ضحايا العنف والابتزاز… لن تكون نيرة أشرف الأخيرة!

يوليو 20, 2022
عندما قررت الطلاق والانفصال رفض" إعطائي حقوقي المادية وعندما رفضت هددني بسلامتي وهو ما أرعبني وجعلني ألزم منزلي لفترة طويلة".

“طلب الارتباط بها لكنها رفضت”؛ هذه الجملة كانت الدافع الحقيقي والأبرز وراء مقتل الطالبة نيرة التي ذبحت أمام بوابة إحدى الجامعات المصرية، وفقاً للتحقيقات التي تضمنت شهادة أصدقائها وأسرتها التي أكدت أن المجني عليها تلقت أكثر من رسالة تهديد، وقد حررت الأسرة أكثر من محضر في قسم الشرطة لكن دون فائدة.

أيام قليلة فصلت بين قتل نيرة وجريمة أخرى في الريف الأوروبي في القاهرة، إذ قام أحد الأشخاص بمذبحة وقع ضحيتها 5 أفراد من أسرة واحدة، وذلك بعدما رفض الأب زواج هذا الشخص بابنته، فانتهى الأمر بمقتلة!

ويبدو أن كلمة ” لا” كلمة تغضب رجالاً كثيرين، ما قد يدفعهم إلى ارتكاب جرائم تصل أحياناً إلى القتل إلى جانب لجوء بعضهم إلى التهديد والابتزاز وغيرها من الممارسات.

هددني باغتصابي!

“من حوالي أربع سنوات أقدم شاب من الجيران في قرية أبو نبهان التابعة لمركز ميت غمر يقع في إحدى محافظات مصر، على ملاحقتي بعدما رفضت الزواج به، وفي إحدى المكالمات قال لي نصاً أنه من الأفضل أن أوافق على الزواج، وهددني بإمكانية خطفي واغتصابي”،  بهذه الكلمات بدأت نورهان (23 سنة) تروي قصتها مع التعنيف الذي تعرضت له جراء رفضها لهذا الشاب.

وتابعت: “سجلت المكالمة وحررت محضراً في قسم الشرطة، وبعد معاناة داخل القسم قابلت المأمور الذي سألني (جاب رقمك منين؟)، وجدت تعسفاً غير مبرر داخل القسم واتهمني المأمور بوجود علاقة بيننا وأن المحضر كيدي، وهو ما دفعني للانصراف من قسم الشرطة دون تحرير المحضر،  وبعد أيام عقدت جلسة عرفية بين أسرتي وأسرته وبعض الجيران وانتهت الأزمة بتعهد منه أمام الحاضرين بعدم ملاحقتي”.

انتهت الملاحقة، لكن آثار القصة لم تنتهِ، إذ ما زالت الفتاة تشعر بالرعب، الذي ازداد بعدما فشلت في تحرير المحضر، فقد كانت تعتقد أن المحضر وسيلة للحماية والأمان.

وثق مرصد جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي، التابع لمؤسسة “إدراك للتنمية والمساواة”، 813 حالة عنف ضد النساء والفتيات في مصر خلال عام 2021، مقارنة مع 415 حالة في عام 2020، بزيادة تبلغ نسبتها 96 في المئة.

“متلازمة” التهديد والانفصال

“عندما قررت الطلاق والانفصال رفض إعطائي حقوقي المادية وعندما رفضت هددني بسلامتي وهو ما أرعبني وجعلني ألزم منزلي لفترة طويلة”، بهذه الكلمات شاركتنا علا قصتها مع كلمة ” لا” ورفضها الاستمرار في علاقة رأت أنها فاشلة- بحسب تعبيرها.

تضيف علا (31 سنة)، وهي ممرضة في مستشفى حكومي: “بعد جلسة عرفية  حضرها أفراد من عائلتي وعائلته تم الحكم فيها بأخذ ما اشتريته من أثاث وملابسي مقابل تطليقي، لكن عند التنفيذ فوجئت به وبعائلته يعتدون علينا بالضرب لعدم رغبته في الطلاق رغم الاتفاق، ازداد الأمر سوءاً وتعرضت للضرب والسب ومعي والدتي وأصدقاء لنا، ومع تزايد الموقف صعوبة تدخل بعض الجيران واستطعنا الخروج ببعض المتعلقات، لكن دون طلاق”.

تزوجت علا مع بداية عام 2017 وحصلت على ورقة طلاقها مع نهاية العام ذاته، بعدما أقامت قضية خلع حكمت بتطليقها، و”أثناء هذه الفترة ومن وقت إلى آخر كان يرسل لي بعض رسائل التهديد والوعيد والتي وصلت إلى حد تهديدي بالتشويه والفضيحة والتجريح داخل مقر عملي”. 

خرجت علا وأسرتها من هذا الموقف بعد شقاء، وانتهت قصة الزواج لتبدأ رحلة جديدة من التهديدات والتربص، والتي استمرت عاماً تقريباً، وهو ما منعها من الذهاب إلى عملها لفترة طويلة، وتسببت تجربتها المريرة في خضوعها للعلاج النفسي لمدة عام تقريباً، وهي حتى الآن تعاني من انعكاسات القصة وتخاف من الارتباط والزواج.

يعرف  العنف الممارس ضد المرأة؛ بأنه أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه أو يرجح أن يترتب عليه أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة-  وذلك وفقاً لإعلان القضاء على العنف ضد المرأة الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993.

هايدي (37 سنة) تروي قصتها مع رفضها استمرار العلاقة مع زوجها:” لدي 3 أولاد ومتزوجة منذ 12 عاماً. وعام 2019 انفصلت لأشهر عن زوجي وعدت إليه بعدما منعني من رؤية أطفالي وبعد ضغط كبير من أسرتي، الآن أريد الانفصال من جديد، لكنه يساومني (الطلاق مقابل الأولاد)، وعلى رغم انفصالنا لمدة عامين تقريباً، لكن مازلنا نعيش معاً”.

وتضيف هايدي التي تعمل في إحدى شركات الائتمان: “من وقت لآخر يطلب معاشرتي لكنني أرفض، وفي إحدى المرات فوجئت بضربه الأولاد بطريقة هستيرية، تدخلت للدفاع عنهم لكنه ترك الأولاد وظل يضربني لساعات”.

تنتظر هايدي تحسن أوضاعها واستلام شقتها حتى تستطيع الطلاق مجدداً أو الخلع إذا رفض زوجها الطلاق على حد تعبيرها. تعيش هايدي حياة غير مستقرة وأكثر ما يخيفها هو أن تخسر أطفالها.

إقرأوا أيضاً:

لا لـ”الخلع”!

“عدم احترام إرادة السيدات تنسحب على أشياء جديدة  منها العلاقات سواء زواج أو ارتباط؛ بمعنى أننا لا نستطيع أن نفصل بين  الفتاة التي ترفض الارتباط بشخص ما أو الزواج منه، وبين إقرار الخلع في مصر الذي رفضه رجال كثر بشكل هستيري لسنين طويلة، لأن الخلع (تطليق المرأة لنفسها عن طريق المحكمة) يعني الرفض ولكن بشكل قانوني”، تقول الباحثة والناشطة النسوية إلهام عيداروس.

وتضيف:” وقت إقرار قانون الخلع كان هناك عاصفة غضب من جهة رجال كثر، ومن نفس المنطق والاستحقاق، بدأ رجال يمارسون العنف لمجرد رفض الفتاة الارتباط أو الزواج منه، وهناك صور من العنف منه ما هو متطرف يصل إلى القتل  واستخدام الأسيد للتشويه إلى التعنيف اللفظي أو الفضح”.

واستطردت الباحثة النسوية قائلة: “هناك عوامل عدة ساهمت في انتشار هذه الظاهرة، منها الظروف المجتمعية مثل التربية والثقافة وترسيخ مفاهيم تساهم في التعظيم المبالغ لدى الرجال مثل جملة (ألف ست تتمناك)”.

وتابعت:” لا نستطيع أن ننكر أيضاً دور الدولة في مثل هذه الجرائم، فعلى سبيل المثال قضية  قتل هشام طلعت للفنانة سوزان تميم، والذي خرج بعد سنوات بعفو رئاسي وبدأ الظهور من جديد كرجل أعمال وكأنه لم يرتكب جرماً، تشكل رسالة من الدولة أن ما قام به ليس جريمة نكراء، وهذا يعزز فكرة أن  هذا السلوك يمكن غفرانه بدليل خروج طلعت مصطفى بعفو”.

وأشارت عيداروس إلى دعم أسرة نيرة لها، إذ حررت أكثر من مرة محضراً بما يصل إليها من تهديدات وملاحقة وبرغم من ذلك لم يكن هناك أي نوع من أنواع الحماية أو التدخل من قبل وزارة الداخلية لحماية نيرة”. موضحة أن في بلدان أخرى وفي مثل هذه الشكاوى يكون هناك ما يسمى بأمر تقييد لحماية المرأة من العنف وحماية المبلغين.

وأمر التقييد؛ هو قرار المحكمة الذي تستخدمه لحماية شخص أو كيان في حال تعرضه لتهديد أو مضايقة أو مطاردة من مجهولين، أو في حالات الاعتداء والتحرش الجنسي.

وأشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن هناك امرأة واحدة تقريباً من أصل كل 3 نساء (30 في المئة) يتعرضن لعنف بدني أو جنسى على يد الشريك أو غيره.

وفي مصر؛ لا توجد إحصاءات دقيقة ومنتظمة ترصد تطور ظاهرة العنف الموجه ضد المرأه بصورة دورية ومنهجية منتظمة سواء من  المؤسسات الحكومية (الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء”، أو من مراكز المجتمع المدني.

ووثق مرصد جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي، التابع لمؤسسة “إدراك للتنمية والمساواة” (منظمة مجتمع مدني مصرية)، 813 حالة عنف ضد النساء والفتيات في مصر خلال عام 2021، مقارنة مع 415 حالة في عام 2020، بزيادة تبلغ نسبتها 96 في المئة.

وقال المرصد، في تقريره إن العنف الأسري وعنف الشريك تصدرا معدلات جرائم العنف في البلاد. وأضاف أن عام 2021 بدأ بتسجيل واقعة قتل سيدة على يد شقيقها، بسبب رغبته في الاستيلاء على ميراثها، وانتهى بواقعة انتحار الطالبة، بسنت خالد، في محافظة الغربية بسبب تعرضها لابتزاز إلكتروني وتشهير جنسي.

“ما حدث هو نتيجة لأن رجال الأمن لم يتخذوا خطوات حاسمة برغم المحاضر التي حررتها الطالبة ضد المتهم”، وفق مؤسسة حملة “سند” المحامية نسمة الخطيب.

وأضافت أن زيادة معدل العنف ضد المرأة ناتج عن عدم وجود حماية قانونية حقيقية إلى جانب ضرورة وجود عدالة ناجزة للحكم في قضايا العنف والاعتداء بشكل أسرع  وأخذ المحاضر التي تحررها النساء على محمل الجد ولا يتم حفظها دون تحقيق.

الجدير بالذكر أنه في آذار/ مارس الماضي، تقدمت مجموعة من المنظمات النسوية بالتعاون مع النائبة نشوى الديب بمشروع قانون موحد لمناهضة العنف ضد المرأة إلى البرلمان، موقّعاً من 60 نائباً، ويتضمن 53 مادة، لكن حتى الآن لم تتم مناقشته.

والآن عاد الحديث بعد اختفاء دام لسنوات، عن إصدار قانون لحماية الشهود والمبلغين  وذلك من خلال مقترح تقدم به النائب ياسر الهضيبي عضو مجلس الشيوخ، وأستاذ القانون الدستوري وحقوق الإنسان، يطالب فيه كلا من  اللجنة التشريعية وحقوق الإنسان بمجلس الشيوخ بشأن ضرورة إقرار مصر قانون حماية الشهود والمبلغين، وتحديد قواعد وآليات تشريعية واضحة في هذا الشأن، وذلك التزاماً بحقهم في الحماية وتوفير مناخ آمن وكذلك تطبيقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

إضافة إلى ذلك، تقدم عضو في  مجلس الشيوخ، إلى المستشار عبد الوهاب عبد الرازق، رئيس المجلس، باقتراح بشأن تفعيل الاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد المرأة، وإصدار قانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء بكل أشكاله.

النائبة نشوى الديب تقول لـ”درج”، إنها ناشدت رئيس مجلس النواب عقب الحادث المؤلم، بضرورة سرعة إصدار القانون الموحد للعنف ضد المرأة.

وتضيف، “القانون لم يناهض العنف ضد المرأة وفقط وإنما يناهض العنف المجتمعي عموما، وخصوصاً مع تزايد حالات العنف وانتشارها في المجتمع”.

وتوضح أن القانون يمكن ألا يتم النظر فيه خلال هذه الدورة والتي ستنتهي قريباً، على أمل  أن تتم مناقشته في الدورة الجديدة والتي ستبدأ في الأسبوع الأول من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني