انتهاك جنسي ومادي: ثلاث قاصرات عراقيات
أرغمن على العمل في الملاهي الليلية 

يحدث ذلك في العراق بشكل شبه علني ومن دون تدخّل من الدولة ولا القضاء. ملاه ليلية تستغل القاصرات، اللواتي يتم ابتزازهن جنسياً مقابل أموال بخسة للغاية.

في ما يلي قصص لثلاث قاصرات “يعملن” في أحد الملاهي الليلية في بغداد، هرباً من ظروف عائلية مزرية وظالمة، ليقعن في حال أسوأ لجهة المعاملة والانتهاكات الجسيمة لحريتهن وطفولتهن المطعونة بخنجر الذكورية، في بلاد تحارب النساء بكل ما أوتيت من قوة.

سهاد 

“اجبرني مسؤولي في النادي الليلي، على ممارسة الجنس مع رجل يتخطى عمره 70 عاماً، تكرر الأمر معي، لا استطيع الرفض، سوف يرمي بي في الشارع”. 

تحاول سهاد (15 سنة) اخفاء الندبة فوق معصمها، تقول إنها حاولت الانتحار أربع مرات، منذ بدء عملها في ذلك الملهى الليلي، قبل سنة ونصف السنة. كانت طفلة، وما زالت طفلة، تحاول استيعاب ما يحصل حولها، تؤكد أن عالم الليل، لا يشبه عالماً آخر في الحياة. 

سهاد، وهذا اسم أرادت أن نكتبه بديلاً عن اسمها الذي بدوره، لا تتداوله في الملهى ومع الزبائن، تعمل بدوامين، الأول يبدأ عند الثامنة مساء حتى الثانية عشرة، تستريح وتتناول بعض الطعام، لتبدأ دواماً ثانياً، من الواحدة حتى خروج آخر رواد الملهى. 

“جئت إلى هنا بعد وفاة والدتي، إذ تبرأ مني الجميع، ابي، عائلته، وعائلة امي، أمضيت وقتاً طويلاً وسنين من الشقاء والتنقل بين بيت وآخر، حاول ابن عمي الاعتداء عليّ، واراد الزواج بي حين كنت لا أتجاوز الـ13 سنة. نجوت من الزواج المبكر، لكنني لم أنج من القسوة المبكرة”. 

لا تشرح لنا سهاد طريقة وصولها الى عالم الليل، وصلت وحسب، كما تقول، ولربما، الليل وحده يأويها، في مقابل ما يسرقه الليل منها. توضح أن الاستغلال متنوع في المكان الذي تعمل فيه، فهو جسدي، نفسي، ومادي. يقوم الشخص المسؤول عنها وعن مجموعة من الفتيات بإجبارهن على فعل كل الأمور التي يطلبها منهن، كالرقص مع الفرقة الموسيقية والمغني، أو التوجه الى الطاولات ومحاولة التقرب من الزبائن “لا نريد فعل ذلك، نُجبر أيضاً على ارتداء أيضاً معين من الثياب”.

تؤكد سهاد، أن جميع العاملات في الملهى الليلي، يقدمن خدمات متعددة، من الرقص إلى تقديم الشراب والطعام، ثم تذهب كل واحدة برفقة من يريدها ويختارها. لا شيء يحدث بإرادتنا، والتي ترفض، تُضرب وتُهان. 

يحدث ذلك في العراق بشكل شبه علني ومن دون تدخّل من الدولة ولا القضاء. ملاه ليلية تستغل القاصرات، اللواتي يتم ابتزازهن جنسياً مقابل أموال بخسة للغاية، إذ يبدو أن هناك “مافيا” تجني الأموال من تجارة الأجساد على حساب القاصرات.

توتي 

قاصرة أخرى تروي لنا قصتها. اسمها “الفنّي” توتي. لها من العمر 16 سنة. رمت بها الحياة، مثل كرة قدم، نحو ملعب تجارة الجنس والاستغلال الجسدي. تبالغ في وضع المكياج على وجهها. تفوح منها رائحة مثبّت الشعر لكثرة ما استخدمته لتثبيت تسريحتها. ثيابها مرصّعه بأكسيسوارات لامعة: “حتى ثيابي الداخلية عليها أن تكون أكبر حجماً لإبراز مفاتني”، تقول. ثم تردف: “أشعر بالخجل… آه والله، ألا تصدّقين؟”. على كتفها، وشم يحمل عبارة “يا جرح” واسألها عنه، تضحك وتقول، “لا تعتقدي انني غاضبة بسبب رجل، فما زلت طفلة كما قالت أمي قبل ان اهرب من المنزل”. 

توتي الطفلة، هربت من بيتها في الناصرية، بعدما قرر والدها تزويجها للمرة الثانية من طاعن بالسن، بعد وفاة زوجها الأول، الذي تزوجته وهي في الثالثة عشرة، وكان يكبرها بأربعين سنة، توفي بصراع عشائري، ولم ترث شيئاً منه، ما أغضب والدها، وجعله يفكر بتزويجها مرة ثانية لأحد الأثرياء لعلّه يستفيد من “الصفقة”. 

“في المرة الاولى لم اوافق، بيني وبين نفسي فقط، وهو توفي بعد سنة من زواجنا، المرة الثانية جلب والدي شخصاً لا يستطيع المشي، لكنه يستطيع الزواج والتكاثر، وأصغر أحفاده، أكبر مني، أصبت بالرعب، لكن لم أخبر والدي بنيتي الرفض، سيقتلني، فلو تأخرت بجلب كأس الماء إليه يضربني به، كيف لو قلت له لا في مسألة كالزواج؟”. 

هربت توتي إلى بغداد، وفي إحدى محطات الحافلات، اقتربت منها سيدة، وأرادت “مساعدتها”، فحدث ما حدث: “كانت ام سيف، السمسارة، المسؤولة عن اختطاف الفتيات من محطات الباصات، الضائعات والحائرات. استقبلتني في منزلها الذي يحوي 10 نساء بأعمار مختلفة، ولم تبدأ طلبها بمنحها ايجار، إلا بعد ثلاثة أشهر من المكوث عندها، وكأنها احتجزتني خلال هذه المدة كلها رهينة، فخيرتني بين العمل، أو الخروج من المنزل، تعرف أنني لن أستطيع الخروج، قبلتُ العمل على مضض”. 

توتي لا تتقن الرقص، وهذا أول ما طُلب منها، كنوع من التحضير للآتي، صارت تقف مع حشد من النساء الجميلات في الملهى، للرقص والاستعراض فقط: “بعضنا يرقص بحفاوة على صوت الأغاني وتصفيق الزبائن، والأخريات يقفن مذهولات”.

تتقاضى توتي مصروفاً شهرياً يقدر بمليوني دينار عراقي، تصرفه معظمه على الثياب والخياطين، والكوافير، فهذا ما يتم فرضه على الفتيات، وما يتبقى، يكون إيجار بقائها في منزل ام سيف، التي توفر لهن بشكل يومي، سيارة خاصة تقلهن الى الملهى، اما الاموال التي تجنيها جراء ممارسة الجنس بعد العمل، فتكون من حصة ام سيف وصاحبة الملهى، تأخذ هي بعض المال احياناً وتخبّئه، دون علمهما.

تؤكد توتي أن أم سيف امرأة ذات نفوذ، ترتبط بأشخاص مهمين، لم توضح أهميتهم، لكنها تسرد إحدى الوقائع قائلة: “مرة، ألقي القبض عليها، بعدما تعرضت إحدى فتياتها للضرب من قبل احد الزبائن، ما أدى إلى دخولها المستشفى، بعدها بيومين، داهمت قوة عسكرية العسكرية المنزل، ولم يكن فيه سوى ام سيف وأربع من الفتيات، انا كنت في الملهى حينما ورد اتصال يؤكد اعتقالها، لكن لم أكد أصل إلى المنزل حتى وجدتها تدخن النرجيلة”. توضح توتي ان اعتقال ام سيف لم يدم سوى نصف ساعة، أحد الضباط الذي كان يبحث عنها منذ فترة طويلة، واستطاع ايجادها، تحداها، وقال لها، سوف تتعفنين في السجن، لكنها ضحكت. وخرجت سريعاً من السجن.

إقرأوا أيضاً:

كاميليا 

فيما تعدّل توتي مكياجها، تدخل إحدى الفتيات. اسمها كاميليا، وهي من مواليد عام 2008. أي أنها في الرابعة عشرة فقط. كانت كاميليا بكامل اناقتها تستعد لوضع بعض مساحيق التجميل، واخفاء ندبة كبيرة على يدها: “منذ صغري كانوا يقولون إنني أشبه ممثلة مصرية اسمها كاميليا، فأحببت الاسم، وربما ينالني شيء من حظها”. أخبرها أن كاميليا ماتت بحادث طائرة: “نيالها خلصت من الدنيا”، تجيبني من دون أن يرفّ لها جفن.

تهمس كاميليا، أن الندبة على يدها سببها الشخص المسؤول عنها، بعد رفضها الذهاب برفقة أحد زبائن الملهى: “أراد تأديبي، واخبرني ان هناك المزيد، في حال رفضت طلباته”. 

هربت كاميليا من أبيها، مع امها، بعد سلسلة من التعنيف المستمر، الذي أدّى إلى بتر إحدى قدمي والدتها. هنالك آثار من تعذيب الوالد، ما زالت ماثلة على ظهرها، وساقها، يكاد يكون جسدها بحسب قولها مختبراً للأمراض “الرجالية”. 

“هربنا إلى بغداد من أبي الذي كان يبحث عنا. والدتي أرادت أن أذهب الى دار الايتام، لكنني لم أستطع تركها”.

عاشت كاميليا مع والدتها في غرفة تعج بالفئران، كانت مخزناً، استعارتاه من رجل طيب بحسب قولها، “كان يقول ابقيا هنا، ولا تفكرا بإيجار أو شيء، بخاصة أن الأموال التي اخذناها معنا كانت قليلة جداً، حاول الرجل إيجاد عمل لوالدتي، كان يرفض عملي لأنني فتاة، وصغيرة، لكن من يقبل بعمل امرأة بقدم واحدة؟”. 

عملت كاميليا في الفترة الأولى في أحد المقاهي، تقدم العصائر والدخان، فأراد صاحب المقهى ان تنتقل الى ملهى يمتلكه، رفضت كاميليا، فأجابها: “هذا أمر وليس طلباً. او تخرجين من هنا”، مشيراً إلى باب المقهى. 

انتهى بها الأمر في الملهى، جسدها فريسة لـ”المهتاجين البيدوفيليين”، كما تصفهم. كانت تضع اللمسات الأخيرة على مكياجها الذي يخفي خلفه وجهاً مغموراً بالأسى. تنظر إليّ، بوجهها الجديد. المكياج لا يغطي حدقتيّ عينيها. فيهما كل الألم والحزن، لكن بلا دموع. تضع ابتسامة مزيّفة على وجهها وتتركنا وتتجّه إلى الصالة، حيث تجمعات لرجال يلهثون ويسيل لعابهم. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني