تكتم واستهتار وحماية للمعتدين:
اغتصاب فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة في مخيم عين الحلوة 

"استدرجها عبيته، سقاها عصير ومن بعدها نامت. عالأغلب أعطاها منوم. وعيت وكان في دم عتيابها قال لها قومي شكلها اجتك الدورة الشهرية…"، تروي سارية.ع ابنة عم شابة اغتصبت في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان.

لاحظت عائلة د.ع (20 سنة) تغيرات في جسد الشابة، وحين ازدادت المخاوف، قرروا إجراء  فحص حمل للضحية التي لم تخبر أحداً بالاعتداءات الجنسية المتكررة من شخصين يعيشان في المخيم، أحدهما قريب للعائلة والآخر محسوب على حركة “فتح”.

تروي سارية التي تسكن في جوار الضحية التي تبين أنها حامل نتيجة الاغتصاب، أن المعتدي هو المصور ف.ع الذي كان يستدرجها الى محله لبيع الفناجين وقد كرر فعلته مرات عدة.

لا شك في أن الحياة في مخيم مزدحم مساحته لا تتعدى كيلومتراً مربعاً واحداً ليست أفضل الخيارات، لكنها الخيار الوحيد المتاح للاجئة فلسطينية لديها حاجات خاصة، وتواجه عوائق اجتماعية جمَّة في حياتها اليومية داخل المخيم، لا تقتصر على فقر الموارد وعراقيل الحركة، بل يزيد من كل هذا أنها امرأة. فحتى الآن تدفع ملايين النساء ثمناً باهظاً لكونهن نساء، لا سيما في مكان كمخيم عين الحلوة.

“عين الحلوة” القريب من مدينة صيدا يعتبر بمثابة عاصمة الشتات الفلسطيني في لبنان، وهو واحد من 12 مخيماً تتقاسم هموماً تكاد تكون واحدة.

والكثافة السكانية في مخيم عين الحلوة مرتفعة جداً مقابل مساحة ضيقة تكثر فيها الانتهاكات والأزمات. في المقابل، يحظى مخيم عين الحلوة باهتمام إعلامي خاص باعتباره مصدر قلق وتوتر بسبب الفصائل المسلحة فيه والتي تتقاتل بين حين وآخر.

في ظل هذا الواقع المعقد، تأتي حادثة قيام شخصين تابعين لعناصر الأمن الفلسطيني التابع لحركة “فتح” باغتصاب فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة، في استغلال واضح لوضعها. 

كما هو الحال في معظم قضايا العنف والاعتداء على النساء لا تؤخذ تلك الاعتداءات بشكل جدي، فقد أصدر الأمن الفلسطيني بياناً يشجب “تلطيخ” سمعته، وبرأ المتهمين من “العمل المشين”.

يعمل المتهم بالاعتداء في الجهاز الإعلامي لحركة “فتح”، إلا أن الحركة  تصر على إنكار أنه يعمل معها، أو ينتمي إليها، وبحسب شهادات من سكان مخيم عين الحلوة فهو مسؤول مباشر عن التغطيات الإعلامية لنشاطات الحركة من مسيرات وحفلات ونشاطات مدرسية ومؤتمرات، وهو ما تشير إليه صفحته على “فيسبوك”.  

وعند سؤال “درج” مسؤول اللجنة الأمنية في المخيم عبد الأسدي عن القضية، حاول تخفيف وطأة الاعتداء وتمييع حالة الضحية، “للعلم القصة مش اغتصاب والبنت مش قاصر يعني البنت عندها شوية بساطة ولكن مش صغيرة عم نحاول ما نحكي بالقصة لأن بتعرفي قصة عرض، خلي القضاء ياخد مجراها نحن بانتظار القضاء ويكون القضاء هو الحكي الفاصل والمتهم ما بيشتغل عنا الاولى يلي بيشتغل عندن يطلعوا بيان مش نحن”.

محامي الضحية شربل نجم أوضح لـ”درج” أنها أخبرته أن الاعتداء عليها من قبل ف.ع بدأ وهي بعمر 14 سنة أي عندما كانت قاصراً في المدرسة، اي منذ 6 سنوات وأنه استدرجها إلى مكانه في المرة الاولى وكرر الاعتداء عليها حتى الآن. كان يستدرجها الى محله ويغلقه ويعتدي عليها، ثم بعد معرفة ع.ب بالحادثة هددها بفضحها ثم صار يستغلها جنسياً ويعتدي عليها هو ايضاً. ع.ب (55 سنة)، هو عم والدها، له احفاد واولاد أكبر سناً من الضحية، يسكن في بيت يبعد أمتاراً من منزل الضحية وهو يعمل سمكرياً، ويملك غرفة قرب منزل د.ب يضع فيها عدته، كان يستدرجها إليها بحجة أن تساعده في ترتيب العدة.

 تواصل الاعتداء من قبل الاثنين  حتى هذا العام، ليتبين أن الضحية حامل في شهرها الخامس دون معرفة أي منهما الأب. ويضيف نجم “تعاني الضحية من مشكلات عقلية ونفسية، وبالتالي فإن الوضع مأساوي جداً، وننتظر وصول الدعوى الى مخفر صيدا وقد تأخرت بسبب إضرابات الموظفين لتبقى عالقة في قصر العدل، عندها سنطلب استدعاء المتهمين وإجراء فحص الحمض النووي”.

 فور انتشار الخبر ومع الغضب العام جراء ما تعرضت له الفتاة، تحرك الأمن الوطني في المخيم واعتقل المتهم الثاني عم الضحية ع.ب، الذي اعترف بأنه أقدم على اغتصابها مرات عدة، وبحسب سارية، “عند انتشار الخبر هجم ع.ب وكان يحمل قنابل وصار يصرخ أمام منزل العائلة ويهدد بتفجير المنزل وإحراقه”. 

اعتقلت المخابرات المتهمين ولكن اطلق سراحهم على الفور، إذ لم تكن قد رفعت دعوى في النيابة العامة ضدهما بعد. وفور إطلاق سراح الاثنين فر العم واختبأ في مكان مجهول داخل المخيم، أما المصور المتهم فلجا إلى “فيسبوك” لينشر بياناً يبرئ به نفسه: “إنني أضع هذه الاتهامات برسم المعنيين والمسؤولين في المخيم، وأطالبهم بالبحث لمعرفة من أطلق هذه الشائعات التي من شأنها أن تؤدي إلى زعزعة الأمان داخل مخيم عين الحلوة. إن من أطلق هذه الشائعة واتهمني، أراد تشويه صورتي”.

وسط دعم اجتماعي لحماية سمعة المغتصب وإلقاء اللوم على الضحية والتكتم التام عن الجريمة، يصف أحمد وهو احد سكان المخيم المشهد  “بالمخزي”، ويقول “في تكتم رهيب ما حدا بدويحكي بالموضوع خاصة الناس يلي تابعين لفتح، في قرار ممنوع يتداولوا أي معلومات بشأن الموضوع حتى ما يفصلوهن واكيد الفصل يعني حرمان من الراتب فأكيد الكل ساكت وفي محاولة للملمة القصة سياسية وأمنية”. 

تكثر هذه الحوادث في المجتمعات المنغلقة الضيقة، ولكنها غالباً ما تبقى في الزواريب ولا تخرج للعلن خوفاً من العار، في ظل مجتمع يلوم الضحية ويحمي المغتصب ويتكتم عن الجرائم الجنسية بحجة صون الشرف. وهو ما تشير إليه الناشطة الاجتماعية آمنة عبد الحليم، لافتة أيضاً إلى أن هناك تكتماً من الجمعيات الداعمة للنساء في المخيم، وهذا التكتم أسبابه سياسية لا اجتماعية، دون أي مبالاة بما تمر به الضحية.  وتضيف، “بيئة المخيم محافظة جداً، كثيرات تعرضن وما زلن يتعرضن لحوادث تحرش واغتصاب، وهن لا يجرؤن على فضح المتحرشين لأنهن يعرفن أنهن لن يحظين بالدعم المطلوب وسيتعرضن للمهاجمة المجتمعية. لو تم نشر التوعية حول أهمية دعم الناجيات وإحاطتهن بالاحتواء المطلوب، سنرى عشرات القصص والقضايا تخرج إلى العلن”. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني