“إرتجالات” الأمن العام اللبناني: جوازات السفر لزوار المراقد لا للطلاب

علينا أن نتحمّل "قرف" السياسيين، بلا تذمّر. أو يمكن لمن يرغب، أو يجد في نفسه "الكفاءة" والقدرة المادية والرجاء الإيماني الكافي، أن يلجأ إلى المراقد المقدّسة في العراق، وربما التضرّع إلى الإمام علي بن أبي طالب، صاحب قول فصل يلخّص هذه المهزلة: "ليس بلدٌ بأحقّ بك من بلد، خير البلاد ما حملك"!

لو قررت وزارة السياحة العراقية أن تنظّم حملة اعلانية للسياحة الدينية في العراق، وتخصص لها ملايين الدولارات، لن يكون بمقدورها الإتيان بمفعول ما قام به الأمن العام اللبناني من خدمة “مجانية” (؟) لقطاع السياحة الدينية في العراق. وليس خافياً على أحد أن مرتكزات هذا القطاع تستند إلى مراقد الأئمة الشيعة وأبرزهم علي بن ابي طالب المدفون في مدينة النجف، وابنه الحسين بن علي المدفون في مدينة كربلاء. وهذين المرقدين يحجّ إليهما ملايين “الزوّار” سنوياً، وهذا العام قد يزداد العدد بشكل لافت بعد قرار الأمن العام اللبناني تجديد جوازات السفر، استثنائياً، للراغبين بزيارة العتبات المقدّسة في العراق. نقول “استثنائياً”، لأن الأمن العام اللبناني يضع شروطاً تعجيزية على اللبنانيين لتجديد جوازات سفرهم، أو استصدار جوازات جديدة. وهذه الشروط تبدو، بعد هذا قرار منح جوازات استثنائية لزوار العتبات، استنسابية وتمييزية، وتخضع لمزاجية المدير العام السياسية وأهوائه الطائفية، في خطوة تنزع عن الجهاز مؤسساتية واحترافيته وباقي “معزوفة” المناقبية التي يحاول القيّمون عليه عزفها وترويجها.  

يميّز القرار بين لبناني وآخر، في انتهاك جسيم للدستور اللبناني الذي ينصّ في الفقرة “ج” من مقدمته على أن “لبنان جمهوریة تقوم… على العدالة الاجتماعیة والمساواة في الحقوق والواجبات بین جمیع المواطنین دون تمایز أو تفضیل”. بهذا الوضوح. “دون تمايز أو تفضيل”. غير قابلة للتأويل ولا يكتنفها أي غموض. لكن الجهاز المنوط به، بحسب “القواعد السلوكية” المنشورة على صفحته الالكترونية باللغة الانجليزية، والموقّعة من مديره العام عباس ابراهيم، “عدم التمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين أو اللغة أو الجنس أو الرأي السياسي أو الأصل القومي، أو أي أسباب أخرى”، يمارس عبر قراره الغريب هذا، فضلاً عن تقصيره في تأمين حق اللبنانيين بالحصول على جوازات سفر، كحقّ انساني طبيعي، تمييزاً خطيراً على مستوى تقديم استثناءات لطائفة دون غيرها، فيما تضيع على مئات الطلاب، الذين قُبلوا في جامعات مرموقة، فرص اكمال دروسهم في الخارج وتأمين مستقبلهم، بسبب أزمة الجوازات.

وقد يحلو لـ”ظريف” أن يقول، رداً على هذا الإتهام، أن قرار الأمن العام لم يحدد طائفة بعينها، وأنه يسمح، تقنياً، للراغبين من طوائف أخرى، كالمسيحيين والسنّة والدروز وربما أيضاً ابناء الطائفة الاسرائيلية، بزيارة الأماكن المقدسة في العراق، لكننا نعلم جميعاً أن هذا سيكون مزاحاً سمجاً، يعرف قائله انه لا يمتّ إلى الواقع بصلة. وهو مطروح للتذاكي والتظارف في ظروف لا تحتمل المزاح. فمسيحيو العراق يهاجرون ويعانون من التهميش والتضييق وتعرضوا سابقاً لمجازر في بلادهم أرغمتهم على تركها. وأوضاعهم لا تزال مزرية، حتى بعد زيارة البابا فرنسيس إلى بلادهم في العام الماضي، وصلاته في مدينة “أور”، مكان ولادة النبي ابراهيم، الذي تنسب إليه الديانات الإبراهيمية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام. وكثير من اللبنانيين المسيحيين مثلاً، لو خيّروا أن يُمنحوا استثناءً لتجديد جوازات سفرهم، فإن آخر خياراتهم سيكون العراق، فيما قد يكون الفاتيكان مثلاً، مقصداً اساسياً، أو “المغطس” في نهر الأردن، أو حتى كنيسة المهد في بيت لحم. والأكيد ان العراق ليس وجهة أساسية لأبناء الطائفة السنية، في سياحتهم الدينية، بينما تتصدّر السعودية الوجهة الدينية التي يقصدها اللبنانيون السنة(والشيعة طبعاً) لأداء مناسك الحجّ أو العمرة. بينما تتوزع الأماكن المقدسة للدروز بين لبنان وفلسطين وسوريا والأردن. ولا يشكّل العراق مقصداً لهؤلاء. أما أبناء الطائفة الاسرائيلية، فأولئك اختفوا قبل ان يشهدوا اختفاء جوازات سفرهم، وتشتتوا في بقاع الأرض خوفاً من الاضطهاد، قبل أن تضطهد المنظومة جميع مكوّناتها. 

إذاً فالقرار واضح لجهة انه استثناء تستفيد منه فئة لبنانية واحدة دون غيرها. وتبرير الأمن العام للقرار، جاء أقبح من القرار نفسه، اذ تناقلت وسائل إعلام لبنانية توضيحاً صادراً عن “مصدر مسؤول” في الأمن العام، مفاده ان “اللواء ابراهيم وخلال زيارته الأخيرة إلى بغداد في ٢٠ الجاري(تموز/يوليو)، حصل، وفي شكل إستثنائي، على موافقة من رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي على إدخال لبنانيين إلى العراق بجوازات سفر مجددة يدويا تستخدم فقط لمرة واحدة من أجل زيارة الأماكن المقدسة حصرا في العراق، ولا يمكن استخدامها للسياحة أو للعمل أو للسفر إلى بلدان أخرى”. 

دعوني أترجم: القرار أشبه بالسماح لمجموعة من السجناء في معتقل، دون غيرهم، بالخروج إلى فسحة الشمس، فيما يُبقي القرار على باقي “السجناء” في زنازينهم. وهذا التمييز يكسر منطق “ظلم في السوية، عدل في الرعية”، إذ باتت المنظومة، بمؤسساتها الرسمية، تميّز في ظلمها واضطهادها للمكونات اللبنانية، وتعطي استثناءات لمكوّن على حساب المكونات الأخرى، وبلا حساب لا لمنطق قانون ولا دستور ولا حتى “المبادئ الأساسية لمعاملة السجناء” إذا أردنا ان نتمادى في التشبيه الذي ضربناه. 

نحن، على أقلّ تقدير، إذا استبعدنا سوء النوايا، إزاء ارتجالات طائشة، لمحاولات ترقيع حلول لأزمة غير مفهومة، ولم يقدّم بعد أحد من المسؤولين عنها أي تفسير منطقي لما يحدث في حق شعب كامل، معاقب بمنعه من السفر. فيما مدير عام الأمن العام يقول في افتتاح ناد لكبار السنّ في إحدى البلدات اللبنانية إن “11 %  من سكان لبنان حالياً، هم من كبار السن، وهذا إحصاء مقلق، ودليل على أن الشباب قد هاجر، على الرغم من أننا لا نعطيهم جوازات سفر”. وربما هنا يكمن بيت القصيد: الهجرة ممنوعة، مع أن سببها “جميعنا نعرفه” كما يقول ابراهيم في الخطاب نفسه، “وهو الوضع الإقتصادي والمالي، الذي يمر به البلد، إضافة إلى الوضع السياسي المقرف”. 

علينا إذاً أن نتحمّل “قرف” السياسيين، بلا تذمّر. أو يمكن لمن يرغب، أو يجد في نفسه “الكفاءة” والقدرة المادية والرجاء الإيماني الكافي، أن يلجأ إلى المراقد المقدّسة في العراق، وربما التضرّع إلى الإمام علي بن أبي طالب، صاحب قول فصل يلخّص هذه المهزلة: “ليس بلدٌ بأحقّ بك من بلد، خير البلاد ما حملك”! 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
نادية مبروك
“غسّلت أبنائي الثلاثة فمن يُغسّلني؟”… قد تجد كنيسة القديس أبو سيفين متبرعين من أثرياء الأقباط في مصر لإعادة ترميمها وتأمينها لكن مئات الكنائس -المقننة وغير المقننة- في مصر تبقى مسرحاً محتملاً لحرائق تلتهم ضحايا أبرياء في كل موسم صلاة أو صوم.
Play Video
نشرت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية في 28 تموز/ يوليو الماضي افتتاحية لمقال بعنوان “لماذا النساء أكثر بدانة من الرجال في العالم العربي”، يتحدث عن بدانة النساء في الشرق الأوسط مرفقاً بصورة الفنانة العراقية إيناس طالب، من دون استئذانها، ضارباً تقارير المسح الخاصة عن البدانة في العالم الصادرة عن المؤسسات الصحية العالمية عرض الحائط، ما أحدث تبايناً في الآراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي العربية والغربية، إذ اعتبر كثيرون استخدام صورة إيناس جزءاً من خطاب مزوجيني معاد للنساء.

3:08

Play Video
على مدى ٣٣ عاماً خاض الكاتب سلمان رشدي الكثير من النقاشات العلنية حول كتابه “آيات شيطانية” وحدود حرية التعبير خصوصاً بعد فتوى هدر الدم التي عاش بموجبها سنوات طويلة في الخفاء والخوف حتى لحظة تعرضه لمحاولة قتل قبل يومين. رشدي دافع بشراسة عن حرية التعبير وهنا في هذا الفيديو وفي لقاء مفتوح له في العام 2018 يقول، “يقع الناس في فخ تصديق أنه من المحق الحدّ من حرية التعبير … إذا سلكنا هذا الطريق لن يتمكن أحد من التحدث بتاتاً”

2:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني