سارة، نيرة، شيماء وصفاء في شهر واحد: مصريات تدفعن حيواتهن ثمناً لرفض التبعية

الواقع هنا في مصر يقول أن النساء ضحايا عدم الطاعة والتبعية والثمن أغلى مما يتوقع العالم المتحضر: الثمن هو حياتهن.

تتكرر في الموروث الديني و”أدبياته” المختلفة خطابات آمرة وتحذيرية للنساء، بعدم ترك مساحة الطاعة للأب، الزوج أو رجل الدين. الطاعة هنا توازي الصلاة للإله، ودائماً ما يُصوّب رجال الدين عيونهم نحو النساء بوجه خاص وهم يأمرون وينهون، ورغم كل محاولات النساء للإفلات من هذا الحصار المُحكَم إلا أن التمرد عليه قد يكلفهن حياتهن.

 سارة خالد شابة مصرية أصبحت ضحية لهذا الحصار الديني الذي تكثف داخل سياق اجتماعي قاسي، حاولت أن تجد لنفسها متنفساً طبيعياً وعادياً داخل أسرة متشددة دينياً، هذا المتنفس تمثل في أن تذهب إلى صالة التدريبات الرياضية، والعشاء برفقة صديقاتها أو السهر لمشاهدة فيلم في السينما حتى العاشرة مساءً. لكن سارة دفعت ثمناً باهظاً جرّاء التشبث بهذا الفعل “العادي” وأصبحت ضحية في جريمة عنف أسرية قاسية، أحكمت حولها الحصار وأفقدتها حياتها مطلع هذا الشهر. 

عٌثر على جثة سارة ملقاة أسفل البناية التي تسكن فيها في منطقة مصر الجديدة. كانت سارة ترتدي حقيبتها وحذائها الرياضي وهي ملقاة غارقة في دمائها، مما أثار شكوكاً كثيرة حول احتمالية إلقائها عنوة، من شقتها في الطابق الخامس، في جريمة قتل محتملة.

منذ يومين، أيضاً، دفعت صفاء عبده وهي “ربة منزل” كما وصفتها وسائل إعلام مصرية، حياتها ذبحًا في محافظة المنصورة لعدم طاعتها زوجها الذي منعها من الخروج لزيارة ابنها المعتقل. وبحسب وسائل الإعلام المحلية فإن صفاء تبلغ من العمر ٣٣ عامًا، أي أنها تزوجت باكراً(وهي قاصر)، لتصبح أماً لشاب وهي في مطلع الثلاثين من عمرها، وتُذبح بيد زوجها الذي اقترب عمره من الستين، ويصبح موتها فجيعة قرية الدراكسة في المنصورة.

وعلى رغم الفيديو الذي تداولته المذيعة المصرية شيماء جمال المعروفة بالمُشاغبة، حذّرت من خلاله النساء المصريات بعدم الصمت على كافة أشكال العنف الأسري أو المجتمعي، إلا أنها لاقت بعد أيام قليلة من هذا الفيديو حتفها ضرباً بالرصاص ووجدت جثتها وقد تعرضت لتشويه بمياه النار لمحاولة إخفاء هوية الجثة، لأنها أعطت لزوجها مهلة- وهو يعمل في منصب قضائي نافذ- لتبليغ زوجته الأولى بأمر زواجه منها. قالت شيماء في الفيديو “متستنيش لحد ما تتقتلي” تاركة إبنتها جنى في حالة صدمة أو كما قالت والدة شيماء “صراخ جنى على والدتها زلزل منطقة الشيخ زايد التي نسكن فيها”.

أما نيرة أشرف، فقد ذبحها أمام جامعتها، زميلها في الجامعة لأنها قالت “لا”  للزواج منه، ورغم إحالة أوراق القاتل إلى المفتي لتأكيد حكم إعدامه لكن لا يزال قطاع من شباب السوشيال ميديا يحاكمون نيرة نفسها على مقتلها بنشر صورها الخاصة على الشاطئ أو في سهرة ليعطوا مبررات لقتلها. تركت نيرة قريتها في المنصورة لتعمل في القاهرة لكن جذورها في قريتها كانت تلاحقها، ومن تصريحات القاتل أمام القاضي قال أنه كان سيفعل أي شيء ليستردها ويتزوجها وتعود إلى المنصورة، وكأنها ملكية قبلية لبيئة محافظة وشاب اعتاد سماع فتاوى المتشدد المصري عبد الله رشدي.

بالعودة إلى قضية سارة خالد، تروي صديقتها فيولا فهمي لـ”درج” معاناتها اليومية مع المحاذير الأسرية وشكواها بسبب التضييق عليها: ” كانت سارة  تحب سماع الموسيقى، ولطالما اشتكت من أن أسرتها تعتبر الموسيقى الشيطان الأعظم، مرة نلاقيها معضوضة، مرة مصابة بكدمات على وجهها، كانت تذهب إلى الجيم للتخلص من المشاعر السلبية التي تشعر بها جراء الضرب من والديها وشقيقها الأصغر منها”.

تملك فيولا فهمي رسائل صوتية لسارة وهي تشتكي من جحيم الأسرة، وأدلت بشهادتها أمام نيابة مصر الجديدة لفتح تحقيق في مقتل سارة. فيولا تؤكد أن صديقتها، رغم كل ما تعرضت له، لم تصرّح ابداً في أنها ترغب في إنهاء حياتها: “كانت مليئة بالحيوية والطموح ومهووسة بدراسة طب الأسنان ومتفانية في دراستها، أنا لا أتّهم أحدًا لكن موت سارة يثير شكوكًا كثيرة والنيابة المصرية وتحقيقاتها هي القادرة على حسمها”.

سارة خريجة كلية طب الأسنان، لديها من العمر 25 عاماً. كانت في انتظار خطاب العمل الحكومي لتتمكن من قضاء وقت أكثر تنشغل فيه بالعمل بعيداً عن أسرتها. شقيقها الأصغر عاد من أوكرانيا بسبب ظروف الحرب وهو ما زاد من معاناتها. تقول المحامية نسمة في تصريحاتها إلى “درج”: “سارة ذكرت في رسائلها لزميلاتها أنها كانت تتعرض للضرب لأي سبب تافه مثل عدم إنجازها مهام المنزل من إعداد الطعام وغيرها، ونملك صوراً وتسجيلات تؤكد أنها كانت تتعرض لضرب رأسها في مقدمة السرير ولكمات في وجهها من والدها وشقيقها، وكانت والدتها، بدل الدفاع عنها، تحرّض شقيقها على ضربها”. 

النيابة توصلت أيضًا بمساعدة الشهود في البناية نفسها، إلى أدلة قد تؤكد عدم إقبال سارة على الانتحار، وهي شهادة ثلاثة من الجيران أن والد سارة حملها من أسفل البناية جثة هامدة وهي ترتدي حذائها الرياضي و شنطة يدها التي كانت تحمل فيها أوراقها الثبوتية، تقول نسمة “هل من الطبيعي أن ترتدي فتاة حذائها الرياضي وتحمل حقيبتها وأوراقها الثبوتية وتذهب بإرادتها إلى سور الشرفة لتلقي بنفسها؟ “.

ما أثار الشكوك أكثر هو أن المحامية الخطيب اكتشفت أن شقيق سارة قام بتجبير يده لتعرضه لإصابة فيها، في يوم مقتل شقيقته، عوضًا عن الأدلة الصوتية والتهديدات التي وجهتها الأم لزميلات ابنتها وهي تتوعد إبنتها “دي بنتنا واحنا هنعرف نتصرف معاها”.

كانت فيولا فهمي صديقة لسارة منذ عام 2019 ولقاءاتهما كانت تجري بشكل شبه يومي في صالة الألعاب الرياضية، في المساحة السكنية نفسها التي تعيشان فيها. تقول فيولا: “سارة قبل وفاتها بأيام تركت بيت أسرتها وظلت في رعاية صديقتها ليومين، لأن كل محاولات الحياة الآدمية مع أهلها فشلت تماماً، وبعد اتصالات ومساعٍ كثيرة من أهلها عادت إلى بيتها مساء يوم السبت الموافق 11 يونيو/حزيران لتلقى حتفها صباح يوم الأحد الموافق 12 يونيو/حزيران.

نجحت فيولا فهمي بصحبة المحامية نسمة الخطيب في فتح تحقيق في مقتل سارة خالد أمام نيابة مصر الجديدة وإعادة تشريح الجثة بعد دفنها، تقول نسمة “وجه سارة عليه علامات الضرب والتعنيف غير جروح السقوط من الشرفة، وأنا أصر على وصفها بالمجني عليها بسبب كثرة الأدلة التي تثير الشكوك تجاه مقتلها”.

شيماء مدربة سارة الرياضية كانت شاهدة أيضا في التحقيقات كونها رأت بعينها علامات التعنيف على جسد سارة علي مدار السنوات الماضية أثناء تعاملهما اليومي داخل صالة التدريبات الرياضية، كانت سارة تحاول كسر حاجز الصمت مع صديقاتها ومدربتها لكنها لم تقو على رفع قضية ضد والدها وشقيقها، وهذا ما فاقم من تعنيفها.

كانت سارة خالد ضحية أسرة ترى للرجال حق الأمر وللنساء حق الطاعة في حالة تواطؤ أسري مسمومة تذكر بالفيلم الوثائقي المعروض على منصة نتفلكس بعنوان “صلّ وأطيعي –  keep sweet pray and obey”، وهو يروي تاريخاً طويلاً من سلب النساء حقوقهن في الاعتراض على أية أوامر تصدر من رجل الدين لوارن جيفز، الذي وضع قواعد لكيفية تصرف النساء تجاه أزواجهن وآبائهن من التسليم الكامل بالطاعة، حتى أنه حدد رداءً موحداً لكل النساء في مجتمعه(إحدى المقاطعات الأمريكية)، ليعلمن أنهن قطيع لا فرق بين سيدة وأخرى وعلى رجال المقاطعة إنجاب مزيد من البنات كي يتزوجهن الرجال، وصل عدد زيجات رجال القرية إلى 25 سيدة على الأقل لكل رجل.

كان شعار”صلي وأطيعي” محفوراً على واجهة مدخنة منزل لوارن جيفز كي تراه النساء كل صباح، ورغم ما قد يتصوره البعض في هذه السلسة من الوثائقيات، من أنها ضرب من المبالغة إلا أن الواقع هنا في مصر يقول أن النساء حرفياً ضحايا عدم الطاعة والتبعية والثمن أغلى مما يتوقع العالم المتحضر: الثمن هو حياتهن.

تخرجت سارة خالد من الجامعة البريطانية مما يعني أنها لاقت اعتناءً في الإنفاق على تعليمها، لكنها وفي مقابل ذلك كان عليها أن تدفع الثمن مضاعفاً بأن تطيع “الكتالوج” العائلي بلا اعتراض، لأن عصور العبودية انتهت لكن عصور التبعية والطاعة جاءت لتحل محلها بنفس الميكانيزم والعقوبات.

بحسب تصريحات والدة نيرة ووالدة شيماء وصديقات سارة وأهالي قرية الدراكسة حيث كانت تعيش صفاء فإن النساء الأربعة كن يطالبن بحياة طبيعية، كانت شيماء تطلب الإنجاب وإشهار زواجها، ونيرة تتبع شغفها لتصبح”موديل” في مجتمع محافظ، وسارة تنشد سماع الأغاني وحضور الأفلام والسفر، وصفاء تطلب الخروج لزيارة ابنها في سجنه، وصلن إلى الحد الأدنى من المطالب لكنها رغم بساطتها، لم يبلعها الذكور في محيطهن وكان الثمن حياتهن.


العقوبات المطبقة على جرائم الاعتداءات البدنية داخل الأسرة، في مجملها، بحسب تصريحات المحامي مايكل رؤوف، “غير رادعة وغالبا ما تنتهي بغرامة مالية زهيدة، أو حكم بالحبس مع إيقاف التنفيذ”.

كشف مرصد حالات العنف على النوع التابع لمؤسسة “إدراك” للمساواة والتنمية، في تقريره  عن الربع الأول من العام 2021 (يناير/كانون ثاني – مارس/آذار) عن نسبة تقارب 38% من جرائم العنف الأسري، تنوعت بين قتل، وشروع في قتل، وضرب مبرح، وختان الإناث.

وطبقًا للتقرير، فقد تصدر معدلات القتل من قبل الأخ أو الزوج أو الأب دفاعًا عن الشرف، وبلغت 27.8%. بينما جاء الختان في المرحلة الأخيرة بنسبة 1.4 على الرغم من تكرار تغليظ العقوبات بنص المادة 242 عقوبات.

أما في الربع الثاني من عام 2021، فقد رصد التقرير وجود زيادة مقلقة في معدلات العنف، بواقع 191 جريمة عنف خلال 3 أشهر بشكل عام. سجلت فيها جرائم العنف الأسري نسبة 39.7% من جرائم العنف ضد النساء والفتيات من قبل أسرهن. فيما تصدرت جرائم القتل لأسباب متنوعة أعلى نسبة 28.2%. وبحسب المؤسسة غالبًا ما يدّعي مرتكب الجريمة أنه ارتكب فعلته بغرض الدفاع عن الشرف للحصول على أحكام مخففة.

أيضًا بلغت حالات الشروع في القتل نسبة 9.4%، أما حالات التشوية بالكيماويات والابتزاز فقد بلغت كل منهما 0.5%.

وفي الربع الثالث (يوليو/تموز – سبتمبر/أيلول)، رصد التقرير حوالي 66 جريمة قتل للنساء والفتيات على يد أحد أفراد الأسرة، أو الزوج، وكانت أعلاها في محافظة الجيزة. كما سجلت أعلى نسب هذه الجرائم في وجه قبلي، حيث بلغت 37 حالة قتل، منها 8 حالات قتل نساء وفتيات تحت مسمى “جرائم الشرف”، اثنتان منها بسبب الخلاف على الميراث. بينما زادت خلال تلك الفترة معدلات جرائم العنف الأسري، وبلغت حوالي 46.6%. وقد تصدرت فيها معدلات جرائم القتل “بدافع الشرف” نسبة 27.7 %.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني