قطاع الاتصالات في لبنان: أغلى تعرفة لأسوأ خدمة

القدرة على التشبيك والاتصال ستنعدم عند فئة كبيرة من اللبنانيين، كما ستتقلّص إلى أكثر من النصف لدى فئة أخرى. بذلك، انضمّ لبنان إلى أغلى تعرفة اتصالات في العالم، مقابل أسوأ دول العالم خدماتياً.

ها هو يوسف يجلس على شرفة منزله في إحدى القرى الجنوبية ويستمع إلى الراديو. إنه اليوم الرابع الذي يمرّ عليه من دون استخدام أي شكل من أشكال التواصل عبر الانترنت. فبعد أن ارتفعت أسعار الاتصالات، قرّر يوسف الاعتكاف عن استخدام الهاتف والعودة إلى الأساليب التقليدية للتواصل. 

حال يوسف كحال كثر. “سنكتفي بالانترنت في المنزل…”، كانت هذه إجابة عشرات اللبنانيين حين سألناهم عن الميزانية التي سيخصصونها لخدمات الإنترنت بعدما دخلت أسعار الاتصالات الجديدة حيّز التنفيذ، من خلال احتساب أرصدة المشتركين على سعر منصة صيرفة، وفقاً لقائمة الأسعار التي ام الاتفاق عليها بين شركتي الخليوي وهيئة “أوجيرو” ووزارة الاتصالات. 

تعمّدت شركتا “ألفا” و”تاتش” تعميم أسعار خدماتهما وبطاقاتها الخليوية بالدولار الأميركي، مرفقة جداول مقارنة بين الأسعار الحالية بالدولار وتلك التي أصبحت عليها ابتداءً من الأول من تموز/ يوليو، ليتبيّن بالمقارنة وبشكل واضح تراجع كافة الأسعار بنحو 300 في المئة بالدولار الأميركي، في حين أنه بواقع الأمر ارتفعت كافة الأسعار بالليرة اللبنانية بنسبة كبيرة جداً تتراوح بين 500 و700 في المئة.

كعادتهم، قابل لبنانيون كثر الأزمة بالسخرية. إذ انتشرت نكات حول تقنين استخدام الإنترنت وأخرى عن طرق الاحتساب المعقّدة لتكلفة الاتصالات. إذ لم يعرف بعد عدد كبير من اللبنانيين حتى تكلفة حزمات الانترنت الجديدة، لا سيما أن البطاقات مسبقة الدفع شبه مفقودة من السوق. باختصار، فإن سعر تعرفة الاتصالات ارتفع 5 أضعاف ما كانت عليه لكل فرد. على سبيل المثال، بطاقة الخليوي مسبقة الدفع لمدة 30 يوماً، التي كان يبلغ سعرها 22.7 دولار (أي نحو 34 ألف ليرة باحتساب سعر الدولار 1515 ليرة)، أصبح سعرها ابتداء من 1 تموز 7.58 دولار، (أي 191 ألف ليرة وفق سعر صيرفة، 25200 ليرة للدولار). وبذلك يكون سعر البطاقة قد ارتفع بالليرة اللبنانية بنحو 560 في المئة. 

هكذا إذاً، استيقظ اللبنانيون على خسارة 94 في المئة من أرصدتهم، بعدما قلبت “ألفا” و”تاتش” الأرصدة من الليرة إلى الدولار على سعر صرف منصة “صيرفة”، أي 25 ألف ليرة للدولار الواحد. في هذا السياق، يقول خبير الاتصالات والمدير العام السابق لشركة “تاتش” وسيم منصور لـ”درج”، “السلطة اللبنانية تقصّدت اعتماد سعر منصة صيرفة، وهو سعر متحرّك، حتى أنها لم تعتمد سعر 8000 أو 12000 ليرة لبنانية مثلاً، كما هو معتمد في المصارف، وذلك بهدف جني المزيد من الأرباح على حساب اللبنانيين”. 

رفع الأسعار هذا كان خطوة مفاجئة، لا سيما أن الوزراء الذين توالوا على وزارة الاتصالات تعمّدوا خفض الأسعار لغاياتٍ سياسية. وأول محاولة لرفع التعرفة كانت عام 2019، حين حاولت السلطة فرض ضريبة 6 دولارات على الاتصالات عبر تطبيق “واتساب”، والتي كانت شرارة لانطلاق احتجاجات شعبية واسعة. هذه المرة، قاربت السلطة الإجراءات بحذر، وهيّأت المواطنين لدخول الاتصالات إلى لائحة “الخدمات المدولرة” وتحويلها إلى سلعة خاصة بالطبقة الميسورة حصراً. 

منذ تشكيل الحكومة التي يرأسها نجيب ميقاتي، يُصر وزير الاتصالات جوني قرم على إعادة النظر بتسعيرة الهاتف “لأن لا خيار آخر من أجل تأمين استمرارية القطاع”. وفي هذا السياق، يُعيد منصور ارتفاع الأسعار في قطاع الاتصالات إلى أزمة الشركتين المتعلقة بتأمين المازوت وصيانة المحطات. لكن وفق منصور، فإن “استمرارية قطاع الاتصالات لا يحتاج إلى زيادة الأسعار 5 أضعاف، وما تلك الزيادة إلا ضريبة مقنّعة يدفعها اللبنانيون”. 

لا مازوت… لا إنترنت!

مشكلة ضعف الانترنت والاتصالات لم تعد مرتبطة بالأطراف والمناطق النائية فقط، إنما امتدت لتشمل الأراضي اللبنانية بسبب توقّف بعض محطات الإرسال والسنترالات عن العمل، سواء التابعة لهيئة “أوجيرو” أو لشركتي الخليوي “ألفا” و”تاتش”. ويُعتبر نفاد المازوت من الأسباب الرئيسة للانقطاع، وهو ما تعلنه أوجيرو مراراً وفي أكثر من منطقة. 

أزمة الاتصالات وما تعنيه من عزل اللبنانيين عن العالم وتعطيل حياتهم وأعمالهم، مرشحة للتوسّع الآن، بعدما رُفعت الأسعار. إذ يقول المدير التنفيذي لمنظمة “سمكس” محمد نجم، “القدرة على التشبيك والاتصال ستنعدم عند فئة كبيرة من اللبنانيين، كما ستتقلّص إلى أكثر من النصف لدى فئة أخرى، لا سيما أنها تتزامن مع أزمة اقتصادية حادة”. بذلك، انضمّ لبنان إلى أغلى تعرفة اتصالات في العالم، مقابل أسوأ دول العالم خدماتياً. إذ ينحدر لبنان نحو المزيد من السلبية المدعّمة بمؤشّرات دولية. بعد سلسلة من التصنيفات السلبية للاقتصاد، يأتي تراجع تصنيف “البنك الدولي” للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد في لبنان عن عام 2021. فالتقرير الأخير يُشير إلى تراجع لبنان إلى فئة “بلد ذي دخل متوسّط أدنى”، بعدما كان “بلداً ذا دخل متوسّط أعلى” منذ نحو 25 عاماً.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني