حكم قضائي أردني ضدّ سعد الحريري:
لم يسدد فواتير “انتخابية” لشركة سفريات

اعتكف سعد الحريري عن المشاركة في الانتخابات الأخيرة، فالأضرار والخسائر التي لحقت به جرّاء مشاركته في السياسة اللبنانيّة، فاقت المكاسب التي حقّقها، إلا أنّ خياراته الخاطئة انتخابيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً ما زالت تلاحقه حتى اليوم.

رغم أنّ رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري أعلن اعتكافه عن العمل السياسي، قبيل الانتخابات النيابيّة الأخيرة عام 2022، إلّا أنّ تبعات الانتخابات النيابيّة عام 2009 ما زالت تلاحقه حتى اليوم. 

قضى حكم محكمة “بداية حقوق شمال عمان المملكة الأردنية الهاشمية” في 31 كانون الأوّل/ ديسمبر 2017 على رئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الحريري بإرغامه بدفع نحو 2.5 مليون دولار لجهة أردنيّة، وذلك بسبب التخلّف عن سداد مستحقّات شركة سفريّات أردنيّة تولّت استقدام أكثر من 4.5 آلاف ناخب لبناني من أنحاء العالم، للتصويت لمصلحة الحريري في انتخابات 2009 النيابيّة بطلب من “تيّار المستقبل”. 

يؤكّد مصدر قانوني على اطلاع بالقضيّة لموقع “درج”، أنّه صدر أيضاً حكماً بسجن الحريري لمدّة ثلاث سنوات في الأردن، إلّا أنّ “درج” لم يتمكّن من الوصول لهذا الحكم.

استقدام ناخبين على حساب مكتب السفريات الأردني؟!

في انتخابات 2009 وفي خضمّ دفع الأموال الانتخابيّة، كان نادر النقيب، منسق عام شؤون الاغتراب في «تيار المستقبل» سابقاً، يسعى لتأمين أي صوت إضافي داخليّاً ومن الخارج خصوصاً أنّ قانون الانتخابات لعام 2009، لم يكن قد أقرّ تصويت المغتربين بعد. 

في سياق هذه الجهود لزيادة عدد الأصوات أو ما يُعرف بـ”شراء الأصوات”، قرّر “تيار المستقبل” استقدام ناخبين من الخارج، وهو إجراء كثيراً ما كانت تفعله الأحزاب السياسيّة في لبنان بمخالفة صارخة للقانون. 

فتعاقد “المستقبل” مع مكتب سفريّات (وكيل سفر) في الأردن، يدعى شركة مجموعة “البشروس” الدولية للسياحة (فلامينغو) على أن يتمّ استقدام قرابة 5 آلاف شخص من دول عدّة.

وتظهر تسريبات حصل عليها “درج” عن مراسلات النقيب ومكتب السفريات الأردني التي تكشف عن عدد من هذه الأسماء. والمفارقة أنّ الأسماء كانت تُرسل إلى مكتب السفريّات بلوائح الشطب، “زي ما هيّ”، بحسب قول سعد الحريري الشهير، ما يشكّل انتهاكاً صارخاً لخصوصيّة الناخبين أيضاً، إذ إنّ المعلومات التي أُرسلت لمكتب السفريّات تضمّنت:

الأسماء الكاملة (مع أسماء الأب والأم)

التواريخ الميلاديّة

الأقضية 

أرقام السجلّات

عناوين الإقامة في الخارج وفي لبنان

أرقام الهواتف

البريد الالكتروني.

حصل تحويل الأموال، بحسب الحكم الأردني والفواتير التي اطلّعت على بعضها معدّة التحقيق في الوثائق المسرّبة، من شركة “سعودي أوجيه” Saudi Oger Ltd التي يملكها سعد الحريري في السعوديّة والتي لغاية اليوم لم يحصل موظّفوها السابقون الذين تمّ صرفهم تعسّفيّاً 

على مستحقّاتهم، في حين دفعت الشركة مبالغ طائلة لاستقدام مغتربين لبنانيّين للتصويت للحريري عام 2009. فبلغت قيمة أوّل الدّفعات، في أوّل حزيران/ يونيو 2009، 40 ألف دولار أميركي واستمرّت الشركة بالدفع حتى الـ5.5 مليون دولار أميركي.

امبراطوريّة الحريري المتهاوية!


سعد الحريري هو سياسي ورجل أعمال لبناني- سعودي. تعاقب على رئاسة حكومة لبنان (بما فيها حكومات تصريف أعمال) مرّتين بين 2009 و2011 وبين كانون الأوّل/ ديسمبر 2016 وتشرين الأوّل/ أكتوبر 2020.

هو ابن رئيس الحكومة اللبنانيّة السابق رفيق الحريري الذي اغتيل في 14 شباط/ فبراير 2005. ورث الحريري الابن حصة في شركة سعودي أوجيه من أبيه، وهي شركة إنشاءات بناها والده لتصبح واحدة من أكبر الشركات في المملكة العربية السعودية، بحسب موقع “فوربس” (عام 2018). إلّا أنّ الشركة أوقفت عملها في تمّوز/ يوليو 2017 بسبب عدم قدرتها على دفع أجور عمّالها بعد تقليص الإنفاق من قبل المملكة.

حال سعودي أوجيه كحال الكثير من مؤسسات الحريري، منها “تلفزيون المستقبل” الذي عُلّق عمله لأسباب ماديّة، وجريدة “الديلي ستار” التي أُغلقت للأسباب ذاتها.

يمتلك الحريري أيضاً، من خلال Oger Telecom، حصة في شركة Turk Telekom، وهي شركة اتصالات تركية مملوكة للدولة سابقاً.

بحسب مجلّة “فوربس”، تراجعت ثروة الحريري من 3.3 مليار دولار عام 2008 إلى 1.5 مليار دولار عام 2018.

تجدر الإشارة إلى أنّ علاقة الحريري الابن بالمملكة السعوديّة تدهورت في حكم ولي العهد السعودي الجديد محمد بن سلمان، خصوصاً بعد مواقف الحريري التي اعتُبرت رضوخاً واستسلاماً لـ”حزب الله”، بما فيها القبول بميشال عون رئيساً للبلاد بعد فراغ رئاسيّ دام 29 شهراً.

كان الحريري الابن رئيس الحكومة إبّان اندلاع الانتفاضة اللبنانيّة في 17 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2019، فاستقال من منصبه في 29 من الشهر نفسه.


تبعات قاسية على شركة “البشروس”!

لم تقتصر تبعات القضيّة على المكتب الأردني (شركة البشروس) بحرمانه من بقية مستحقّأته فحسب، بل تكبّد خسائر أخرى أكثر تأثيراً، أهمّها:

1- تجميد عضويّتها في الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، وهو اتحاد تجاري لشركات الطيران العالمية تأسس عام 1945. وتضع IATA شروطاً نوعيّة وماديّة لوكلاء السفر بين أعضائها. وتبيّن أنّ وكيل السفر الأردني قد خرق بعضاً من هذه الشروط في صفقته مع تيّار المستقبل. 

وبناءً على ذلك، أنهت IATA، وفي 12 كانون الأوّل/ ديسمبر 2011، اتفاقية وكالة فلامينجو مع الاتحاد وذلك بسبب تخلّف الأخيرة عن سداد المستحقّات للوكالة. “نظراً لأنكم لم تقوموا بسداد المبالغ، فليس لدينا بديل سوى إنهاء موافقة IATA الخاصة بكم”، بحسب رسالة IATA للشركة الأردنيّة.

ما أهمية اتحاد النقل الجوي الدولي أو ما يُعرف بالـIATA؟ 


يسهل “اتحاد النقل الجوي الدولي” (IATA) نمو الطيران المدني ويخفض تكاليف شركات الطيران من خلال خلق بيئة تنظيمية وتجارية أفضل لشركات الطيران الأعضاء لدينا. الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) هو الاتحاد التجاري لشركات الطيران في العالم، ويمثل نحو 290 شركة طيران أو 82 في المئة من إجمالي الحركة الجوية.
مترجم من موقع الـ IATA

ونظراً إلى ما سبق، اضطر أيضاً المكتب الأردني للاستعانة بمكاتب أخرى لحجز تذاكر السفر وفي الدخول بديون للتمكّن من توفير هذه الحجوزات الضخمة بأقل من أسبوعين.

2- إغلاق بنك عودة حسابات الشركة الأردنية بعد مراكمتها الديون وتخلّفها عن السداد. لم يتسنّ لمعدّة التحقيق معرفة المزيد من التفاصيل بهذا الخصوص.  

حكم أردني واضح وصريح!

بعد فقدان شركة مجموعة “البشروس” الدولية الأمل من القضاء اللبناني، لجأت الشركة إلى القضاء الأردني ليعيد لها حقّها وذلك عام 2016. ومن الواضح أنّ خيارها كان صائباً، فالمحكمة الأردنية برئاسة القاضي عدنان المبيضين حكمت لصالح الشركة على حساب المدّعى عليهما [سعد الحريري وشركة سعودي أوجيه]، باعتبار أنّه “وبتطبيق القانون على وقائع هذه الدعوى والبينات المقدمة والمستمعة فيها تجد المحكمة أن الواقعة الثابتة أن العلاقة بين أطراف هذه الدعوى، هي علاقة تعاقدية وحيث إنه من الثابت للمحكمة من خلال البينة المقدمة من الجهة المدعية في هذه الدعوى أن الجهة المدعى عليها قد أخلّت بالتزاماتها تجاه المدعية وحيث لم يحضر المدعى عليهما رغم تبلغهم موعد الجلسة كما أن المدعى عليهم لم يحضروا للمحكمة ويقدموا اية بينة تثبت تنفيذ التزامهم للمدعية مما يجعل من المبالغ المطلوبة مستحقة الأداء ويتوجب دفعها”.

 “تقرر المحكمة ما يلي:

عملاً بأحكام المادة (202) من القانون المدني تقرر المحكمة الحكم بإلزام المدعى عليهما  بالتكافل والتضامن بدفع مبلغ (2.481.128 دولار أميركي) بما يعادل 1.756.632.96 دينار اردني للمدعي.

عملاً بأحكام المواد 161 و166 و167 من قانون أصول المحاكمات المدنية والمادة 46 من قانون نقابة المحامين تضمين المدعى عليهما بالتكافل والتضامن الرسوم والمصاريف ومبلغ 1000 دينار بدل أتعاب محاماة والفائدة القانونية من تاريخ المطالبة وحتى السداد التام”.

هذا إضافة إلى “قرار وجاهيّ بحق المدعي وبمثابة الوجاهي بحق المدعى عليهما قابلا للاستئناف صدر وافهم علنا باسم حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله بن الحسين المعظم بتاريخ 31/12/2017”.

حاول موقع “درج” التواصل  مع شركة مجموعة البشروس الدولية عبر البريد الإلكتروني ورقم الهاتف، ولكن تعذّر الوصول إليهم. كما أرسلت معدّة التحقيق بريداً لـ”تيّار” المستقبل عبر موقعه الرسميّ ولم تتلقّ أي ردّ أيضاً.

أين هو نادر النقيب اليوم؟

اختفى النقيب عن الساحة السياسيّة اللبنانية ومن الصفوف الأمامية لـ”تيار المستقبل”، وقد يكون لهذه المشكلة سبب في ذلك، بحسب بعض المصادر، أم حجّة استخدمها تيّار أحمد الحريري داخل “تيّار المستقبل”، لإبعاد النقيب من الدوائر الضيّقة، خصوصاً أنّ نفوذ الأخير تعاظم بشكل كبير في فترة ما قبل الانتخابات، بحيث كان نسطاً وفعّالاً في المجالات التي عمل فيها داخل التيّار، حتى بات يُنظر إليه بعد اغتيال رفيق الحريري كالرجل الثاني في “المستقبل”. مّما أثار قلق أشخاص عدّة داخل التيّار عملوا لاستبعاد النقيب الذي يشغل اليوم مركزاً هامًّا في الأمم المتّحدة.

أرسل موقع “درج” بريداً إلكترونيّاً للنقيب حول هذا الموضوع ولم يصلنا أي ردّ حتى لحظة النشر.

هذه الحالة هي مجرّد مثال واحد على كيفيّة استخدام الأحزاب السياسيّة اللبنانيّة أموالها الطائلة لتحقيق مكاسب انتخابيّة بشكل مخالف للقانون، إلّا أنّ الأساليب غير القانونيّة المستخدمة منذ انتخابات 2009 تطوّرت بشكل ملحوظ وأصبحت أكثر تمرّساً وتعقيداً وبات كشفها أصعب، خصوصاً مع تردّي الأوضاع الاقتصاديّة بشكل مخيف. 

اعتكف سعد الحريري عن المشاركة في الانتخابات الأخيرة، فالأضرار والخسائر التي لحقت به جرّاء مشاركته في السياسة اللبنانيّة، فاقت المكاسب التي حقّقها، إلا أنّ خياراته الخاطئة انتخابيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً ما زالت تلاحقه حتى اليوم، ولكن من يدفع فاتورتها في الواقع، هو الشعب اللبناني من جهة وموظّفي “سعودي أوجيه” وتلفزيون المستقبل وغيرهما من مؤسسات الحريري التي تهاوت، من جهة أخرى.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني