“رعب العودة إلى سوريا- الأسد” (2):
هل “العودة الآمنة” غطاء تقني للترحيل القسري؟

يعيش تسعة من أصل كل عشرة لاجئين في فقر مدقع، ما يدفعهم إلى اتخاذ قرارات مصيرية وصعبة جداً كل يوم، وإلى اتباع استراتيجيات تأقلم سلبية، كتناول وجبة طعام واحدة في اليوم والتقليل من كميّة الوجبات، وإجبار الأولاد على ترك المدرسة للعمل.

ضمن ملف “رعب العودة إلى سوريا- الأسد”، يواصل “روزنة” نشر المزيد من القصص القاسية وغير الإنسانية التي يواجهها عدد كبير من اللاجئين السوريين في لبنان، لا سيما بعد تصريحات رسمية تناولت مسألة العودة “الطوعية” (15 ألف سوري شهرياً بحسب وزير المهجرين)، إلا أن الحقيقة تكمن في حكايا وتفاصيل سردها حقوقيون ولاجئون أكدوا أن الأمر بعيد كل البعد من العودة الطوعية ويصل إلى الترحيل، من دون أي اعتبار للأخطار التي يمكن أن يواجهها هؤلاء، بخاصة أن تقارير دولية وتحقيقات صحافية أثبتت تعرّض عدد من العائدين للتنكيل والاعتقال.

تواصل “روزنة” مع عدد من المراجع والمصادر الرسمية، ويمكن القول إن ملف العودة والترحيل والخلط بين المصطلحين، يغرق في عدم التنسيق بين الأجهزة والوزارات المختصة.

فإذ تم تشكيل اللجنة الخاصة بمتابعة إعادة اللاجئين بالتعاون مع الحكومة السورية ومفوضية اللاجئين، نفت المفوضية لـ”روزنة” أن تكون جزءاً من أي اتفاق ثلاثي بخصوص ملف العودة.

كما أوضحت المشرفة العامة على خطة لبنان للاستجابة للأزمة الدكتورة علا بطرس، حين سؤالها عن الخطة أن وزارة المهجرين لم تشاركها مع وزارة الشؤون الاجتماعية التي هي المنوطة مباشرة بملف اللاجئين.

وتؤكد بطرس أن لبنان يلتزم بمبدأ عدم العودة القسرية ويحرص على تأمين الحماية للذين يمكن أن يثبتوا تعرضهم للخطر، “ونحن على تنسيق مستمر مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمجتمع الدولي”.

يعني ذلك أن الملف يخضع لصراع بين الجهات المسؤولة وسوء تنسيق في ما بينها، مع العلم أننا نتحدث عن قضية إنسانية وعن تهديد حقيقي للحق في الحياة.

كما أن ما يقال عن “العودة الآمنة” والحماية، يتعارض مع شهادات سبق أن تناولها هذا الملف في “رعب العودة إلى سوريا- الأسد” (1)، حيث تحدث لاجئون سوريون عما واجهه أقرباؤهم أو أصدقاؤهم إزاء الترحيل القسري من دون أي حماية، والانتهاكات التي تعرّضوا لها إثر تسليمهم إلى الجهات السورية.

وفي ظل الفوضى الحاصلة والبلبلة ونقص التنسيق في قضية تعني حياة آلاف الأشخاص، تقول ليلى (لاجئة سورية وأم ومعيلة لـ5 أطفال)، “أعرف كثيرين في المخيم حاولوا التواصل للحصول على حماية من منظمات دولية لأن حياتهم في خطر، ولم يحصلوا على شيء. هناك من ذهب إلى سوريا واختفى أثره، بينهم جيران ومعارف. بمن أثق لأسلّم سلامتي وسلامة أبنائي؟”.

ليلى تعمل في تنظيف البيوت لإعالة عائلتها وتعيش في مخيم للاجئين في بلدة عرسال البقاعية، علماً أن زوجها معتقل في السجون السورية منذ عام 2014، ولا تعرف شيئاً عنه، “نحن نمشي بين الزوايا، حتى نبقى مستورين… بنتي بتتخرّج هالسنة من الجامعة، بدي إفرح فيها، ما بدي مأساة جديدة… نحنا أهل درعا مغضوب علينا، وين بدي إرجع وإتشحر؟”.

112 قصة

يؤكد نشطاء سوريون تواصل معهم “روزنة” أن هناك خوف حقيقي في مجتمع اللجوء لا سيما بين المعارضين، من فرض العودة القسرية عليهم، علماً أن كثيرين قد يتعرضون لانتهاكات بحجة التهرّب من التجنيد الإجباري أو فرارهم من سوريا نتيجة الصراع أو لأنهم شاركوا في التظاهرات المعارضة أو كان أحد أقربائهم جزءاً من المعارضة.

يشير نشطاء إلى أن تصريحات مسؤولين لبنانيين عن إعادة السوريين، تسببت بزيادة الانتهاكات ضد اللاجئين السوريين في لبنان من تفتيش أمني على الحواجز الأمنية ومداهمة المنازل والمخيمات، والاخلاء القسري والتعسفي من المخيمات والمنازل ورفض تجديد الإقامات، ما تسبب بزيادة العنف المجتمعي من قبل المجتمع المحلي ضد السوريين، وهو ما أكده أيضاً مركز “وصول لحقوق الإنسان”.

وفيما تشدد الأجهزة اللبنانية على العودة الآمنة، نافية وجود أي ترحيل قسري يعرّض حياة الأشخاص وسلامتهم للخطر، فقد وثق “مركز وصول لحقوق الإنسان” عدداً من حالات التعذيب والانتهاكات التي أعقبت عودة أشخاص سوريين إلى بلادهم.

ويوضح مركز وصول لـ”روزنة” أنه “في حقبة اللجوء السوري منذ عام 2011، ظهرت تهديدات بالترحيل القسري في لبنان بأعوام مختلفة ولأسباب مختلفة أبرزها الملف الاقتصادي اللبناني، والذي كان بسبب خلافات سياسية من موقف اللجوء السوري في لبنان”.

لا يوجد عدد دقيق ومنشور للمرحلين من لبنان إلى سوريا، لكن مركز وصول لحقوق الإنسان (ACHR) وثق 112 حالة من 2019 حتى آخر شهر حزيران/ يونيو 2022. 

يبقى العدد أكثر من ذلك بكثير، فعلى سبيل المثال، أكدت المديرية العامة للأمن العام اللبناني بأنها “أعادت” 6345 شخصاً سورياً بين 25 نيسان/ أبريل 2019 و19 أيلول/ سبتمبر 2021.

وتبين وفق تقرير عمل عليه مركز “وصول” تعرض عدد من المرحلين لانتهاكات عدة كالاحتجاز التعسفي والتعذيب وانتهاكات حقوق الإسكان والملكيّة إلى تفاقم آثار الانتهاكات بسبب النقص الممنهج في وثائق الهوية والوثائق الأُخرى واستحالة الوصول إليها. 

على رغم أن السلطات اللبنانية تطالب بعودة اللاجئين السوريين بأمان وتدعي تعاملها مع السلطات السورية لضمان عودتهم من دون تعرضهم لأيّ مخاطر، إلا أننا لا نزال نراقب ونوثق حالات ترحيل خطيرة. في هذا السياق، قام الأمن العام اللبناني بترحيل قاصر في حزيران 2022 لا يزال مختفياً حتى اليوم بعد تسليمه للسلطات السورية. كما تم ترحيل شخص أواخر حزيران تعرّض للاعتقال فور تسليمه للسلطات السورية ولا يزال معتقلاً، يؤكد مركز “وصول”.

“ستنتهي إقامتي بعد شهر وأعتقد أنني سأواجه قرار الترحيل”، يقول محمد وهو ناطور في بناية في منطقة سن الفيل في ضواحي بيروت، “لا أعرف ماذا سأفعل، سوريا ليست آمنة كما يقولون، والداي هناك، ونتحدث كل يوم وأعرف تماماً المعاناة”. محمد شارك في التظاهرات المعارضة، ويعرف تماماً أن مصيره لن يكون أفضل من مصير رفاقه، ينتظر الآن أن يحصل على إقامة في أي بلد آمن ليستطيع متابعة حياته، ويخشى أن ينتهي حلمه بقرار الترحيل. يختم حديثه قائلاً: “طيلة الحرب لم أشعر بالخوف الذي يراودني الآن”…

تواصل “روزنة” مع “مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان”، وقد أكدت أن “العودة الطوعية إلى الوطن بأمان وكرامة حق أساسي لكل لاجئ. في حين أن معظم اللاجئين السوريين يأملون في العودة إلى سوريا، فإن اتخاذهم لقرار العودة أو عدمها يعتمد على مجموعة من العوامل. يعبّر اللاجئون للمفوضية عن أنهم ما زالوا قلقين بشأن عوامل متعلّقة بوطنهم الأم بما في ذلك: السلامة والأمن؛ السكن؛ توفّر الخدمات الأساسية وسبل العيش”.

 وأفادت في المقابل بأنها “حالياً ليست جزءاً من أيّ مفاوضات ثلاثية بشأن العودة أو أي نوع من التخطيط لعودة اللاجئين”، داعية الحكومة اللبنانية إلى احترام الحق الأساسي لجميع اللاجئين في العودة الطوعية والآمنة والكريمة ومبدأ عدم الإعادة القسرية. يأمل معظم اللاجئين في لبنان بالعودة إلى سوريا يوماً ما، ولكن إلى أن تتم معالجة العوامل التي تحول دون عودة اللاجئين، يبقى من الضروري ضمان استمرار سلامتهم وحمايتهم في لبنان.

فقر مدقع

على هامش العودة الآمنة والترحيل القسري، لا بد من الإشارة إلى أن الأزمة الاقتصادية التي يواجهها لبنان أثرت في المجتمع بأسره وخصوصاً اللاجئين. فبحسب التقييم السنوي لجوانب الضعف لدى اللاجئين السوريين الذي تجريه مفوضية اللاجئين VaSyr، يعيش تسعة من أصل كل عشرة لاجئين في فقر مدقع، ما يدفعهم إلى اتخاذ قرارات مصيرية وصعبة جداً كل يوم، وإلى اتباع استراتيجيات تأقلم سلبية، كتناول وجبة طعام واحدة في اليوم والتقليل من كميّة الوجبات، وإجبار الأولاد على ترك المدرسة للعمل، وعدم طلب الرعاية الصحية اللازمة.

هذا ويتم تقديم المساعدة النقدية للاجئين الأكثر ضعفاً فقط، ويتمّ صرف برامج المساعدة النقدية الإنسانية للاجئين بالليرة اللبنانية وليس بالدولار الأميركي كما يتداول في أخبار إعلامية وأحاديث شعبوية. 

فمنذ عام 2011، تم استثمار أكثر من 309.33 مليون دولار أميركي في المؤسسات والبنية التحتية اللبنانية لدعم عدد من الوزارات في تقديم الخدمات العامة لعدد أكبر من السكان. 

هذا الواقع يؤكد أن اللاجئين متروكين بالفعل ومثلهم المجتمعات المضيفة، لا سيما لبنان الذي يعاني من أزمات متشعبة، ويكون من المستحيل أن نطلب منه تحمّل وزر اللجوء لوحده من دون دعم ومساعدة، وخطة واضحة تؤمن حياة اللاجئين وسلامتهم.

“حياة أشبه بالموت”

خلص تقرير “حياة أشبه بالموت”: عودة اللاجئين السوريين من لبنان والأردن”، الصادر عن “هيومن رايتس ووتش”، إلى أن سوريا ليست آمنة للعودة. فمن بين 65 من العائدين أو أفراد عائلاتهم الذين قابلناهم، وثقت “هيومن رايتس ووتش” 21 حالة اعتقال واحتجاز تعسفي، و13 حالة تعذيب، وثلاث حالات اختطاف، وخمس حالات قتل خارج نطاق القضاء، و17 حالة اختفاء قسري، وحالة عنف جنسي.

وأكدت “هيومن رايتس ووتش” في بيان لها، علقت فيه على قرارات “العودة الآمنة” الأخيرة، أن ما يثير القلق هنا، بخلاف أن هذه الخطوة ستشكل انتهاكاً واضحاً لالتزامات لبنان الدولية، هو أنها تُنفَّذ بدون مشاركة مفوضية الأمم المتحدة للاجئين.

وفي ما يتصل بنشطاء المعارضة، ممن قد يتعرضون لخطر الاعتقال والتعذيب وحتى الموت إذا أعيدوا إلى سوريا، اقترح وزير المهجرين عصام شرف الدين ترحيلهم إلى دول ثالثة أو تعهدهم للحكومة السورية “بعدم الإضرار بالدولة السورية”، “على ما يبدو انطلاقاً من افتراضٍ خاطئ بأن ذلك سيحميهم من سوء المعاملة، وفق “هيومن رايتس ووتش”.

في المحصلة، إن أي إعادة قسرية إلى سوريا ترقى إلى مصاف انتهاك لبنان التزاماته بعدم ممارسة الإعادة القسرية، أي إجبار الأشخاص على العودة إلى بلدان يواجهون فيها خطراً واضحاً بالتعرض للتعذيب أو الاضطهاد. يضاف إلى ذلك ما تعرّض له الاقتصاد السوري والبنية التحتية من دمار جرّاء أكثر من عشر سنوات من النزاع والعقوبات.

وبصفته طرفاً في “اتفاقية مناهضة التعذيب”، لبنان ملزم بعدم إعادة أو تسليم أي شخص معرض لخطر التعذيب.

وإذ ما زال المجتمع الدولي ينأى بنفسه عن الخطر الذي يتهدد كثيرين إزاء خطر العودة ولا يسعى إلى تقديم مساعدات كافية للمجتمعات المضيفة أو حتى البحث عن حل نهائي وناجع للتشرّد السوري، ستبقى ليلى ومحمد وكثيرون ممن قابلهم هذا التحقيق بجزأيه وسواهم، مضطرين إلى الاختباء من مقصلة الترحيل، ووهم “العودة الآمنة”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
نادية مبروك
“غسّلت أبنائي الثلاثة فمن يُغسّلني؟”… قد تجد كنيسة القديس أبو سيفين متبرعين من أثرياء الأقباط في مصر لإعادة ترميمها وتأمينها لكن مئات الكنائس -المقننة وغير المقننة- في مصر تبقى مسرحاً محتملاً لحرائق تلتهم ضحايا أبرياء في كل موسم صلاة أو صوم.
Play Video
نشرت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية في 28 تموز/ يوليو الماضي افتتاحية لمقال بعنوان “لماذا النساء أكثر بدانة من الرجال في العالم العربي”، يتحدث عن بدانة النساء في الشرق الأوسط مرفقاً بصورة الفنانة العراقية إيناس طالب، من دون استئذانها، ضارباً تقارير المسح الخاصة عن البدانة في العالم الصادرة عن المؤسسات الصحية العالمية عرض الحائط، ما أحدث تبايناً في الآراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي العربية والغربية، إذ اعتبر كثيرون استخدام صورة إيناس جزءاً من خطاب مزوجيني معاد للنساء.

3:08

Play Video
على مدى ٣٣ عاماً خاض الكاتب سلمان رشدي الكثير من النقاشات العلنية حول كتابه “آيات شيطانية” وحدود حرية التعبير خصوصاً بعد فتوى هدر الدم التي عاش بموجبها سنوات طويلة في الخفاء والخوف حتى لحظة تعرضه لمحاولة قتل قبل يومين. رشدي دافع بشراسة عن حرية التعبير وهنا في هذا الفيديو وفي لقاء مفتوح له في العام 2018 يقول، “يقع الناس في فخ تصديق أنه من المحق الحدّ من حرية التعبير … إذا سلكنا هذا الطريق لن يتمكن أحد من التحدث بتاتاً”

2:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني