كيف منعت الرقابة العسكرية الإسرائيلية
كشف جريمة ضد جنود مصريين في حرب 1967؟

يوليو 20, 2022
" إذا لم تكن هناك إمكانية لإعادة الجثث إلى وطنهم، فتجب على الأقل إقامة نصب تذكاري لهم".

في نهاية حرب الأيام الستة عام 1967، أُعدت صفحتان من العدد رقم 60 من نشرة “كيبوتس نحشون”، وهي مستوطنة زراعية تعاونية، تُوزع على أعضاء المستوطنة. وبعد طبع نسخ من النشرة، قرر شخص مجهول إسكات التحفظات التي كانت لدى الأعضاء في ما يتعلق بأراضي القرى الفلسطينية المجاورة التي فر سكانها أو طُردوا منها، وقد دمرت منازلهم بالكامل. تقول مذكرة مرفقة بنسخة موجودة غير خاضعة للرقابة من النشرة: “لقد تقرر عدم نشر المناقشات التي دارت بيننا على الملأ”.

لم تكن مسألة ما إذا كانت تنبغي زراعة الأراضي المجاورة التي لا يملكها أحد الآن هي المعضلة الأخلاقية الوحيدة التي أزعجت أعضاء المستوطنة في صيف 1967. فقد كانت هناك مسألة شائكة أخرى، وهي ما يجب فعله حيال المقبرة الجماعية الكبيرة للقوات المصرية التي تم حفرها آنذاك في الحقول التي كان يرعاها أعضاء مستوطنة “نحشون” لكنها لم تكن تابعة لها.

قلة من أعضاء المستوطنة على استعداد للحديث عن هذا الموضوع اليوم. فضلاً عن أنه ليس من الواضح عدد الذين يعرفون القصة بأكملها. في الواقع، تظهر المقابلات التي أجرتها صحيفة “هآرتس” ومعهد “أكيفوت” لأبحاث الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، في الأسابيع الأخيرة أنه حتى الأشخاص الذين يشغلون مناصب على أعلى المستويات في الحكومة والجيش الإسرائيلي لم يكونوا على دراية بجسامة هذه القصة- وبخاصة بسبب الرقابة الشاملة التي دامت عقوداً. في حين رفض آخرون، ممن كانوا على علم بما حدث، الحديث حول هذا الموضوع علناً بشكل رسمي.

ولكن الآن بات سرد القصة ممكناً: فقد دفن العشرات من القوات الخاصة “الكوماندوز” المصريين الذين قتلوا في حرب 1967 متراصين جنباً إلى جنب في أراضي المستوطنة. ولا تزال رفاتهم موجودة هناك، على ما يبدو أسفل منطقة كانت تُستغل منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ضمن المتنزه السياحي الشعبي “ميني إسرائيل”، وهي منطقة جذب سياحي.

كان أول من خرق مؤامرة الصمت هو عضو “كيبوتس نحشون”، دان مائير، الذي تحدث مع وسائل الإعلام عن هذه القصة في التسعينات. غير أن الرقابة العسكرية، وهي وحدة في شعبة الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي، لم تسمح بنشر هذه المعلومات. قال مائير في مقابلة أجريت معه آنذاك، “أعلم أن هذه المعلومات مروعة”. مضيفاً، “ليس من الصواب أنهم ما زالوا مدفونين هناك وأننا حولنا قطع الأرض إلى منطقة زراعية كاملة. هذه القصة تزعجني وتطاردني. لقد مر ما يقرب من 30 عاماً [منذ عام 1967] وأشعر بالحاجة إلى إزاحة هذا العبء عن كاهلي. أود أن تعود جثث الجنود المصريين إلى وطنهم”.

لم يكن مائير، الذي تُوفي منذ ذلك الحين، هو وحده من يؤمن بوجهة النظر هذه.

إقرأوا أيضاً:

يقع “كيبوتس نحشون” غرب مدينة القدس، بجوار ما كان يعتبر أرضاً محايدةً على الحدود بين إسرائيل والأردن، بعد حرب الاستقلال الإسرائيلية- وهي منطقة متاخمة للخط الأخضر. وتأسس من قبل أعضاء حركة شباب “هاشومير هاتزير” اليسارية عام 1950، بجوار دير اللطرون، الذي شُيد عام 1890 (وأصبح أرضاً محايدة). كانت هناك ثلاث قرى فلسطينية تقع بالقرب من الأراضي الأردنية حتى حرب الأيام الستة: وهي بيت نوبا ويالو وعِمواس؛ كانت قرية عِمواس هي الأقرب إلى الكيبوتس وإلى موقع المعركة القصيرة التي وقعت في المنطقة عام 1967. وقد وثقت الأحداث توثيقاً دقيقاً في سجلات الحرب. فعندما اندلعت الحرب، كانت قوة صغيرة من الفيلق الأردني متمركزة في جيب اللطرون. وانضمت إليها وحدة من القوات الخاصة “الكوماندوز” من الكتيبة 33 في الجيش المصري، وهي إحدى وحدات النخبة بالجيش المصري، وكانت تضم نحو 100 جندي.

خططت القوة المصرية للسيطرة على القواعد الجوية في اللد وتل نوف والرملة. وفي الجهة المقابلة، تمركزت قوات اللواء الرابع- قوات الدفاع الإقليمي- التابع للجيش الإسرائيلي، ووحدة صغيرة من لواء “ناحال” وقوة دفاعية تتألف من سكان المجتمعات اليهودية المحلية. في اليوم الأول من المعركة، الموافق 5 حزيران/ يونيو 1967، تبادل الجانبان إطلاق قذائف الهاون. وفي اليوم الثاني، أمر قائد اللواء الرابع، موشي يوتفات، بالاستيلاء على الجيب. وفي غضون ساعتين، سيطرت القوات على مركز شرطة اللطرون، وبعد ساعات قليلة أصبح وادي أَيَلُون المحيط بأكمله في قبضة الجيش الإسرائيلي.

المقدم (احتياط) زئيف بلوخ، وهو أحد مؤسسي “كيبوتس نحشون” والذي شغل منصب القائد الإقليمي في حرب 1967 وتم تعيينه لاحقاً حاكماً للخليل، أشار في مذكراته إلى أن وحدة الكوماندوز المصرية لم تكن منظمة بطريقة احترافية ولم يكن لديها خرائط حديثة. وكتب، “من المهم فهم عمق الارتباك والصدمة والخوف الذي سيطر عليهم”. وأضاف “في ظل غياب قيادة منظمة، لم يكن لديهم أي فكرة عن مكان وجودهم… والحقيقة هي أن قوات الكوماندوز كانوا هائمين في ميدان المعركة”.

وقع الاشتباك الأول مع المصريين في 6 حزيران. فقد اختبأ عناصر الكوماندوز في حقول الأشواك التي أحاطت بالمستوطنة. ولقي نحو 25 من هؤلاء الجنود مصرعهم جراء حريق اندلع في الحقول واستخدام قذائف الفوسفور، بينما كانت تطوقهم كتيبة مشاة إسرائيلية بقيادة المقدم يعقوب نيريا. وأسفر تبادل إطلاق النار في ذلك اليوم وفي اليوم التالي، عن ارتفاع أعداد القتلى من الجنود المصريين إلى حوالى 80 جندياً.

كتب الراهب جي خوري، من دير اللطرون، في مذكراته أن جثث الجنود المصريين كانت “متناثرة على طول الطريق”. وأسر الجيش الإسرائيلي عدداً قليلاً من الناجين، بينما تسلل البعض الآخر إلى قافلة اللاجئين الضخمة التي غادرت القرى الفلسطينية الثلاث المجاورة.

وبعد ظهر يوم 9 حزيران، بينما كان اللواء الرابع يتجه شرقاً لمواصلة القتال، في طريقه إلى بيت حورون، وصلت قوة صغيرة من جنود الجيش الإسرائيلي ترافقها جرافة، إلى قطعة الأرض رقم 5 من “كيبوتس نحشون” (الواقعة على الأراضي المحايدة- التي لا تتبع المستوطنة بالرغم من أنهم يزرعونها). وقد احترقت الأرض بالكامل في هذا الموقع في أعقاب الحريق الذي اندلع خلال الأيام الثلاثة السابقة. وحفرت الوحدة قبراً يبلغ طوله 20 متراً ودفنت فيه عدداً كبيراً من جثث الجنود المصريين؛ ولم يؤخذ منهم أي شيء يمكن أن يسهل تحديد هويتهم في المستقبل. وأحصى جندي إسرائيلي في الموقع حوالى 80 جثة. وانتشرت شائعة في الكيبوتس أن أحد أعضاء المستوطنة قد سرق ساعة من جثة أحد الجنود وظل يرتديها حتى يوم وفاته. وقال عضو آخر أنه أخذ تذكاراً من إحدى الجثث، بندقية كلاشنيكوف.

يحتوي كتيب نُشر بعد نحو عام من الحرب بعنوان “أيامنا الستة”، توجد نسخة منه في سجلات “كيبوتس نحشون”، على شهادات مروعة حول عملية الدفن العشوائية تلك. فقد كتب رامي يزرائيل، أحد أعضاء المستوطنة: “يبدو لي أنه بعد يومين من الحرب تم إرسالي بالفعل للعمل مع آشر لزراعة الأرض المحايدة… عندما مررت في طريقي إلى قطعة الأرض رقم 5، شممت رائحة كريهة تنبعث من المقبرة الجماعية الكبيرة للكوماندوز. وعندما لم أستطع مواصلة الطريق، لأنني شعرت بالدوار، قررت أن أتحقق من الأمر. وجدت ذراعين وساقين انفصلت عن أجساد الجنود المصريين، ربما بعد أن أصيبوا بالمتفجرات ونسفت إلى أشلاء صغيرة. دفنتهم في حفرة بمجرفة غير أن ذلك لم يساعد في إخفاء الرائحة، فقد كانت الرائحة الكريهة لا تزال تفوح في المكان. وعندما ذهبت إلى المقبرة الجماعية الكبيرة، أفزعني وجود نصف جثة ظاهرة على سطح الأرض، ودفنتها بسرعة”.

إقرأوا أيضاً:

اعترف مصدر عسكري أبدى اهتماماً لاحقاً بهذا الموضوع لصحيفة “هآرتس” بأنه هو الذي طالب بمنع نشر قصة هذه الواقعة طوال هذه السنين، لأن الكشف عنها، على حد قوله، “من شأنه أن يؤدي إلى إثارة غضب إقليمي في المنطقة”. في الواقع، في أوائل التسعينات، تم حظر تقرير كانت صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليومية تنوي نشره حول دفن العشرات من جنود القوات الخاصة “الكوماندوز” المصريين بأمر من الرقابة العسكرية. وفي المواد المتبقية من المقال، والذي استند إلى مقابلة أجريت مع عضو الكيبوتس دان مائير، يروي أنه في اليوم التالي للدفن، لاحظ وجود كومة ضخمة.

وقال، “لقد فوجئت بأن الجيش لم يسيج المقبرة ولم يضع حتى لافتة صغيرة عليها”. (على النقيض من ذلك، يقول عضو الكيبوتس إيلي فالج الآن، إن المقبرة تم تمييزها موقتاً بوساطة أنبوب كان مثبتاً في الأرض وكان يُمكن رؤيته لمدة عام أو عامين).

وأضاف يوسف شرايبر، وهو عضو آخر في مستوطنة نحشون توفي حينها، في المقال الذي حُظر من النشر، “إن بناء منتزه كندا على أراضي ثلاث قرى عربية تعرضت للهدم خلال الحرب وطُرد سكانها هو أكثر ضرراً على أعضاء المستوطنة. بيد أن قضية المقبرة الجماعية لم تزعجهم كثيراً”. إلا أن شرايبر لم يشعر بالحيرة بشأن ما يعتقد أنه يجب القيام به: “ليس لدي أدنى شك في أننا بحاجة إلى الاقتراب من قوات الدفاع الإسرائيلية ومحاولة إنهاء هذه المسألة. أعتقد أن على الجميع أن يفعلوا كل ما هو ممكن من أجل إعادة المصريين إلى وطنهم”.

وأعرب الراحل بنيامين ناور، وهو عضو آخر في الكيبوتس، عن مشاعر مماثلة نُقلت عنه في المقال غير المنشور. قائلاً “أنا على يقين من أنه إذا ما دُفن اليهود بهذه الطريقة، سنصرخ إلى أن يصل صراخنا إلى السماء. ربما كان على الجيش الإسرائيلي وضع علامة على المقبرة وإحاطتها بسور، لكن ذلك لم يحدث. فقد كانت هناك حرب، وأحياناً تحدث أمور مزعجة في الحرب. لا تنس أن المصريين جاؤوا إلى هنا لقتلنا… [لكن] على رغم من كل شيء، لا أستبعد احتمال وجود عائلات مصرية على الجانب الآخر لا تزال تعتقد أن رفات أبنائها ستعود”.

خلال حرب الأيام الستّة، وفي حرب الاستقلال (1947-1949)، دُفن المدنيون والمقاتلون الفلسطينيون المحليون، والجنود من الدول العربية الذين قتلوا في إسرائيل، حيثما سقطوا في أرض المعركة. ولم يتم وضع ترتيبات لتحديد مكان المفقودين خلال المعارك وتبادل الجثث بين الجانبين إلا بعد حرب يوم الغفران عام 1973. والواقع أنه لم تكن هناك مثل هذه التبادلات حتى عام 1974، وعلى هذا ظل أي جندي أجنبي عربي أو فلسطيني محلي قُتل منذ عام 1947 وحتى ذلك العام مدفوناً حيث قُتل.

وقد سادت أساليب مختلفة للدفن على مر السنين في كل موقع من مواقع المعارك. خلال حرب الاستقلال، كما هو مذكور، كثيراً ما دُفن السكان الفلسطينيون أو المقاتلون العرب في المكان الذي ماتوا فيه – أحياناً على أيدي أفراد قوات الهاجاناه، وبعد ذلك على يد القوات الإسرائيلية، أو من قبل الفلسطينيين الذين لم يفروا. وكانت عملية الدفن تتم في مقابر جماعية بدون أي علامات، وبجميع المقتنيات الشخصية التي تحدد الهوية. ولم يتمكن الصليب الأحمر الدولي من جمع الجثث إلا في حالات قليلة خلال تلك الحرب.

لا تشهد المقابر الجماعية بالضرورة على وجود تاريخ مظلم (على سبيل المثال، حدوث مذبحة) أو على محاولة لإخفاء الأمر والتستر عليه، بل تشهد على الحروب التي حصدت أرواح الضحايا. فقد كان لا بد من دفن القتلى، سواء كانوا مقاتلين سقطوا في ضواحي إحدى المستوطنات أو القرى الصغيرة أو المدن. وهناك في الواقع الكثير من المقابر الجماعية في إسرائيل يرجع تاريخها إلى حرب الاستقلال، مثل تلك المقبرة التي أثارت جدلاً واسعاً في الطنطورة، والتي كانت موضوع مقالة في صحيفة “هآرتس” في كانون الثاني/ يناير.

ثمة مصير مماثل ينتظر جثث “المتسللين”- وهو مصطلح استخدمته الدولة لوصف آلاف الفلسطينيين المنفيين الذين تسللوا إلى حدود البلاد في الخمسينات في محاولة للعودة إلى أراضيهم ومنازلهم. فقد أمرت وثيقة صدرت في كانون الأول/ ديسمبر 1949 حول هذا الموضوع، صاغها مقر القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي بالتعامل مع القتلى بإحدى طريقتين. إذا قُتل المتسللون في مناطق لا يعيش فيها أي من المواطنين العرب، “فإن قائد الدورية أو الكمين مسؤول عن دفن الجثث فوراً في الموقع الذي سقطوا فيه. ويجب دفن الجسد وتغطيته بالأرض”. أما في حال تمكن المتسللون من دخول منطقة المُثلّث- وهي منطقة جغرافية يقطنها عدد كبير من السكان العرب في وسط البلاد- “سيكون الحاكم العسكري مسؤولاً عن نقل الجثة من مكان القتل وإرسالها إلى سكان القرى العربية” لدفنها.

وقد أدلى يتزاك بونداك، قائد اللواء السادس، الذي كان متمركزاً في اللطرون في نهاية عام 1948، بشهادة في وقت لاحق بشأن الطريقة المروعة التي تم بها التعامل مع جثث المتسللين:

“ذات يوم استدعيت إلى الجبهة المركزية. في مكتب اللواء تسفي أيالون، وبحضور ضابط المخابرات بنيامين جبلي، وصدرت لي أوامر بتصفية جميع المتسللين الذين واجهتهم قواتنا، وترك الجثث في ميدان المعركة من قبيل الردع، وليكونوا عبرة لغيرهم… لقد كان أمراً غير تقليدي. لا أتذكر أي نقاش حصل قبل صدور هذا الأمر، ولم يصدر أي أمر مكتوب ينص على أن هذه هي الطريقة التي يجب أن نتصرف بها”.

“عندما سألت عن سبب عدم وجود أمر مكتوب، أكد اللواء وضابط المخابرات أنهما يتحدثان باسم رئيس الأركان. تدريجياً امتلأت الطرقات بالجثث المنتفخة. وبسبب حرارة الصيف فاحت منها روائح كريهة، وفي الليل كانوا فريسة للثعالب والطيور المفترسة. وميزت أسراب الذباب موقع الجثث. ووصلت الروائح الكريهة التي انتشرت في المنطقة إلى مواقعنا الأمامية وبدأ الجنود يعانون من الصداع والدوار والغثيان وصعوبات في التنفس”.

“أحد قادة الكتيبة، وهو عضو في الكتيبة 53 شارك في الدفاع عن (كيبوتس نغباه) وتكبدت سريته خسائر فادحة، أبدى اهتماماً بالأمر وطرح مبادرة. دون طلب إذن من قادته، زود جنوده بعبوات وقود وسكبوها على الجثث وأشعلوا النار فيها. ولساعات ظهرت النيران مشتعلة في قطاع الوحدة”.

ودفنت جثث جنود من دول عربية بالقرب من مكان قتلهم. فقد ذكرت وثيقة للجيش صدرت في شباط/ فبراير 1968 تناولت مسألة “تحديد أماكن القبور – قتلى العدو”: “لم يتم العمل على تحديد مواقع قبور قتلى العدو إلى قرب انتهاء حرب الأيام الستّة. وفي جميع الحالات، تم تحديد مكان سبعة قبور جماعية لقتلى العدو (العدد الإجمالي للقتلى غير معروف)، ولم تكن تشمل منطقة قتال اللواء 80”.

إقرأوا أيضاً:

لقد مرت السنون وتغيرت تربة “كيبوتس نحشون” أيضاً. وتم حفر المقبرة الجماعية الموصوفة هنا في قطعة الأرض رقم 5، بالقرب من ميدان المعركة الذي قُتل فيه عشرات المقاتلين حرقاً. وبعد الحرب، زرعت المحاصيل في الموقع، وعام 1983 زُرع بستان من أشجار اللوز هناك. وبعد ذلك استُبدل البستان بحقل قمح. وتوالت المحاصيل تزرع في هذا الموقع الواحد تلو الآخر، وحققت الكثير من الأرباح. وفي التسعينات، تقرر إعادة تقسيم الأراضي وإنشاء منطقة جذب سياحي عليها. وهكذا، منذ عام 2002، دمجت قطعة الأرض رقم 5 ضمن ممتلكات منتزه “ميني إسرائيل” المعروف.

كان زئيف بلوخ، وهو أحد الأشخاص العالمين بتاريخ الصراع، حاضراً عندما دُفن الجنود المصريون. عام 1968، كتب بإيجاز قائلاً، “بعد أسبوع من الحرب كنت لا أزال أجد جثثاً متناثرة على تلال اللطرون. وقد أُعطيت جرافة يدوية لدفن بعضهم- ودفن الرهبان البعض الآخر”.

وقبل أسابيع، نجح في العثور على المقبرة الجماعية، بعد توخي الحذر المطلوب، وتحديد موقعها على الأطراف الشرقية للمتنزه، بالقرب من الطريق السريع رقم 424، وذلك وفقاً لأفضل تقديراته. وقال، “دُفن الجنود في ما يعرف اليوم بحدود منتزه ميني إسرائيل، ليس بعيداً من الطريق الرئيسي”، وأوضح الموقع على الخريطة. في حين أكد أعضاء آخرون في الكيبوتس تفسيره.

لا يستطيع بلوخ أن يقول على وجه اليقين اليوم ما حدث للجثث، “لكن من المنطقي الافتراض أن الجنود ما زالوا مدفونين هناك”، على حد قوله. في حين توضح المحادثات التي جرت مع مصدر يتعامل مع تحديد مكان المفقودين خلال المعارك في إسرائيل أن عملية إزالة عشرات الجثث من قبر بهذا الحجم لم يكن من الممكن تنفيذها دون علم سكان الكيبوتس. يضيف عضو مستوطنة نحشون، إيلي فالج، أنه بعد بضع سنوات من تشييد متنزه ميني إسرائيل، زار ضابط بالجيش الكيبوتس وبدأ في استجواب الأعضاء حول المقبرة. وأردف قائلاً، “من وجهة نظري، لم يسفر ذلك عن أي شيء”.

وهو محق في ذلك. فقد أكد مصدر على دراية بتحديد مكان المفقودين لصحيفة “هآرتس” أن مقاتلي وحدة القوات الخاصة “الكوماندوز” المصرية ما زالوا مدفونين في الموقع. وعلى حد علمه، وفقاً لما قاله، لم يُقدم أي طلب من المصريين لإخراج رفاتهم وإعادتهم إلى مصر.

يقول بلوخ، الذي لم يعد يعيش في “كيبوتس نحشون”، إنه إذا لم تكن هناك إمكانية لإعادة الجثث إلى وطنهم، فتجب على الأقل إقامة نصب تذكاري لهم. ويضيف أنه إذا بحث أي مسؤول بجدية عن المقبرة، يجب أن يكون على استعداد للمساعدة. بيد أنه حتى يومنا هذا، لم يحاول أحد التواصل معه. ربما حان الوقت لذلك.

هذا المقال مترجم عن “هآرتس” ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني