دلائل بصرية على ارتكاب الجيش التركي جرائم حرب في شمال العراق

مقاطع الفيديو والصور التي حصل عليها "درج"، تتضمن لقطات لمقاتلين أتراك، يبدو بوضوح العلم التركي على بدلاتهم العسكرية، يقومون بالتمثيل بجثث 13 مقاتلاً ومقاتلة من "حزب العمال الكردستاني" لقوا مصرعهم عام 2022، وسط مزاعم كردية بأنهم قتلوا بعد قصفهم بغاز الأعصاب المحرّم دولياً.

مقاطع الفيديو التي وصلتنا مرعبة. تحميلها ومشاهدتها كانا ضرباً من العذاب النفسي. بعض الزملاء في “درج” الذين يعملون في قسم المونتاج وجدوا صعوبة في التعامل مع اللقطات لقسوتها. فيديوات تذكّر بمشاهد الذبح والتمثيل بالجثث وإحراقها التي كان يمارسها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” ويصوّرها ويبثها. 

بعض المقاطع التقطها جنود أتراك في مناطق كردية في شمال العراق. وتم نشرها على حساباتهم، قبل ان تتدخّل السلطات التركية وتسحبها من التداول، لكن يبدو أن هناك من نجح في تسجيلها وإرسالها إلينا. وبعضها الآخر يبدو أن مقاتلين في “حزب العمّال الكردستاني”، المصنّف إرهابياً، قد التقطوها، لتوثيق وحشية المجازر المرتكبة في حقّ عناصره في تلك المناطق، فضلاً عن مقاطع يقول ملتقطوها بأصوات تصاحب الفيديو باللغة الكردية، إنها توثق استخدام الجيش التركي أسلحة محرّمة. وتصنيف “العمال الكردستاني” بــ”الإرهابي” يضعنا أمام إشكالية التعامل مع المعطيات التي في حوزتنا، والتدقيق في الرواية التي يقدمها. 

بيد أن المشاهد والمعطيات الموثّقة بصرياً، تحيل إلى حتمية تصنيف ما يرتكبه الجيش التركي في حق مناطق عراقية- كردية، بمعزل عن حربه مع “حزب العمال الكردستاني”، بـ”الإرهابي”. فإذا لم يكن قطع الرؤوس وإحراق الجثث وقصف المدنيين وتهجيرهم من قراهم، وقتل الحيوانات البرية والمواشي وإحراق الأشجار والغابات وتدمير البيئة إرهاباً، فما هو الإرهاب إذاً؟ 

هذا من دون الدخول في اتهام أساسي لدى الأكراد، للجيش التركي، باستخدام أسلحة محرّمة دولياً، بينها أسلحة كيميائية، وهو ما سنعود إليه بشكل تفصيلي في نهاية هذه المقالة. لكن قبل الدخول في التفاصيل، لا بدّ من صورة عامة عمّا يحدث في الشمال العراقي على الحدود التركية. 

تاريخ من الصراع

الصراع التركي- الكردي يعود إلى سبعينات القرن الماضي حين بدأت الجماعات الكردية المطالبة بالانفصال عن تركيا، لتشكيل دولة كردستان المستقلة، أو لتحقيق حكم ذاتي داخل الأراضي التركية. منذ ذلك الحين لا تتساهل تركيا مع الأكراد، وتعمل جهدها لمنع قيام دولة كردية على حدودها. 

شنت تركيا منذ عام 1983 عشرات الحملات العسكرية ضد “حزب العمال الكردستاني” وهي مستمرة حتى اليوم. ومع حصول الأكراد على حكمهم الذاتي في إقليم كردستان العراق، زادت مخاوف الأتراك من القضية الكردية، وارتفعت حدة العداء بين الطرفين. ومنذ انطلاق الحرب على تنظيم “داعش” في العراق، خاضت تركيا بالتوازي حربها المعلنة في شمال البلاد على حزب العمال الكردستاني، وتقوم في خضم هذه الحرب باحتلال مناطق شاسعة من الشمال العراقي، وأنشأت بحجة قتال داعش عشرات القواعد العسكرية في مناطق عراقية مختلفة، منها كركوك وبعشيقة وصوران وقلعة جولان، وحولت المقر العسكري في منطقة حرير القريبة من أربيل إلى قاعدة عسكرية، إلى جانب معسكر “زمار” لتدريب جنودها. وتمتد مناطق انتشار القواعد التركية في إقليم كردستان العراق على طول الحدود بدءاً من معبر خابور وصولاً إلى منطقة صوران. 

وتتصرف تركيا بـ”أريحية” في الأراضي العراقية، بلا رادع ولا أي اعتبارات للسيادة أو الحدود. وتقوم بقصف أهداف في العمق العراقي عبر غارات بمسيّرات، إحداها كانت في منطقة كالار التي تبعد 379 كيلومتراً من الحدود التركية في 17 حزيران/ يونيو الماضي. 

مقاطع الفيديو والصور التي حصل عليها “درج”، تتضمن لقطات لمقاتلين أتراك، يبدو بوضوح العلم التركي على بدلاتهم العسكرية، يقومون بالتمثيل بجثث 13 مقاتلاً ومقاتلة من “حزب العمال الكردستاني” لقوا مصرعهم عام 2022، وسط مزاعم كردية بأنهم قتلوا بعد قصفهم بغاز الأعصاب المحرّم دولياً. 

تظهر المشاهد المروّعة جنوداً يحملون رؤوساً مقطوعة لمقاتلين أكراد، وآخرين يقومون بإحراق جثث. كما تظهر مقاطع صوّرها أكراد في المناطق التي تشهد قصفاً تركياً، استهداف مساكن لمدنيين ومعظمهم من المزارعين، فضلاً عن قتل مواشيهم وتهجيرهم من قراهم وتحويلها إلى أراض “محروقة” بالمفهوم العسكري، وأحياناً الحرفي، للكلمة. 

كما يرتكب الجيش التركي مجزرة بيئية في حق تلك المناطق عبر إحراق الغابات وقطع الأشجار ونقل أخشابها إلى السوق التركية، وقتل الحيوانات البرية، وسط صمت عراقي رسمي لافت، لم يخرقه إلا بيان في صيف 2021 لوزارتي الزراعة في العراق وفي إقليم كردستان تشجبان فيه قطع الأشجار، إضافة إلى تغريدة لرئيس الجمهورية برهم صالح وهو من القومية الكردية في 3 حزيران 2021، أي قبل عام تقريباً، قال فيها إن “التجاوز على السيادة والعنف ونزوح المدنيين من منازلهم وقطع أشجار الغابات في هرور وباتيفا وغيرها من المناطق الحدودية في إقليم كردستان، ممارسات غير إنسانية وجريمة بيئية لا يجب غض النظر عنها”. وبدا لافتاً عدم تسميته الجيش التركي، مطالباً بـ”التنسيق العملي بين سلطات الحكومة الاتحادية والإقليم لإيقاف التجاوزات ومحاسبة المذنبين”. 

لكن الحكومتين “الهزيلتين”، بحسب الباحث والكاتب الكردي هيوا عثمان، لا تلعبان أي دور ولا يخرج عنهما أي رد فعل لردع الانتهاكات التركية المتمادية إلى حدّ ارتكاب جرائم حرب واستخدام أسلحة محرّمة دولياً، من دون أي رادع أو اعتبار للسيادة العراقية، أو للقوانين الدولية. 

الحديث عن قصف بأسلحة كيميائية ومحرّمة دولياً، يتكرر في الجانب الكردي عند الحديث عن الاعتداءات التركية. 

لكن لا إثباتات ملموسة حتى الآن على هذه الادعاءات. والفيديوات التي حصل عليها “درج” تتضمن معطيات تحتاج إلى تحقيق دولي لتأكيد حصول هجوم كيميائي بغازات سامة على مناطق كردية، خصوصاً أن بعض الفيديوات تتضمن شرحاً بالكردية لدلائل وجدها مقاتلون أكراد في إحدى المغاور، يقولون إنها تثبت قصفهم بغاز كيميائي محرّم دولياً. 

كما أن لقطات حصل عليها “درج” لعشرات الحيوانات البرية، كالخنازير والطيور، المقتولة في الغابات من دون وجود آثار دم، ترجّح أن تكون تعرضت للقتل بمادة كيميائية، لكن كل هذه الأمور تحتاج إلى لجان تحقيق دولية من الأمم المتحدة على حدّ قول هيوا عثمان، الذي يؤكد أن الأمر ممكن، اذا ما تحركت الحكومة العراقية الاتحادية وحكومة الاقليم، فضلاً عن دور الإعلام في عرض هذه الانتهاكات وتوثيقها، وهو ما يضعه “درج” في تصرّف الحكومة العراقية وحكومة الإقليم والمجتمع الدولي، للتحقّق والتحرّك. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
نادية مبروك
“غسّلت أبنائي الثلاثة فمن يُغسّلني؟”… قد تجد كنيسة القديس أبو سيفين متبرعين من أثرياء الأقباط في مصر لإعادة ترميمها وتأمينها لكن مئات الكنائس -المقننة وغير المقننة- في مصر تبقى مسرحاً محتملاً لحرائق تلتهم ضحايا أبرياء في كل موسم صلاة أو صوم.
Play Video
نشرت مجلة “الإيكونوميست” البريطانية في 28 تموز/ يوليو الماضي افتتاحية لمقال بعنوان “لماذا النساء أكثر بدانة من الرجال في العالم العربي”، يتحدث عن بدانة النساء في الشرق الأوسط مرفقاً بصورة الفنانة العراقية إيناس طالب، من دون استئذانها، ضارباً تقارير المسح الخاصة عن البدانة في العالم الصادرة عن المؤسسات الصحية العالمية عرض الحائط، ما أحدث تبايناً في الآراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي العربية والغربية، إذ اعتبر كثيرون استخدام صورة إيناس جزءاً من خطاب مزوجيني معاد للنساء.

3:08

Play Video
على مدى ٣٣ عاماً خاض الكاتب سلمان رشدي الكثير من النقاشات العلنية حول كتابه “آيات شيطانية” وحدود حرية التعبير خصوصاً بعد فتوى هدر الدم التي عاش بموجبها سنوات طويلة في الخفاء والخوف حتى لحظة تعرضه لمحاولة قتل قبل يومين. رشدي دافع بشراسة عن حرية التعبير وهنا في هذا الفيديو وفي لقاء مفتوح له في العام 2018 يقول، “يقع الناس في فخ تصديق أنه من المحق الحدّ من حرية التعبير … إذا سلكنا هذا الطريق لن يتمكن أحد من التحدث بتاتاً”

2:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني