ماذا تخفي معارك “تيك توك” بين ضابطين في الجيش والشرطة؟

يوليو 7, 2022
في مصر، اعتمدت الأنظمة المتعاقبة على الأجهزة الأمنية في حفظ وجودها واستمراريتها، وفي كل مرحلة، غالباً ما يكون هناك جهاز واحد يضطلع بهذا الدور، ويحصل على صلاحيات ونفوذ واسع حتى على الأجهزة التنفيذية الأخرى.

ظهر فيديو لأحد ضباط الجيش، يقوم فيه بتمثيل اقتحام قوة أمنية مكان إقامته، وحين يخبره ضابط الشرطة بهويته، يباغته ضابط الجيش بـ”بوليس مين يا ****” في شتائم بذيئة لجهاز الشرطة المصرية وسلطتها.

الفيديو ينتشر ويُعاد تداوله في مشاهد تمثيلية لضباط جيش آخرين على حساباتهم على تطبيق “تيك توك”. المشاهد تحيي في الأذهان، الخلاف على النفوذ بين ضباط الجيش والشرطة في مصر، والذي يتحدد بموجبه من منهم يقوم بدور حفظ النظام السائد والعمل على ضمان استمراريته، بأي وسيلة.

يحتفل ضباط القوات المسلحة بانتصارهم الكبير في معركة النفوذ على قوات الشرطة، واضطلاعهم بدور حفظ النظام الحالي وضمان استمراريته.

طبيعة الندية بين الأجهزة الأمنية

تخضع الأجهزة الأمنية في أي دولة لسيادة الدولة نفسها، ومهمتها حماية الأمن القومي الخارجي والأمان والاستقرار الداخلي للمواطنين، بحسب الأمم المتحدة، فهي الغطاء السلمي للدولة والذي يوفر البيئة المناسبة للاستقرار والتنمية.

لكن العلاقة بين الأجهزة الأمنية في أي دولة من دول العالم، قد تسودها الندية أحياناً، فيما قد تنشأ بينها خلافات في أحيان أخرى، وحتى قطاعات الجهاز الأمني الواحد قد تنشأ صراعات في ما بينها، بسبب حجم السلطة الممنوحة والاختصاصات، لكن في الدول المؤسساتية تكون الخلافات مضبوطة إلى حد كبير بالقانون.

في مصر، اعتمدت الأنظمة المتعاقبة على الأجهزة الأمنية في حفظ وجودها واستمراريتها، وفي كل مرحلة، غالباً ما يكون هناك جهاز واحد يضطلع بهذا الدور، ويحصل على صلاحيات ونفوذ واسع حتى على الأجهزة التنفيذية الأخرى. بعد “حركة يوليو” (الضباط الأحرار في الخمسينات) كانت القائمة بتلك المهمة، هي القوات المسلحة، ثم بدأ الأمر يتغير بعد واقعة اغتيال أنور السادات، إذ أسند الرئيس حسني مبارك دور حفظ استقرار النظام إلى الأجهزة الأمنية الشرطية، ومن وقتها بدأت الضغائن في الظهور إلى السطح، متخذة أبعاداً مختلفة.

وفق معهد “كارنيغي للسلام”، احتلت المؤسسات الشرطية، في عهد مبارك، مكان الصدارة في فرض السلطة الرئاسية والحفاظ على النظام، ما أدى إلى إبعاد القوات المسلحة من الخلفية، وخلال العقد الأخير من حكم حسني مبارك، تعمق ازدراء القوات المسلحة لوزارة الداخلية والأجهزة الأمنية التي بدأت تحتل دوراً كبيراً، وكانوا ينظرون إليهم على أنهم مرتبطون بخطط صعود جمال مبارك.

وفوق ذلك، كان ضباط القوات المسلحة يشتكون من ضعف الرواتب وظروف الخدمة المتدنية، حتى إن الميزانية السنوية لوزارة الداخلية تضاعفت أكثر من ميزانية وزارة الدفاع ثلاث مرات خلال العقد الأخير من حكم مبارك.

في تلك الفترة كان يمكنك حتى أن تشاهد فيلماً ينتقد أعلى رتبة في القوات المسلحة، مثل فيلم “ملف سامية شعراوي” إنتاج 1988، والذي صور القائد العام للقوات المسلحة، وهو يسهر حتى مطلع الفجر، إضافة إلى فساده السياسي والمالي، لكن تلك الضغائن كانت تحت السطح، حتى أواخر عهد مبارك، حين اندلعت أحداث “قسم 15 مايو” في 2009. اقتحم مجموعة من طلبة الكلية الحربية القسم وحطموه بعد شكوى لحد طلاب الكليات العسكرية من مضايقة أحد ضباط القسم له بالشارع، وهي الأحداث التي عُرفت باسم “أحداث قسم 15 مايو”.

إقرأوا أيضاً:

وحكم الجيش…

عام 2012 كنت داخل قسم شرطة، قصر النيل، للتغطية الصحافية، حين دخلت قوة أمنية إلى قسم الشرطة، بصحبة مجند من القوات المسلحة ألقوا القبض عليه في ميدان التحرير، لأنه كان يستوقف المارة ويسألهم عن بطاقات هوياتهم، دون مبرر قانوني. 

ما لفت انتباهي، هو المعاملة التي لاقاها المجند، لم يمسسه أحد بسوء حتى لو بكلمة، ولم يحقق معه أحد، بل تمت استضافته في غرفة رئيس المباحث وقُدم له مشروب بارد، إلى أن جاء ضابط من القوات المسلحة واستلم المجند، ومضى.

بعد ثورة 25 يناير وبسبب الدور الكبير الذي لعبته القوات المسلحة في حفظ الأمن الداخلي والنظام، بعد الانكسار الذي لحق بجهاز الشرطة وأمن الدولة، بدأت الصراعات على النفوذ تتصاعد أكثر وأكثر إلى السطح، وأصبح من الممكن أن نرى مشهداً لضابط من القوات المسلحة يقوم بتكدير ضابط شرطة، كما فعل ضابط من القوات المسلحة، مع ضابط مباحث و4 من أفراد وأمناء الشرطة، إذ أجبرهم على الوقوف في طابور عقاب، وهو أسلوب تأديب في العسكرية المصرية.

انكسار جهاز الشرطة أمام القوات المسلحة، كان واضحاً. عام 2015، اعتدى ضابط و3 أمناء شرطة على ضابط بالقوات الجوية في شارع جامعة الدول العربية عام 2015، وخلال التحقيقات شهد أمين شرطة، بأن أحد الضباط الآخرين الحاضرين في الكمين حاول منع واقعة الاعتداء، إلا أن الضابط المعتدي أبعده، وقال له نصاً، “انتوا عايزين تركبوهم علينا- في إشارة إلى ضباط القوات المسلحة”.

وضع تعكسه هتافات الشرطة ضد القوات المسلحة، “يسقط يسقط حكم العسكر”، والتي تكررت في الفترة الأخيرة، كما حدث في الاشتباكات بين قوات الشرطة وقوات الجيش أمام قسم إمبابة عام 2014. حتى الهتافات التقليدية للشرطة العسكرية تغيرت وصارت تعبر عن رؤيتهم لأنفسهم ضد الشرطة، مثل هتافهم “الشرطة العسكرية فوق، والباقي تحت”.

إقرأوا أيضاً:

عهد المنسي الأسطورة

القوات المسلحة حالياً، منحت نفسها الصلاحيات الشرطية كاملة. عام 2012، منح وزير العدل، ضباط المخابرات الحربية وضباط الشرطة العسكرية، صفة مأموري الضبط القضائي في الجرائم التي تقع من غير العسكريين، وهو أمر من اختصاص جهاز الشرطة.

وعام 2020، وافق البرلمان على مقترح من الرئيس عبد الفتاح السيسي بإضافة تعديل، يعفي العسكريين من الحصول على إذن من المدعي العام قبل اعتقال وحجز ومصادرة أموال المواطنين، متخطية بذلك حتى الصلاحيات الممنوحة للشرطة، والتي تفرض عليهم الحصول على إذن قضائي مسبقاً.

كما تسمح التعديلات للنيابة العسكرية بالتحقيق في الحوادث والجرائم التي يرتكبها مدنيون دون منحهم الحق في المثول أمام قاض، وتشكيل محكمة طوارئ عليا لأمن الدولة، تضم قضاة عسكريين دائمين، وهي تعديلات منهجية تهدف إلى توسيع اختصاص الجيش إلى المحاكم المدنية، بحسب وصف صحيفة “الغارديان”.

قبل ذلك، كانت اختصاصات القوات المسلحة في التعامل مع المدنيين، تقتصر على الجرائم التي يرتكبها مواطنون وتمس القوات المسلحة وأفرادها ومعداتها في جانب منها، ويتم التحقيق معهم فيها أمام القضاء العسكري، أما الجرائم التي لا تمس القوات المسلحة، فهي من اختصاص الشرطة.

لكن الشرطة العسكرية، التي كانت تتولى فقط مهمة تحقيق الانضباط بين الجنود والضباط، وتحقيق الأمن الجنائي داخل القوات المسلحة، يمكنها أن تتعامل حالياً مع المدنيين، وتقوم بدور جهاز الشرطة، وبرغم أن القوات المسلحة لا تنفذها على أرض الواقع، إلا أنها تأكيد للنفوذ الذي بات يملكه ضباط الجيش على ضباط الشرطة. 

من السيطرة إلى الاستيعاب

بدأت القوات المسلحة بعد عام 2015، في استيعاب الجهاز الشرطي نفسه، حيث تتولى مهمة رفع مستوى قوات الأمن بالتدريبات التي باتت تجريها لقوات الأمن المركزي، وتوليها مسؤولية تحديث معدات الأمن من مصانع تابعة للقوات المسلحة، وبات السيسي ينظم زيارات دورية إلى معسكراتهم وكلياتهم، بعدما كانت الزيارات نادرة أو قليلة في الفترات السابقة.

ومع الأعمال الفنية التي تمجد بطولات القوات المسلحة في حفظ الأمن الخارجي والداخلي، أعطت قوات الشرطة نصيباً من تلك المسلسلات وإن لم يكن كبيراً. لكن على أرض الواقع، يحتفل ضباط القوات المسلحة بانتصارهم الكبير في معركة النفوذ على قوات الشرطة، واضطلاعهم بدور حفظ النظام الحالي وضمان استمراريته.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني