استفتاء تونس: انقسامات وملامح دكتاتورية

لم تستطع المعارضة التونسية صياغة خطاب موحد يواجه خطورة المشروع الاستبدادي لقيس سعيد. ظلت مترددة، حائرة، غير قادرة على التجمع حول استراتيجية واضحة لاقتراح بديل يخرج البلاد من ثنائية قاتلة: إما التصويت لدكتاتورية قيس سعيد أو العودة لمنظومة الاخوان الفاسدة.

في محاولة يائسة حاول ممثلو وممثلات المجتمع المدني المعارض للرئيس التونسي قيس سعيد النزول يوم 22 يوليو/تموز إلى الشارع للتعبير عن رفضهم لمشروع الدستور المعروض للاستفتاء الشعبي. 

تجمعوا أمام المسرح البلدي في قلب شارع الحبيب بورقيبة، الذي أصبح منذ 14 يناير/كانون الثاني 2011 رمز الثورة، لاستعادة نفس ثوري أصبح يحتضر، بعد عشرية خراب صنعتها حركة النهضة الإخوانية وحلفائها عندما كانوا في الحكم حولت حلم الديمقراطية الى كابوس، ليُجهز بعدها قيس سعيد على ما تبقى منه باجراءاته الاستثنائية وبنص الدستور الجديد المعروض على الاستفتاء.

ردد المحتجون شعارات رافضة للدستور المقترح ولما سيكرسه من عودة للنظام الدكتاتوري بما أنه يضع كل السلطات في يد رئيس الدولة الذي لا يحاسبه أحد، وله وحده السلطة التقديرية فيما يخص اتخاذ اجراءات استثنائية في صورة الخطر الداهم، كما أنه حوّل السلطات التشريعية والقضائية إلى مجرد”وظائف” لا يمكنها مسائلة الرئيس بأي شكل من الأشكال. 

دستور يكرس أيضا عدم الفصل بين الدين والدولة بما أنه يؤسس للدولة الحاكمة التي تنفرد “بتحقيق مقاصد الإسلام في  الحفاظ على “النفس والعرض والمال والدين والحرية”، كما أن النص وإن احتوى على ضمان الحريات، فإنه من جهة أخرى قيد ممارستها بما يسمح به القانون وهو ما يفتح الباب لكل أنواع القمع فيما بعد.

حاول ممثلو وممثلات المجتمع المدني أن يمشوا في شارع الثورة كما في الماضي ليصدحوا بأصواتهم ضد “الدكتاتور الجديد” الذي باسم إزاحة منظومة حكم الإسلاميين الفاشلة، استولى على السلطة وأقصى منها الجميع: أحزاب وجمعيات وكل القوى الحية في البلاد.

ظنوا أن الطريق سالكة نحو وزارة الداخلية البعيدة بضعة أمتار، هناك حيث تجمعوا ذات 14 يناير/ كانون الثاني 2011 وأسقطوا دكتاتورية بن علي. ولكن هيهات، فاليوم لم يعد كالأمس، حيث سُدّت أمامهم سبل التقدم من قبل نفس البوليس الذي كان قبل أحد عشرة سنة يٌنكّل بالمعارضين وأصحاب الكلمة الحرة. حاول المتظاهرون اقتحام الحاجز الحديدي الذي وضعه أمامهم رجال الأمن وقد كانوا في كامل الاستعداد لقمعهم. حدث تدافع من الجهتين لينتهي باستعمال الغاز المسيل للدموع قبل أن يبدأ استعراض القوة وضرب المتظاهرين وسحلهم في مشهد عنيف يذكرنا بأعتى لحظات حكم  الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. سرعان ما بدأت الإيقافات وشرع المتظاهرون يحتسبون عدد المصابين والموقوفين في صفوفهم.

كان هناك إحساس عارم بالمرارة والإحباط وكأن قمع المظاهرة أعطاهم فكرة عما سيكون عليه الجو العام في البلاد من هنا فصاعدا، تحديدا بعد أن يمر دستور قيس سعيد الذي خطه وحيدا على قياسه وقياس أحلامه، بعد التصويت عليه “بنعم”  في استفتاء 25 يوليو/تموز وهو متوقع.

تقول إيناس ميعادي، ناشطة سياسية وحقوقية وهي جالسة على حافة شارع بورقيبة، حاملة لافتة كُتب عليها “رحلتي من ديكتاتورية الإخوان إلى الدكتاتورية الإخشيدية”: “بهذا الدستور الذي دعا الشعب للإستفتاء عليه، فإن قيس سعيد يُؤبّد طريق الدكتاتورية. وهذا الشارع، شارع بورقيبة، سيكون شاهدا كما في السابق، على التعامل العنيف للبوليس مع المتظاهرين وعلى أن منظومة القمع لم تتغير.”

من جهته اعتبر النائب السابق في البرلمان، نبيل الحاجي الذي كان حاضرا في المظاهرة، أن” ما حصل هو عينة عما ينتظرنا بعد الإستفتاء، أي أن أي صوت يقول “لا” لقيس سعيد يجب قمعه والاعتداء عليه”.

إقرأوا أيضاً:

غياب استراتيجية موحّدة

من الواضح أن المجتمع المدني والقوى الحية في البلاد تجني اليوم ثمار تخاذلها و انقساماتها الداخلية التي حالت دون التصدي للمشروع الاحتوائي لقيس سعيد. فرغم وعيها بفحوى هذا المشروع منذ انقلاب رئيس الدولة على منظومة الحكم السابقة في 25 يوليو/تموز 2021 واستحواذه على كل السلطات بمقتضى الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها متجاوزا ما جاء به دستور 2014. لم تستطع المعارضة التونسية صياغة خطاب موحد يواجه خطورة المشروع الاستبدادي لقيس سعيد. ظلت مترددة، حائرة، غير قادرة على التجمع حول استراتيجية واضحة لاقتراح بديل يخرج البلاد من ثنائية قاتلة: إما التصويت لدكتاتورية قيس سعيد أو العودة لمنظومة الاخوان الفاسدة.

كان هناك أمل كبير في قدرة الاتحاد العام التونسي للشغل على تعديل ميزان القوى الذي فرضه الرئيس بسياسته التوسعية والاستحواذية على كل السلطات ولكن مواقف الاتحاد تميزت في العديد من المرات بالتذبذب والتردد. ورغم انتقاده الشديد لمشروع الدستور، إلا أنه لم يأخذ موقفا صريحا بمقاطعة الاستفتاء أو بالتصويت “بلا” ضد النص المقترح وإنما ترك حرية الاختيار لمنخرطيه للتصويت بنعم أم لا. هذا يعكس عمق الانقسامات داخله بين المؤيدين لمشروع الرئيس والمعارضين له. نفس الانقسامات حصلت داخل منظمات عريقة أخرى على شاكلة الرابطة التونسية لحقوق الانسان، ما أضعف مواقف هذه المنظمات أمام سياسة سعيد.

هذا العجز على توحيد المواقف أمام “الخطر الداهم”، فتح المجال واسعا أمام رئيس الدولة ليبني مشروعه الجديد في أريحية كاملة وتسبّب في تعميق القطيعة بين النخبة السياسية والجمعياتية وبقية الشعب الذي يساند في جزء كبير مشروع الرئيس، معتبرا إياه الخيار الوحيد لعدم العودة الى الوراء أي إلى منظومة الإخوان. قطيعة باتت تزداد قوة يوما بعد يوم إلى حد وصل إلى تخوين النخبة واعتبارها متواطئة مع حركة النهضة وأنصارها.

ومع تضاؤل الأمل في إيقاف مرور نص الدستور الجديد، يبقى العزاء الوحيد هو نجاح الاستفتاء بنتيجة ضئيلة حيث يُتوقع أن تكون نسبة المشاركة ضعيفة، فالشعب التونسي في أغلبه لا يكترث كثيرا بالاستفتاء بقدر ما هو منشغل بالارتفاع في أسعار المواد الأساسية وفقدان العديد منها في السوق كالسكر والزيت والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تجلت في ارتفاع نسبة التضخم الى ما يقارب ال 8٪؜. 

الأرجح أن التونسيين ممن سيتوجهون الى صناديق الاقتراع سيصوتون على شخص قيس سعيد وليس على مشروعه.

الى جانب ذلك، فإن توقيت الاستفتاء يُعتبر سيئا بالنسبة للتونسيين بسبب ارتفاع درجات الحرارة وانصراف اهتمامهم في هذا الوقت من السنة الى مشاغل أخرى منها العطلة الصيفية والأعراس والمناسبات العائلية. يضاف الى كل ما سبق عنصر مهم وهو أن الكثير من الشعب التونسي لا يدرك معنى هذا الاستفتاء ولم يطٌلع حتى على محتوى الدستور الجديد. 

الأرجح أن التونسيين ممن سيتوجهون الى صناديق الاقتراع سيصوتون على شخص قيس سعيد وليس على مشروعه.

من المرجح كذلك أن تكون نسبة الإقبال على التصويت ضئيلة. وقد بينت النسب الأولى للتصويت للتونسيين في الخارج أنها تتراوح ما بين 1و4٪؜ حسب ما أعلنته هيئة الانتخابات. هذا يرجح فرضية الاقبال الضعيف كما حصل من قبل في الاستشارة الوطنية التي نظمها قيس سعيد في بداية السنة حول مستقبل البلاد ولم يشارك فيها سوى 533 ألف شخص. ورغم ذلك اعتبرها رئيس الدولة ناجحة. ولا عجب أن يتكرر نفس الشيء مع نتائج الاستفتاء وربما لذلك استبق رئيس الدولة هذه الوضعية، فلم يضع عتبة لنجاح الاستفتاء. ولكن مرور نص الدستور بنتيجة ضعيفة سيكون له تداعيات سلبية عميقة في المرحلة القادمة، حيث يرى الملاحظون أن ذلك سيتسبب في مزيد تعقيد المشهد السياسي واحتقان الوضع، إذ لن يكون بإمكان قيس سعيد أن يواصل تعنته وتجاهله للقوى السياسية والمنظمات الوطنية وللنخب رافضا أي حوار معها، كما هو الحال الان.

وفي انتظار أن تعلن نتائج استفتاء 25 يوليو/تموز، تبقى المرحلة القادمة مفتوحة على كل الاحتمالات، فمن المتوقع أن استبداد قيس سعيد بالسلطة وإقصائه للأحزاب ولكل النخب السياسية سيحفزها شيئا فشيئا لتوحيد قواها وتنظيم معارضة قوية ضده. ومع عودة الأساليب القمعية، فإن التصادم حاصل لا محالة. من جهة أخرى، لا يجب نسيان العنصر الاقتصادي، فمع تراكم ديون تونس وعدم قدرتها إلى حد الآن للوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد  من أجل تغطية العجز في الميزانية، فإن الأمل في الخروج من الأزمة يبدو ضعيفا، حيث قد تتعرض قريبا الى هزات اجتماعية وشعبية قد تهدد استقرارها وأمنها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني