لهم الأولوية لتأمين عودتهم إلى الديار.

أسلوب تجميل الجريمة، من خلال تصديرها بوصفها عنصراً جاذباً هو نمط يعتمده النظام والناطقون بلسانه، وها هم الآن يجملون للناس حقيقة الأحياء المُدمّرة بطائرات النظام وأسلحته الثقيلة، عبر التسويق لاستخدام المكان مسارح واستديوهات. 

لا يختلف استخدام سوريا ديكور حرب لأفلام سينمائية عن مشهد بشار الأسد منذ أسابيع، وهو يمشي مع عائلته في مدينة حلب، وسط الأحياء المدمّرة. 

إن كان رأس النظام يبتذل الدمار الذي تسبب به، فلماذا نستغرب أن يقدم منتجون صينيون وإماراتيون على ذلك أيضاً؟ 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني