بعد 25 عاماً على الإحصاء الأخير:
العراق يعتزم تعداد سكانه… ومخاوفه!

"مبدأ المواطنة يجب أن يسود في دولة القانون والديمقراطية وأن تتم معاملة جميع المواطنين وفق نظرة متساوية من دون النظر إلى دينهم أو طائفتهم أو انتمائهم القومي".

تعتزم الحكومة العراقية البدء بإجراء تعداد عام للسكان في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، في خطوة تهدف إلى جمع المعلومات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية للسكان، ونشرها بهدف توفير متطلبات الدولة واحتياجات المخططين والباحثين من البيانات الأساسية عن السكان والمساكن التي تتطلب خطط التنمية، وتوفير إطار حديث للأبحاث الإحصائية المتخصصة التي تجرى بأسلوب العينة، وتوزيع الاستثمارات بين المحافظات ونسب الفقر والبطالة في كل محافظة فضلاً عن قياس الموارد البشرية ونوعيتها وكميتها واتجاهاتها. والإحصاء مسألة ملحة وضرورية للدول والحكومات لكي تدير شؤون الناس والبلاد، وآخر إحصاء في العراق كان قبل ما يزيد على 25 عاماً، عام 1997.

ومع أن وزارة التخطيط العراقية تؤكد أن”استمارة المشاركة في التعداد لن تتضمن أي أسئلة بشأن القومية أو المذهب بخلاف المحاولات السابقة لإجراء التعداد، التي قوبلت برفض واسع بسبب نيتها سؤال العراقيين عن قومياتهم ومذاهبهم”، إلا أن عراقيين كثراً لا يزالون يشككون في عدم تضمّن التعداد إشارات إلى الطائفة أو المذهب أو القومية. وهذا ما يتفق مع ما يقوله الناشط المدني شمخي جبر عن أن “الهدف غير المعلن لبعض السياسيين و أحزابهم وطوائفهم هو البحث عن رصيدهم السياسي هنا أو هناك في هذه المحافظة أو تلك”. وكانت وزارة التخطيط العراقية، كشفت عن مطالب ضاغطة من أحزاب تطالب بأن يتضمن التعداد السكاني سؤالاً عن المذهب أو الطائفة، وهذا يخالف الدستور العراقي، بحسب الوزارة.

ويدعو شمخي عبر “درج” ألا تتضمن بطاقات أو استمارات الإحصاء أي إشارات طائفية حتى تكون هذه الخطوة الأولى لمغادرة الخندق الطائفي الذي يغرق فيه بعض السياسيين خدمة لمصالحهم الفئوية على حساب مصالح المواطنين.

ويشير شمخي إلى أن “مبدأ المواطنة يجب أن يسود في دولة القانون والديمقراطية وأن تتم معاملة جميع المواطنين وفق نظرة متساوية من دون النظر إلى دينهم أو طائفتهم أو انتمائهم القومي”.

“الهدف غير المعلن لبعض السياسيين و أحزابهم وطوائفهم هو البحث عن رصيدهم السياسي هنا أو هناك في هذه المحافظة أو تلك”.

كشف المجازر

تنتظر الكثير من الأقليات في العراق بترقّب إجراء التعداد العام للسكان كونه سيكشف حجم المجزرة التي وقعت بحقهم ما بعد عام 2004 وأكثرها قسوة وإجراماً ما فعلهُ تنظيم “داعش” الإرهابي بحق الايزيديين والمسيحيين في شمال العراق منذ عام 2014.

الناشط في حقوق الأقليات الإيزيدي ساهر ميرزا من قضاء سنجار، يرى أن “عملية التعداد لن تجرى”، والأسباب كما يراها ميرزا، تعود إلى أن”الدولة العراقية ستواجه كارثة إذا تم الكشف عن إحصاءات تفضح حجم المجازر التي تعرض لها الشعب العراقي ومن ضمنهم الأقليات الدينية وخاصة الأقلية الايزيدية التي تعرضت لإبادات جماعية كثيرة منذ تأسيس الدولة العراقية وكانت آخرها الإبادة الجماعية بحق الأيزيدين في أغسطس 2014 على أيدي تنظيم داعش الإرهابي وراح ضحيتها قرابة 8 آلاف شخص بين مفقود ومخطوف ومقتول وغالبيتهم من النساء والأطفال.

و من ناحية أخرى، يرى ميرزا أن هناك زيادات في أعداد بعض الأقليات، ما يستدعي حين الكشف عنها زيادة نسبة نوابها في البرلمان العراقي. وهذه مسألة ستشكل مشكلة للنظام القائم، وهذا يزيد من قناعة ميرزا من أن “عملية الإحصاء لن تجرى”.

إقرأوا أيضاً:

معارضة كردية

رئيس “هيئة المناطق الكردستانية” خارج إدارة الإقليم فهمي برهان عن قلقه إزاء الوضع الإداري والخدمي والأمني في المناطق المتنازع عليها بين أربيل وبغداد، قائلاً إن عمليات “التعريب في تلك المناطق متواصلة”، محذراً في الوقت نفسه من إجراء التعداد السكاني في تلك المناطق من دون مشاركة اللجنة المشتركة التي تشرف على تطبيق المادة 140 من الدستور. وهي تتضمن مجموعة خطوات لتسوية الأوضاع في المناطق التي شهدت تغييرات ديمغرافية بين عامي 1968 و2003، وذلك من خلال تطبيع الأوضاع، وإجراء تعداد سكاني واستفتاء لتحديد مصير المناطق المشمولة.

ويقول برهان لـ”درج”: لقد قطعنا عهداً بأن نتعامل مع المناطق خارج إدارة الإقليم وفق رؤية مشتركة هادئة، وحتى تطبيق بنود المادة 140 من الدستور، لا يمكننا الحديث عن تطور الحياة من الناحية الإدارية والاجتماعية والسياسية”، مردفاً، “نحن قلقون جداً من الأوضاع عامة في تلك المناطق من خانقين إلى سنجار”.

ويرى برهان في الإحصاء المنوي إجراؤه، “أمراً خطيراً، وينبغي لحكومة إقليم كردستان والقيادة السياسية الكردية التعامل مع هذا الموضوع بحذر شديد ولا يمكن إهماله”، مؤكداً أن الحكومة العراقية ستجري إحصاءً لمناطق العراق كافة، و”لدينا طلبان في هذا الإطار: الأول دراسة هذا الموضوع بدقة قبل الإقدام عليه، والثاني عدم امكانية إجراء الإحصاء في المناطق المشمولة بالمادة 140 من الدستور من دون اللجنة الدستورية المشتركة المعنية”. 

التخصيصات المالية

مع ذلك، وبرغم التحفظات، والتوقّعات، يبقى تنفيذ التعداد العام للسكان مشروطاً بتوفير الظروف المناسبة، منها تخصيص الميزانية المالية ضمن الموازنة العامة، في وقت تطالب الوزارة بتخصيص 120 مليار دينار (80 مليون دولار) لتغطية متطلبات التعداد الذي يتضمن الكثير من العمليات والإجراءات، تبدأ من تهيئة 150 ألف جهاز لوحي وعملية تدريب العاملين على الإحصاء وتوفير 150 ألف عدّاد وباحث ميداني وعمليات حصر وترقيم الدور والمنشآت وبناء مراكز لمعالجة البيانات وخطوط إنترنت وتأمين الإرسال إلى المركز الوطني لمعالجة البيانات، وكلّها أمور لوجستية يمكن تجاوزها، إذا توفّر قرار سياسي وسيادي بإجراء الإحصاء.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني