اعتقال جعفر بناهي… نهاية مقامرة الإصلاحيين ورهان صقور خامنئي

تكاد صناعة السينما التي وصفها الإمام الخميني، المرشد الإيراني الأول ومؤسس الجمهورية الإسلامية، بأنًها "أسّ الرذيلة والفحش"، تقف على أرض غير صلبة. وإثر ذلك تعرضت قرابة 180 دار سينما من أصل 451 منتشرة في أنحاء إيران، إلى الحرق أو التدمير أو الإغلاق.

في فيلمه: “تاكسي”، خاض المخرج الإيراني، جعفر بناهي، والذي قام بأداء دور السائق، رحلة اختلطت فيها المشاهد التمثيلية بالوثائقية للعبور على تفاصيل المدينة المتخيّلة في إيران وحياة البشر فيها. 

المشاهد الممتدة على مدار ساعة ونصف الساعة وجمعت شخصيات واقعية (منها الحقوقية الإيرانية المعتقلة نسرين ستودة)، عمدت إلى إعادة تكوين الأجزاء المتباعدة، واسترداد الهامش أو بالأحرى ترميم المساحات المتآكلة، بفعل الملاحقة والقمع، من خلال أحاديث عفوية حول قضايا حقوقية، مثل عقوبة الإعدام، وكذا خيارات الأفراد السياسية والدينية. وكلها نقاشات تدور بين الركاب في انتظار الوصول لأهدافهم، بينما لا يشعر أيّ منهم بالخوف والمراقبة. 

بناهي الذي نجح في تسجيل فيلمه، بشكل سري، نتيجة القيود الأمنية المفروضة عليه بعد وضعه تحت الإقامة الجبرية، ومنعه من ممارسة نشاطه الفني السينمائي، وقد نجح في الإفلات من عقوبة السجن لمدة ستة أعوام، قبل أكثر من عقد من الزمان، سقط في مصائد العقاب الجاهزة والفورية، الآن. 

الحكم الذي نفذته السلطات الإيرانية بحق المخرج الإيراني المعارض، يعود لعام 2010، بتهمة “الدعاية ضد النظام”. وذلك إثر تأييده الحركة الخضراء التي تفجرت على خلفية رفض تزوير الانتخابات لحساب محمود أحمدي نجاد. 

الحكم ضد المخرج جعفر بناهي يكشف عن لحظة قطيعة جديدة ومريرة مع صناع السينما، الذين لم تعد بمقدورهم الاستفادة من مرونة وبراغماتية أحد أطراف النظام، بعد هيمنة الحرس الثوري، والجناح الراديكالي القريب من المرشد الإيراني (علي خامنئي) على مفاصل الدولة، وقطاعاته المختلفة، وتصفية أي وجود للتيار الإصلاحي.

ووفق المتحدث باسم السلطة القضائية، مسعود ستايشي، فإنّ “بناهي حكم عليه عام 2010 بالسجن ست سنوات (…) وعليه تمّ إدخاله مركز الاحتجاز (السجن) في إوين (بطهران) لقضاء هذه العقوبة”.

فيما قالت وكالة “مهر” الإيرانية، إنّه “تمّ توقيف جعفر بناهي أثناء حضوره الى النيابة العامة في طهران لمتابعة ملف مخرج آخر هو محمد رسول آف الذي تم توقيفه وزميله مصطفى آل أحمد بدعوى “الإخلال بالنظام العام”. وبذلك يرتفع عدد المخرجين المعتقلين إلى ثلاثة أشخاص دفعة واحدة. 

وشددت وزارة الخارجية الفرنسية على ضرورة “الإفراج الفوري” عن المخرجين الثلاثة. في حين تجاهلت السلطات الإيرانية المطالبات التي وجهتها مهرجانات برلين وكانّ والبندقية ولوكارنو، للإفراج عنهم. كما أدانت “رابطة الكتاب الإيرانيين”، والخارجية الأميركية اعتقال محمد رسولوف وجعفر بناهي ومصطفى آل أحمد.

واعتبرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الأميركية أن ما حدث جولة جديدة من قمع المعارضة السلمية واعتقال منتقديها البارزين. 

صاحب “ثلاثة وجوه”، والذي حاز فيلمه الأخير، عام 2018، جائزة أفضل سيناريو في مهرجان “كانّ”، يواجه مصيراً معتماً يماثل في دقته السيناريو التخييلي الذي قام عليه فيلم: “انطلق للطريق”، من إخراج ابنه المخرج الشاب بناه بناهي. 

وفي ما يبدو أنّ الطريق الذي كان في قلب المدينة، وتجول الأب في تفاصيله وأجزائه وعوالمه، الخفية والمعلنة، بواسطة شخصيات تحمل مواقف وأفكار متفاوتة، تحول في الفيلم الأخير إلى طريق صحراوي يقود أسرة واحدة إلى اللاهدف والمجهول الصعب. هذا المجهول الذي اضطر أسرة كاملة إلى الوصول عند نقطة غامضة لتسليم ابنها للمهربين بعدما باعت كل ما لديها، بينما تصرخ الأم: “إلى أين تأخذون ابني؟”.

المفارقة أنّ الفيلم الأخير الذي صور مشهد النهاية بينما حركة الكاميرا تبرز علامات الشيخوخة على سطح الأرض بفعل الجفاف المتغلغل في ثناياه، قد استبق برمزيته الواقع الذي قاد اثنين من المخرجين للاعتقال بعد مساندتهما احتجاجات كارثة انهيار مبنى “متروبول” في آبادان بمحافظة خوزستان، جنوب غرب طهران، والتي قضى فيها حوالى 43 شخصاً.

إقرأوا أيضاً:

إذًا، تكاد صناعة السينما التي وصفها الإمام الخميني، المرشد الإيراني الأول ومؤسس الجمهورية الإسلامية، بأنًها “أسّ الرذيلة والفحش”، تقف على أرض غير صلبة. وإثر ذلك تعرضت قرابة 180 دار سينما من أصل 451 منتشرة في أنحاء إيران، إلى الحرق أو التدمير أو الإغلاق. وعاود الخميني الحديث عن السينما، بنبرة مخففة، معتبراً إياها “من رموز الحداثة” التي تبنغي “أسلمتها”، بعد أن تخضع للتطهير والتنقية والتهذيب حتى تصير ضمن الأدوات التي تحمل القيم السياسية والأيدولوجية لنظام “الولي الفقيه”.

الحمولة الأيدولوجية ذاتها، عبّر عنها خطيب مكتب المرشد الإيراني، علي رضا بناهيان، نهاية حزيران/ يونيو 2022، والذي قال إنّه “يجب أن نفعل شيئاً بحيث إنّ أيّ مخرج ينتج فيلماً يأخذ المسائل من الحوزة الدينية”. 

موقف الخميني فتح المجال لما عرف لاحقاً بـ”سينما الدفاع المقدس”، والتي تشكلت في ظل الحرب العراقية الإيرانية. وتعمق النظام في صناعة أفلام تعبر عن مصالحه وأهدافه. بل وتقوم بالترويج والدعاية لانحيازاته وسياساته، سواء المحلية أو الإقليمية. مع الوضع في الاعتبار أنّ صناعة الأفلام التمجيدية للموقف الحربي والعسكري للحرس الثوري خفت وطأتها مع أواخر الثمانينات بالتزامن مع انتهاء الحرب. وامتد ذلك الموقف بداية من حكومة علي هاشم رفسنجاني وحتى محمد خاتمي، عام 1997.

ومع الهيمنة القصوى للحرس الثوري على الدولة، تحديداً بعد صعود الرئيس إبراهيم رئيسي، وحيث باتت أجهزتها في دائرة نفوذ المتشددين، فإنّ القبضة الخشنة امتدت للسينما وقد انتبه النظام لأهميتها إبان احتجاجات الحركة الخضراء، عام 2009. 

واللافت أنّ الأفلام التي أنتجها “الحرس” عاودت التمجيد في أنشطته العسكرية بالخارج، وتأييد مواقفه الإقليمية، مثل انخراطه في الصراع في سوريا، بدعوى حماية الأضرحة الشيعية والعتبات المقدسة، كما هو الحال في فيلم “بتوقيت الشام”. 

عرجت أفلام أخرى على توبيخ وانتقاد إدارة الإصلاحيين السياسية، وفترة حكم الرئيس حسن روحاني، كما في فيلم “الحارس الشخصي”، من إنتاج منظمة “أوج” التي تأسست، عام 2011، بغرض تمويل أفلام السينما.

ويقول المتحدث باسم مؤسسة “أوج” الثقافية التابعة للحرس الثوري الإيراني، محمد زوغي: “لسنا من أعضاء الحرس الثوري لكننا مهتمون بالمساعدة في توفير أسباب حماية الثورة. جزء من ميزانيتنا يأتي من الحرس لكن الأهم من الأموال هي أفكارنا ومسؤولونا الشباب. نحن نعبر عن صوت الناس، ونعرض مشكلاتهم ونتابع متطلباتهم ونزودهم بالأمل”.

لا تعدو عملية الإدارة السياسية للثقافة والفن، في إيران، كونها أمراً جديداً أو مباغتاً. منذ اللحظات الأولى لصعود الملالي للحكم تمّ تدشين جدار ثقافي للاحتماء خلفه، وإعادة تكوين العالم من خلال جيل جديد من الولائيين. جيل مؤدلج يوطد مكانة “الثورة”، ويحقق أغراض الحكم “الإسلامي”، وكذا مهماته الثقافية والسياسية والعسكرية. 

في مقابلتين بثهما التلفزيون الرسمي الإيراني، قبل عام، ذكر وزير الاستخبارات والأمن القومي الإيراني، محمود علوي، ورئيس منظمة “أوج”، محمد حساني، أنّ عدداً كبيراً من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التي أنتجت في إيران كانت بتوجيه وتمويل مباشر من قوات الأمن. وألمح إلى أنّ قيادات مهمة، مثل الجنرال قاسم سليماني، كانت ضلعاً رئيسياً في عملية الإنتاج.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
نادية مبروك
“غسّلت أبنائي الثلاثة فمن يُغسّلني؟”… قد تجد كنيسة القديس أبو سيفين متبرعين من أثرياء الأقباط في مصر لإعادة ترميمها وتأمينها لكن مئات الكنائس -المقننة وغير المقننة- في مصر تبقى مسرحاً محتملاً لحرائق تلتهم ضحايا أبرياء في كل موسم صلاة أو صوم.
Play Video
نشرت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية في 28 تموز/ يوليو الماضي افتتاحية لمقال بعنوان “لماذا النساء أكثر بدانة من الرجال في العالم العربي”، يتحدث عن بدانة النساء في الشرق الأوسط مرفقاً بصورة الفنانة العراقية إيناس طالب، من دون استئذانها، ضارباً تقارير المسح الخاصة عن البدانة في العالم الصادرة عن المؤسسات الصحية العالمية عرض الحائط، ما أحدث تبايناً في الآراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي العربية والغربية، إذ اعتبر كثيرون استخدام صورة إيناس جزءاً من خطاب مزوجيني معاد للنساء.

3:08

Play Video
على مدى ٣٣ عاماً خاض الكاتب سلمان رشدي الكثير من النقاشات العلنية حول كتابه “آيات شيطانية” وحدود حرية التعبير خصوصاً بعد فتوى هدر الدم التي عاش بموجبها سنوات طويلة في الخفاء والخوف حتى لحظة تعرضه لمحاولة قتل قبل يومين. رشدي دافع بشراسة عن حرية التعبير وهنا في هذا الفيديو وفي لقاء مفتوح له في العام 2018 يقول، “يقع الناس في فخ تصديق أنه من المحق الحدّ من حرية التعبير … إذا سلكنا هذا الطريق لن يتمكن أحد من التحدث بتاتاً”

2:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني