fbpx

ذراع أردوغان الطويل: المعارضون الأتراك المُختطَفون من أوروبا

سبتمبر 6, 2018
اختطفت تركيا أكثر من 100 شخص يُزعم أنهم أعضاء في حركة غولن من دول أخرى خلال السنوات الأخيرة. في هذا المقال لقاءات مع زوجات الرجال المقيمين في كوسوفو والذين يقبعون حالياً في السجون التركية...

قد يكون أمراً محزناً أن تفقد زوجاً أو أباً. ولكنه أمر مختلف تماماً عندما تفقده بسبب ذراع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الطويل الذي يستخدمه لفرض القّوة والسلطة لاسيما في معاقبة ومطاردة ما يُطلق عليهم “الغولانين – أعضاء حركة غولن” في جميع أنحاء العالم.

في الـ 29 من شهر آذار/مارس، كان يوسف زوج ياسمين كارابينا، واحداً من ستة مواطنين أتراك يقيمون في كوسوفو، اختطفوا من قبل وكالة الاستخبارات الكوسوفية، في عملية سرّية تمت في الصباح الباكر.

تم تسليم الرجال -الذين يعملون جميعاً في مدارس على علاقة بحركة غولن- وترحيلهم جواً في طائرة خاصة إلى تركيا، كما تعرّضوا للتعذيب في الطريق وفقاً لما قاله محامي يُمثّل عائلات هؤلاء الرجال.

يتّهم أردوغان رجل الدين فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة وأتباعه، بقيامهم بمحاولة انقلاب عسكري فاشلة في تموز/يوليو عام 2016.

وقد اتُّهم الرجال -وهم: جيهان أوزكان، وحسن حسين غونكان، وكهرمان ديميريز، ومصطفى إرديم، وعثمان كركايا، ويوسف كارابينا- بالانتماء إلى ما تصفه تركيا بازدراء “منظمة فتح الله الإرهابية (FETÖ)”،ومساعدة أعضاء حركة غولن على الفرار من تركيا إلى أوروبا والولايات المتحدة. تمّ توزيع صور الرجال الستة على نطاق واسع في وسائل الإعلام التركية، التي وصفتهم بأنهم أعضاء في منظمة فتح الله غولن “الإرهابية”

بعد ما يقرب من ستة أشهر ممّا وصفته بعض وسائل الإعلام المحلية بأنه عملية “اختطاف”، لا تزال الاتهامات المتعلقة بالأنشطة الإرهابية المزعومة تبدو غير منطقية لعائلات الرجال أو زملائهم في كوسوفو، حيث تستمر مراجعة الذات فيما يخص علاقة تلك البلد مع تركيا.

تصدّر العنوان الرئيسي “كوسوفو سامحت التدخّل التركي بسهولة بالغة”، مقالة رأي نُشرت حديثاً للكاتب الصحفي الكوسوفي، نيكتار زوغاني. بيد أن الجميع لم يسامحوا تركيا على هذا الفعل.

يقول نظمي أولوس، مدير كلية محمد عاكف، وهي مدرسة تابعة لغولن في ليبليان بالقرب من مدينة بريشتينا في كوسوفو، “يُتهم أصدقاؤنا بأنهم جزء من محاولة الانقلاب. كيف يكون ذلك ممكناً؟ يبدو الأمر سخيفاً”.

أكثر من 100 عملية اختطاف

لا يبدو الأمر سخيفاً بالنسبة إلى أردوغان، الذي أعيد انتخابه في شهر حزيران/يونيو الماضي كرئيس لولاية أخرى مدّتها خمس سنوات. فقد شهدت الأشهر الأخيرة عمليات اختطاف مماثلة لأفراد من أعضاء حركة غولن في أذربيجان وأوكرانيا والغابون، في حين أحبطت محاولة اختطاف على أيدي أجهزة الأمن التركية في آخر لحظة في منغوليا.
وفي الشهر الماضي، تفاخر وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو، بأن 100 شخص على الأقل يُزعم أنهم أعضاء في حركة غولن قد اختطفوا على يد عملاء المخابرات التركية في الخارج، واقتيدوا إلى تركيا خلال العامين الماضيين.

معلّمون أتراك تم اختطافهم في كوسوفو

اختطف أزواج كل من كارابينا، وفايزا جوناكان، وأولاي ديميريز، في ذلك الصباح من يوم الخميس في شهر آذار/مارس، ويبدو الآن أنهم أصبحوا عاجزين عن فعل أي شيء. وتُمثّل قصصهم تذكيراً بأن مطاردة أردوغان العالمية لأعضاء حركة غولن، تأتي بتكلفة إنسانية باهظة.

تروي ياسمين كارابينا، أحداث ذلك الصباح خلال مقابلة معها في المدرسة التي تقع في ليبليان حيث كان زوجها يوسف يعمل نائباً للمدير. بينما كانت في السيارة مع يوسف وابنهما البالغ من العمر 15 عاماً، أوقِفت سيارتهم من قبل من بدا وكأنهم قوّات الشرطة. وطلبوا من يوسف إبراز وثائق هويته.

تقول ياسمين كارابينا، إنه بعد مرور بضع دقائق، أصبحت هي وزوجها متشكّكين في الأمر. فقد نما إلى علمهم حدوث عمليات اختطاف لمن يطلق عليهم أعضاء حركة غولن في أجزاء أخرى من العالم. وتضيف كارابينا، أنه بما أنهم لم يروا أي دليل على أن هؤلاء الرجال كانوا بالفعل ضباط شرطة، فقد أداروا السيارة مرة أخرى واستعدّوا للمغادرة.

كان ذلك عندما انقض الرجال عليهم، كما تقول ياسمين كارابينا. ويظهر شريط فيديو مسجّل من كاميرا مراقبة مجاورة كيف تم اقتيادهم بقوّة من السيارة، ومعهم ابنهم المراهق، الذي تقول ياسمين إنه أصيب خلال هذا الصدام. وتبيّن اللقطات كيف شعرت بالذعر ومحاولتها الإشارة إلى السيارات المارة للتوقف لمساعدتها، ولكن دون جدوى.

تتذكّر ياسمين كارابينا أنها صرخت قائلةً، “إنهم ليسوا رجال شرطة!” لسائقي السيارات الآخرين. لكن زوجها قد أُخذ بالفعل أثناء ذلك. وأضافت، “كان آخر مرة رأيته فيها عندما كنا معاً في السيارة”.

أطفال بدون آباء

لم يكن ابن كارابينا الطفل الوحيد الذي تُرك بدون أب. فلدى أولكاي ديميريز ابن يبلغ من العمر 3 سنوات من زوجها المختطف كهرمان. كلاهما يعمل مدرّساً في مدرسة تابعة لحركة غولن في جاكوفا، وهي مدينة تقع في غرب كوسوفو.

وفقاً لما قالته أولكاي ديميريز، فقد ذهب زوجها إلى المدرسة قبل الساعة الـ 8 صباحاً، للمساعدة في إعداد الطلاب لرحلة ميدانية. وكان التلاميذ يتجوّلون حول فناء المدرسة، في انتظار وصول الحافلات. وأردفت قائلةً، وفي وقت لاحق جاءت ثلاث سيارات تابعة للشرطة إلى المدرسة. فتوجه زوجها للقائهم، وصافح الضباط. “فقد كانت لديه علاقة جيدة مع الشرطة”، كما تقول أولكاي ديميريز. وأخبرته الشرطة بأن هناك بعض المسائل المتعلقة بأوراق هويته، وبحسب زوجة ديميريز، قال رجال الشرطة، إن عليهم اقتياده إلى مركز الشرطة. وأضافت، “لقد أعطوا إشارة بتقييده أمام الطلاب”، وقالت بعيون دامعة إنهم، “أجبروه على ركوب السيارة”.

لم تر زوجها منذ ذلك الصباح. وقالت باقتضاب، “بصفتي أم، وبصفتي امرأة، أشعر بإهانة بالغة من هذا الوضع”.

وكذلك أبناء فايزة غونكان الأربعة، الذين عاشوا في كوسوفو مع زوجها حسن حسين غونكان طيلة 13 عاماً، هم أيضاً بدون أب. ويبلغ أصغرهم من العمر 4 أعوام.

كانت فايزة في المنزل عندما وقعت عمليات الاختطاف، وتلقّت اتصالاً هاتفياً من المدرسة أطلعها على تلك الأخبار المروعة. لكن كانت تلك فقط هي الصدمة الأولى. فبعد أن تابعت التقارير الإخبارية في وسائل الإعلام التركية والألبانية، سرعان ما أدركت أن زوجها قد اختطف عن طريق الخطأ؛ إذ يبدو أن رجلاً يحمل اسماً مشابهاً كان هو الهدف الحقيقي من وراء عملية الاختطاف. ومع ذلك لا يزال زوجها يعاني في تركيا، في انتظار محاكمته.

على الرغم من أن بعض المعلقين يشيرون إلى أن مثل هذه الإجراءات التركية الوقحة لا يُمكن أن تحدث في كوسوفو -أو في البلدان الأخرى في المنطقة- مرة أخرى، فإن “الخوف من أردوغان” قد انتاب المواطنين الأتراك الذين يعيشون في كوسوفو.
ووفقاً لما ورد في تقارير إعلامية حديثة، فقد تقدم عشرات المواطنين الأتراك الذين يعيشون في كوسوفو بالفعل بطلب اللجوء في البلاد. وفي غضون ذلك، أفادت التقارير أن أسرة أحد الرجال المخطوفين، وهو مصطفى إرديم -مدير كلية محمد عاكف في ليبليان- قد فرت من كوسوفو قبل عدة أشهر وتقدمت بطلب للحصول على اللجوء في ألمانيا. في وقت سابق من هذا الشهر، طالب مسؤولون في مدينة بريزرن التي تقع جنوب غرب كوسوفو، بإغلاق روضة أطفال “مرتبطة بحركة غولن”. تقول جوناكان، “ما زلنا قلقين بشأن ما يمكن أن يحدث. وتساورنا الشكوك أثناء وجودنا هنا”.

حاول رئيس وزراء كوسوفو، راموش هاراديناي تهدئة تلك المخاوف. ووفقاً لما ذكرته ياسمين كارابينا، أخبرها هاراديناي أنه “لن يحدث شيء من هذا القبيل مجدداً”.

ادّعى هاراديناي بعد وقوع عمليات الاختطاف، أنه لم يكن على علم بهذه العملية. وفي اليوم التالي، أقال وزير الداخلية ورئيس المخابرات – ووجه في وقت لاحق انتقادات صارمة إلى أردوغان، قائلاً إن المواطنين الأتراك الستة “لم يتم ترحيلهم، بل تم اختطافهم”. غير أن رئيس كوسوفو، هاشم ثاتشي بدا في البداية وكأنه يبرر عمليات الاختطاف، وصرح لوسائل الإعلام المحلية بعد يومين من وقوع الحادث أن هؤلاء الرجال كانوا متورطين في “أعمال غير قانونية” وشكلوا تهديداً على “الأمن القومي” للبلاد. (ثم تراجع عن تلك التعليقات لاحقاً).

لا يزال الغضب في الداخل والقلق بالخارج مُتأججاً بعد الإجراءات التي اتخذها هاراديناي. ومن جانبه، وصف غولن تلك الأحداث بأنها عملية “اختطاف” في شريط فيديو نشره تعليقاً على الحادث.

أياً كانت التسمية التي توصف بها الأحداث، لا تزال العائلات تشعر بإحباط شديد نتيجة لإمكانية حدوث عمليات الاختطاف في بادئ الأمر. تقول ياسمين كارابينا، “لا يمكننا أن نستوعب ذلك الأمر”. وأضافت، “من المؤسف أن السياسيين في كوسوفو لديهم علاقات مع هذا الرجل في تركيا”.

لم يكن “ذلك الرجل في تركيا” بالتأكيد راضٍ عن تعليقات هاراديناي. فقد علق أردوغان، الذي تجمعه علاقات جيدة مع الرئيس ثاتشي، بعد يوم من تعليقات رئيس وزراء كوسوفو، قائلاً بلهجة حادة كالتي يستخدمها الآباء لتوبيخ أبنائهم “سؤالي إلى رئيس وزراء كوسوفو هو: من أعطاك التعليمات لاتخاذ مثل هذه الإجراءات؟”، وأضاف “كيف يمكنك الدفاع عن هؤلاء الأشخاص الذين حاولوا الانقلاب على تركيا، البلد الشقيق لكوسوفو؟ سوف تحاسب على هذا الفعل”.

النفوذ الاقتصادي

مهما كانت وجهة نظر كوسوفو وقائدها في أسلوب حكم أردوغان، فقد لا تكون تركيا صديقاً يمكن للدولة البلقانية أن تتحمّل خسارته. فإلى جانب كون تركيا مناصرة قويّة للاعتراف الدولي بكوسوفو وانضمامها في نهاية المطاف إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ( الناتو)، تتمتّع تركيا أيضاً بنفوذ اقتصادي كبير هناك. (فقد كانت تركيا أيضاً واحدة من أوائل الدول التي اعترفت بكوسوفو بعد أن أعلنت استقلالها من جانب واحد عن صربيا عام 2008).

ووفقاً لما قاله إسين موزبج، السكرتير العام لغرفة التجارة المشتركة بين كوسوفو وتركيا، من المقرر أن تكون تركيا ثالث أكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية المباشرة في كوسوفو كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2018.

تدير الشركات التركية المطار الدولي الوحيد في كوسوفو وكذلك شبكة الكهرباء في البلاد، وتنفق مليارات الدولارات على بناء الطرق السريعة الجديدة. كما نشطت وكالات الدولة، مثل منظمة المساعدة الإنمائية الرسمية التركية، في إعادة ترميم التراث في كوسوفو الذي يرجع إلى العهد العثماني. وفي هذه الأثناء، تم التخطيط لبناء مسجد كبير جديد بتمويل تركي في وسط مدينة بريشتينا على الطراز العثماني الفاخر.

“نحن هنا، ولن نذهب إلى أي مكان. لقد أتينا من أجل تقديم رسالة”

بيد أن أردوغان حاول أيضاً ممارسة الضغوط بطرق أخرى. فقبل بضع سنوات، قامت حكومة كوسوفو بمراجعة كتب التاريخ المدرسية تحت ضغوط تركية ليُصور الحكم العثماني بشكل أكثر إيجابية. وفي عام 2016، بالتزامن مع محاولة الانقلاب العسكري التي حدثت في تركيا، كتب الصحفي الكوسوفي ورئيس تحرير جريدة Gazeta Express، بريت بوزلاحا، منشوراً ساخراً على وسائل التواصل الاجتماعي، دعا فيه المواطنين الكوسوفيين الذين يقضون أجازتهم في تركيا لدعم الانقلاب. ونتيجة لذلك، كما صرح بوزلاحا لصحيفة هآرتس، فقد طالب السفير التركي في كوسوفو باعتقاله.

ليس بالضرورة أن يكون النقاد شخصيات عامة ليذوقوا وبال أمرهم. ففي شباط/فبراير، فتشت قوات الشرطة الكوسوفية مبنى في العاصمة بريشتينا تابع “لتجمع محلي اشتراكي صغير” كما يصف نفسه، بعد إعلانه إقامة ليلة موسيقية كردية تضامناً مع المدافعين عن عفرين، المدينة التي يسيطر عليها الأكراد في شمال سوريا والتي كانت تتعرض للهجوم من قبل الجيش التركي في ذلك الوقت.

لكن هناك العديد من الكوسوفيين الذين يرون تركيا بصورة أكثر إيجابية. على سبيل المثال، يسعى عبد الهادي كراسنيك، رئيس بلدية ماموزا، وهي البلدية الوحيدة ذات الأغلبية التركية، جاهداً إلى تعزيز الروابط الثقافية المشتركة بين الكوسوفيين والأتراك: إذ أن حوالي 20 ألف مواطن كوسوفي هم من أصول عرقية تركية.

يقول كراسنيك، “بغض النظر عمن يتولى السلطة هناك، فإن وجود دولة تركية قوية من شأنه فقط أن يُساعد كوسوفو”.
أيد كراسنيك اعتقال الرجال الستة – وقال إنهم مواطنون أتراك مرتبطون بمنظمة حاولت الإطاحة بالحكومة التركية المنتخبة – ولكنه لا يعتقد أن عمليات الاختطاف والترحيل تمت بشكل قانوني.

على الرغم من التعهدات بتقديم الدعم من هاراديناي وآخرين، لا تزال زوجات وعائلات الرجال الستة الذين تم ترحيلهم يشعرن بالخوف على مستقبلهن. ورفض المكتب الصحفي التابع إلى رئيس وزراء كوسوفو الإجابة على عدة طلبات للتعليق على هذا التحقيق قائلاً “إننا نعتبر هذه المسألة منتهية”.

يقول أولوس من كلية محمد عاكف، “إن نظام أردوغان يلاحقنا، وأذرعه الطويلة موجودة في كل مكان، ولاسيما في دول منطقة البلقان”. وأضاف قائلاً، “إنهم ليسوا أصدقاءنا”.

لكن أولوس – الذي أشار بكل فخر إلى أن المدارس التابعة لغولن كانت موجودة في كوسوفو منذ أواخر حقبة التسعينيات – ما زال صامداً. وقد أنهى كلامه بقوله، “نحن هنا، ولن نذهب إلى أي مكان. لقد أتينا من أجل تقديم رسالة”.

هذا المقال مترجم عن موقع Haaretz.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً:
ما حجم القلق المطلوب تجاه ما يحصل في تركيا؟
بدايات انهيار تركيا الإردوغانيّة؟
تركيا من حلم الجمهورية الثانية إلى واقع جمهورية الرئيس

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني