نقاش المثلية الجنسية بين  فيلمي “ما هي المرأة؟” و”الصعود إلى الهاوية”…

الفكر المحافظ بطبيعته يدرك ويعرف حقيقة وجود المثلية وغيرها من تلونات مجتمع الميم في هذا العالم، إلا أنه يريد لهذا الوجود التواري تحت عباءة الخطيئة، تماماً كما فعل بالمرأة عبر عقود مضت.

قبل عامين وخلال فترة الحجر الصحي، شاهدت الفيلم العربي “الصعود إلى الهاوية” وهو من أفلام أواخر السبعينات، ومقتبس عن قصة واقعية لطالبة جامعية مصرية يتم تجنيدها لمصلحة الموساد في فرنسا. ما لفت نظري في الفيلم هو مشهد المثلية بين الطالبة وصديقتها الغربية في الفيلم، وعلى غرار ذلك مشاهد المثلية في أفلام الكرتون التي كبرنا عليها منذ الصغر، فلماذا هذا الهجوم العنيف اليوم على إنتاج “ديزني” و”هوليوود”! ولماذا تسبب فيلم “ما هي المرأة؟” الأميركي بكل هذه السعادة لدى المحافظين في كل مكان!

لا شك في أن مؤشر الديموقراطية يتهاوى أمام أعيننا حول العالم، والديكتاتورية تستعد لعقود جديدة، وأكثر ما أخشاه ألا أستطيع التأقلم مع الواقع المرتقب، أنا ابنة جيل الثمانينات وقد كبرت على انتصارات استقلال الدول من تحت بطش السوفييت. وعلى مقياس ما يُعتقد عربياً، فإن الأخوان كانوا يطبخون لسنوات على نار هادئة، حتى تمكنوا سياسياً لأشهر معدودة، فها هي الدورة البشرية قد بلغت حد الغليان ويبدو أنها تنذرنا بنقلة جديدة وعلى الأجيال المتعاقبة الاستعداد لها وربما التأقلم معها.

بعدما أمضينا عقوداً نحاول إصلاح معادلة التركيبة الإنسانية بين تحرر العبودية وتمكين النساء، وما زال الطريق طويل جداً أمامنا، بتنا نرى بداية النهاية، إذ قد تستمر المرأة في تقدمها شكلياً واعتلائها المناصب القيادية نتيجة التحولات الفكرية التي تغلغلت اجتماعياً حول العالم، إلا أن ذلك لن يكون بعيداً من سطوة المستعبد وقراراته، كما لا يمكنه أن يكون دون خلق فجوة وطبقية بين النساء أنفسهن، إنه شيء أشبه بحالة تقلد أول رئيس للولايات المتحدة من العرق الأسود، والتي اعتبرها البعض نهاية العنصرية في البلاد، برغم استمرار استهداف الشرطة السود وشح الخدمات في مناطقهم وغيرها من أساليب التفرقة التي أنتجت حركة “حياة السود مهمة” خلال العامين الماضيين.

وبين عنوان المرحلة الماضية حقوق المرأة وحقوق مجتمع الميم حديث اليوم، بدأت الأصوات المؤيدة للفكر المحافظ الذي يسعى للحفاظ بشكل أساسي على كل ماهو موجود في البيئة اليومية، وهو الفكر المضاد لأي شكل من أشكال التنوير والتغيير، بمحاربة حراك مجتمع الميم وتشويه مطالبه ووجوده من الأساس. 

الفكر المحافظ بطبيعته يدرك ويعرف حقيقة وجود المثلية وغيرها من تلونات مجتمع الميم في هذا العالم، إلا أنه يريد لهذا الوجود التواري تحت عباءة الخطيئة، تماماً كما فعل بالمرأة عبر عقود مضت، فالمثالية أو التظاهر بها جزء أصيل من خارطة التيار المحافظ، ولأن المثالية في الأساس شبه مستحيلة وغير منطقية، فإن الأمر سيتطلب الكثير من الكذب والخداع والنفاق.

في الفترة الأخيرة، أثار مقطع طويل لعمل لا أقوى حتى على وصفه بالوثائقي، بل إنه توثيق للنظرة الأحادية المحافظة، يُدعى “ما هي المرأة”، شجون وأفكار المحافظين أميركياً وحتى في البقاع الأكثر استعداداً للتحول اليميني المحافظ حول العالم، ما اضطرني لمشاهدته، برغم علمي المسبق من خلال التعليقات التي استمتعت لها بتوجه الفيديو نتيجة خبرتي المهنية في مجال الإعلام المرئي، وليتني لم أفعل! فالأمر لا يحتاج لأي شكل من أشكال الخبرة، لاكتشاف الرسائل المباشرة السطحية المنحازة التي تريد تأكيد وجهة نظر بعيدة تماماً من العلم، ومتابعة العمل الركيك بكل المقاييس الإعلامية، والذي اجتزأ جوانب من الإجابات بشكل واضح، وقدم إجابات مكررة تؤكد وجهة نظر العمل، وحاول اختراق صفوف المتظاهرين الغاضبين المطالبين بحقوقهم متهكماً ليظهر نفسه الضحية، إلى أن انتهى العمل من دون أن يصل السائل إلى أي إجابة!

الكتاب يُعرف من عنوانه، والعنوان لم يسأل من هي المرأة أو ما هو الرجل، ولكن اختار أن تكون المرأة “شيئاً” من الأساس ليبحث عن حقيقته، وكأن الرجل هو الحقيقة المثبتة أساساً، وهذا يذكرني بمعلومة رسخت في ذهني عندما قرأتها في طفولتي عن سبب وجود الحلمات لدى الذكور، فالعلم يقول إن الأجنة تُخلق انثى أساسا إلى أن تتحدد هويتها بعد أسابيع. فضلاً عن أن العنوان يقود المتابع لتأطير مجتمع الميم تحت حواء تحديداً، فهي ضلع آدم الذي هو الأساس بالطبع، وهذا ما يبرز عندما تقول إحدى الضيفات بأنها لن تتفاجأ عندما ترى في المستقبل رياضات للرجال وللعابرين جنسياً فقط! وهذا موضوع آخر بحاجة إلى مقالة كاملة، فإثارة دخول العابرات جنسياً إلى الرياضات النسائية وسط التساؤل عن ماهية المرأة ومن دون التطرق للواقع المعاكس، أي بانضمام العابرين لفرق الرجال، ما هو إلا انحياز غير مهني تماماً يستخف بعقول المتابعين. فضلاً عن أن غالبية ما ذُكر في الفيديو هو لحالات لا نعرف كامل أطراف قصتها وتفاصيلها، لقد أخفق العمل بطرح زوايا عدة تائهة أخذتنا إلى أفريقيا وعادت من دون تحديد أي إجابات، زوايا وقضايا مختلفة تماماً، وضيوف من كل بحر فلا أحد يجيب على الآخر! 

هناك نقاط كثيرة يمكن تناولها أيضاً، مثل استخفاف الفيلم بالصحة العقلية النفسية للأطفال إذا ما قالوا إنهم يعتقدون أنهم قطط وإن كان علينا أن نتقبل ذلك! او ردود الفعل المتطابقة لضيوفه والشارع من استنكارهم طريقة طرحه الأسئلة التي تدين فكره الذي يحاول فرضه بكل سذاجه.

مجتمع الميم بدأ يظهر للعلن بعد قرون من الخوف والترهيب والقمع، سواء في استخدامه للمرافق العامة أو مراعاة مشاعره وفهم متطلباته، وكل ذلك سيسلك مساراً شائكاً كما عانت المرأة عندما بدأت العمل في أوساط الذكور للمرة الاولى، وها هي اليوم تتحدث عن الأمر بأريحية أكبر، وتطالب بما هو أبعد من توفير حمامات خاصة بها!

السجال الإعلامي السياسي الإقليمي والعالمي الحاصل حول مجتمع الميم، هو سعي لتهويل الأمر وكأن ظهورهم على مواقع التواصل الاجتماعي أمر مشين سواء كان جنسيا أم ثقافياً أم ترفيهيا. هذا الرهاب المنتشر من حولنا حول المثلية هو نتيجة الذهنية التي كبرت على شيطنتهم، فالمواد “الإباحية” للجنسين الأنثى والذكر مقبولة، ولكنها مرفوضة تماماً وعار لأي من مجتمع الميم، وهذا ما يذكرني بمشاهد النساء المثليات حتى في الأعمال العربية ومنها فيلم “الصعود الى الهاوية”، مقابل انتفاضة ذكور حول العالم بمجرد أننا اليوم بتنا نرى مشاهد مثلية للذكور في أفلام هوليوود، وهو أمر كاف لشيطنة السينما العالمية واتهامها بنشر الأفكار المتطرفة وإقحام مشاهد المثلية، فقط لأنها وصلت لتابو الذكر!

كل ذلك يضاف إلى تصفية الحسابات الحزبية في كل مكان وبخاصة في الولايات المتحدة التي أثبتت ذلك قبل أيام، بعدما حققت تراجعا لا إنسانيا في ملف الإجهاض لتصبح حديث العالم، لكنها ليست سوى الحجرة الصغيرة التي سقطت وسط المحيط، وسنرى إرتداداتها قريباً محلياً وعالمياً، بمزيد من التراجع على مستوى واقع حقوق الإنسان الذي يعيش أسوأ أيامه.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
كارمن كريم – صحفية سورية
يبدو أن الدول التي دعمت المعارضة بشكل صريح وجدت نفسها أمام حقيقة لم تحسب لها حساب: بقي الأسد في الحكم، وبعد 11 عاماً، لا بدّ من مراجعة الكثير من الحسابات على الساحة السياسية ووضع الجانب الإنساني للأزمة السورية جانباً.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني