تجارة “ملطخة بالدم”: السلسلة الغامضة لتوريد الفوسفات السوري إلى أوروبا 

استأنفت الدول الأوروبية في الفترة الأخيرة وارداتها المثيرة للجدل من الفوسفات السوري وهو مكون رئيسي في صناعة الأسمدة. وتثري هذه التجارة، التي تستمر بسبب ثغرات في تطبيق العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، الأوليغارشيين الخاضعين للعقوبات والمنتفعين من الحرب والكيانات الحكومية السورية.

بقلم: محمد بسيكي (SIRAJ)، أوليغ أوغانوف (مركز ميكولاييف للصحافة الاستقصائية)، شارلوت ألفريد وبشار ديب (لايتهاوس ريبورتسلارا دعمس (OCCRP)، جوفانا توميتش (CINS)، نيكولاي مارشينكو (Bivolلورينزو بانيولي (IRPI)، آنا بويناريو (RISE).

في أمسية دافئة في شهر أيار/ مايو من العام الماضي، اختفت سفينة شحن ترفع علم جزر القمر تدعى قبرصلي-واي Kubrosli-y من أنظمة التتبع الالكتروني للسفن قبالة سواحل تركيا. بعد أسبوع ظهرت بالقرب من قبرص قبل أن تواصل طريقها لترسو في أوكرانيا.

لا تقدم بيانات التتبع أي علامة على مكان وجود “قبرصلي-واي” Kubrosli-y خلال ذلك الأسبوع. لكن الصور التي نشرتها وكالة حكومية سورية للأنباء قبل يومين من ظهورها مرة أخرى، كشفت عن غير قصد الأسباب التي جعلت طاقمها حريصا على إخفاء موقعهم. 

وتظهر إحدى الصور، التي نشرت على “فيسبوك”، وزير النفط والمعادن السوري بسام طعمة واقفاً داخل ميناء طرطوس المطل على البحر المتوسط. وتظهر صورة أخرى سفينة “قبرصلي -واي” Kubrosli-y  راسية على رصيف مزدوج في الميناء الذي تم بناؤه خصيصا لتحميل الفوسفات، وهو معدن ثمين شكل   شريان حياة اقتصادي رئيسي لنظام الرئيس بشار الأسد  الخاضع لعقوبات اقتصادية منذ بدء الحرب عام 2011.

تمتلك سوريا بعضا من أكبر الاحتياطات المعروفة من مكون الأسمدة الذي يتم البحث عنه بشكل متزايد، وانهارت صناعة الفوسفات عندما استولى متشددو الدولة الإسلامية على أكبر مناجم البلاد في 2016 لكن الإنتاج انتعش منذ أن استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها في العام التالي، ما جذب مشترين حتى من الدول المعارضة لنظام الأسد.

توفر رحلة Kubrosli-y، والتقنيات التي استخدمتها، لمحة عن سلسلة التوريد الغامضة للفوسفات السوري   وهي  تشق طريقها من المناطق التي مزقتها الحرب الأهلية إلى المزارعين في جميع أنحاء أوروبا. في كل خطوة على الطريق، تثري هذه لتجارة الدولة السورية، والمستفيدين من الحرب، والأشخاص الذين تربطهم علاقات عميقة بالنخبة الروسية.                  

على رغم مخاطر انتهاكات العقوبات، استوردت صربيا وأوكرانيا  وخمسة من دول الاتحاد الأوروبي أكثر من 80 مليون دولار من الفوسفات السوري منذ عام 2019، وفقاً لتحقيق استقصائي لـ”مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود” OCCRP ومراكز صحافية شريكة في سبعة بلدان، بالشراكة مع “لايتهاوس ريبورتس” Lighthouse Reports و”الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية” (SIRAJ). 

في طريقها إلى أوروبا، تمر الفوسفات عبر سلسلة من السماسرة والوسطاء باستخدام شركات بالوكالة proxy في مواقع بعيدة. بعض شركات الشحن متعلقة بأشخاص متهمين بالفساد.

فرضت الولايات المتحدة الحظر على الحكومة السورية وعلى الشركة الروسية ستروي ترانس غاز Stroytransgaz التي بدت أنها تسيطر على غالبية صادرات سورية من الفوسفات. 

قام الاتحاد الأوروبي أيضاً بفرض العقوبات على لاعبين أساسيين: الوزير السوري بسام طعمة ومالك شركة “ستروي ترانس غاز”، القطب الملياردير جينادي تيموشينكو، وحليف رئيسي للكرملين. لكن العقوبات الاميركية والأوروبية  لا تمنع شراء الفوسفات السوري بصورة محددة.

لكن خبراء يقولون إن الشركات تواجه خطر خرق العقوبات حتى ولو كانت هذه التجارة مشروعة من الناحية التقنية. وجد تحقيق في عام 2018 لمنظمة politico الإعلامية أن اليونان تشتري الفوسفات السوري ما أثار غضب أعضاء في البرلمان الأوروبي. وتوقفت الشحنات بعد ذلك.

“ستروي ترانس غاز” حاولت النأي بنفسها عن هذه التجارة من خلال إصرارها على أن لا صلة بينها وبين شركتين تحملان الاسم ذاته تسيطران على هذه التجارة اليوم. لكن occrp وشركاؤه وجدوا أدلة لم تكشف سابقاً حول العلاقات بين ستروي ترانس غاز وهذه الشركات. 

أدى الاجتياح الروسي لأوكرانيا في شباط/ فبراير إلى تنامي الضغوط على الشركات الاوروبية لقطع علاقاتها بشخصيات روسية معاقبة مثل تيموشينكو.

وقال غلين كوروكاوا، محلل  متخصص في تجارة  الفوسفات في مركز أبحاث دولي يركز على سوق السلع CRU، “الفوسفات السوري دموي ليس بسبب الصراع وحسب، ولكن أيضاً بسبب ما يحدث في أوكرانيا”. وتابع: “على سوريا أن تبيع (الفوسفات) من خلال خصم سياسي لأن بضائعها شديدة السمية في التعامل معها”.

وفي معرض السؤال عن الواردات، قالت المفوضية الأوروبية  إن الأمر متروك لكل دولة على حدة لتقرر إذا ما كانت وارداتها من الفوسفات السوري تخرق العقوبات. وأكدت السلطات الاوكرانية والبلغارية والصربية انها تنظر إلى الأمر على أنه تجارة مشروعة. وقد رفضت السلطات الايطالية أن ترد على طلب الصحافيين الحصول على تعليق…

وقال خبير الاقتصاد السوري  كرم الشعار إن التجارة هذه تظهر سهولة الاستدارة على العقوبات الاقتصادية من خلال سلاسل توريد مبهمة أو من خلال تمرير الأموال والبضائع عبر الفروع المجهولة للشركات المستهدفة بالعقوبات.

وأضاف: ” بالطبع تعتبر صادرات الفوسفات السوري الى أوروبا مخالفة للعقوبات”. وتابع، “ولكن معظم الدول لا تفهم تركيبة المؤسسات التي تعاقبها”.

إقرأوا أيضاً:

الاسترجاع الاقتصادي

جينادي تيموشينكو هو واحد من أغنى وأقوى الرجال في روسيا. تعود صداقته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أوائل التسعينات، عندما كان تاجراً للنفط في سان بطرسبرغ. واتهم تيموشينكو بأنه واجهة لثروة   بوتين الشخصية، على رغم أنه يقول إنهم مجرد شركاء في لعبة الجودو. 

تحول تيموشينكو إلى ملياردير من خلال عمله بشكل وثيق مع الشركات المملوكة للدولة في قطاع النفط والغاز المربح في روسيا. قامت شركته الهندسية والإنشائية، “ستروي ترانس غاز” Stroytransgaz، ببناء معظم خطوط الأنابيب التي تنقل صادرات روسيا من النفط والغاز، بما في  ذلك خط أنابيب نورد ستريم عبر أوروبا
للحصول على قائمة بأصول تيمشينكو Timchenko في قاعدة بيانات OCCR الروسية المعني بتتبع الأصول ، انظر هنا.

تيموشينكو أيضاً أحد أكبر المستفيدين من علاقات موسكو الاقتصادية الطويلة الأمد مع سوريا، إذ فاز بعقود لبناء جزء من خط أنابيب من مصر، في محطتين رئيسيتين لمعالجة الغاز. بعدما ساعد التدخل العسكري الروسي في قلب مجرى الحرب الأهلية السورية لمصلحة نظام الأسد، حصلت شركتان أخريان مرتبطتان بـ”ستروي ترانس غاز” Stroytransgaz، على موطئ قدم في قطاع الفوسفات-  وتعتبر أحد أكثر الأصول ربحية التي لا تزال تحت سيطرة الحكومة.

واحدة من الشركات، Stroytransgaz Engineering كانت شركة فرعية تابعة لشركة Stroytransgaz  لغاية عام 2018، عندما يبدو أن تيموشينكو قام بخطوات للنأي بنفسه عن تجارة الفوسفات السوري. يقول الخبراء إن ذلك ربما جزء من جهد للتحايل على العقوبات الاميركية والاوروبية على سوريا، وأيضا العقوبات التي فرضت عليه وعلى “ستروي ترانس غاز” بعد قيام روسيا بضم جزيرة القرم.

عام 2018، باع تيموشينكو Stroytransgaz Engineering  إلى Photon Express وEneriya Antaresa وهما شركتان وهميتان، أصحابها غير واضحين ومقرها في العاصمة موسكو. في العام التالي، فازت Stroytransgaz Engineering، بعطاءات لتشغيل ثلاثة مصانع للفوسفات مملوكة للدولة السورية خارج مدينتي حمص وطرطوس التي تعتبر  نقطة مغادرة معظم صادرات الفوسفات السوري

برغم ابتعاد أسم تيموشينكو من الأوراق الموقعة لهذه العطاءات، ينظر إلى الاتفاق على نطاق واسع على أنه رد على المساعدة العسكرية الروسية التي ساعدت النظام السوري في الحرب الأهلية. وفي تحليل لمجلس الشؤون الدولية الروسي، كتب إيغور ماتفييف، وهو ديبلوماسي روسي سابق في دمشق، أن الصفقة “يمكن أن تساعد في استرداد الأموال التي أنفقت على العملية العسكرية في سوريا من خلال تعدين المعادن الثمينة بشروط حصرية”.

وتصر Stroytransgaz أن لا علاقة بينها وبين Stroytransgaz Engineering.

وتقول الناطقة الرسمية باسم “ستروي ترانس غاز” نتاليا كالينيشيفا للصحافيين العاملين على هذا التحقيق العابر للحدود أن “STG Engineering كيان قانوني مستقل وليس جزءاً من الشركات التابعة للمجموعة. مجرد اختصار مماثل لاسم الشركة”.

عام 2018 ، منحت سوريا شركة تحمل اسماً مماثلاً Stroytransgaz Logistic، عقداً مدته 50 عاماً، يمنح الشركة الروسية حقوقاً في 70 في المئة من إيرادات المبيعات من أكبر مناجم الفوسفات في البلاد، بالقرب من مدينة تدمر. ويذهب ما تبقى إلى الشركة العامة للفوسفات والمناجم (GECOPHAM)، وهي شركة تابعة لوزارة النفط السورية الخاضعة للعقوبات الأميركية.

على الورق لا صلات لـStroytransgaz Logistic  باسمها. فهي مملوكة لشركة مقرها موسكو واسمها  UK Investfinance، التي يبدو أنها تدير الشركات لعملائها.

لكن كثراً من كبار العاملين فيها (التنفيذيين) لهم ارتباطات مع Stroytransgaz، ما يعني أنهم يتشاركون بأكثر من مجرد اسم. 

الشخصية الرئيسية هي مواطن روسي يدعى إيغور كازاك، الذي شغل منصب مدير في “ستروي ترانس غاز”  Stroytransgaz التابعة لتيموشينكو منذ عام 2015. في ذلك العام، قال لوسائل الإعلام السورية إن “ستروي ترانس غاز” Stroytransgaz “تريد المشاركة في إعادة إعمار سوريا”، وإنه “واثق من أنه ستكون هناك فرص متنوعة للتعاون”. 

أصبح كازاك رئيساً لشركة “ستروي ترانس غاز لوجيستيكس” Stroytransgaz Logistic  عام 2016، حتى منتصف 2017. عمل أيضاً مديراً عاماً  لشركة Stroytransgaz Engineering بين عامي 2015 و2020- بعد فترة طويلة من تحولها إلى شركة جديدة.

مواطن روسي آخر، هو زاكيد شكسوفاروف، كان المدير الإقليمي لشركة “ستروي ترانس غاز اللوجستية” Stroytransgaz Logistic في سوريا عام  2018، واسمه مدرج حالياً كمدير لشركة تيموشينكو الرسمية “ستروي ترانس غاز” Stroytransgaz، شركة فرعية في سوريا، بحسب دليل وزارة الاقتصاد للشركات الأجنبية.

إضافة الى الموظفين المشتركين، تتشارك Stroytransgaz Logistic وStroytransgaz Engineering، العنوان ذاته مع Stroytransgaz في سوريا.

لم يرد أحد على الهاتف عندما حاول الصحافيون التواصل مع الارقام المدرجة لـStroytransgaz Logistic وStroytransgaz Engineering، للحصول على تعليق ولم يكن هناك أي أثر لهما أو لـStroytransgaz في عنوان الموقع الذي تتشاركه الشركات.

المرتزقة والمنتفعون

لا يزال عدد قليل من السوريين يعيشون في القرى المتناثرة في الصحراء المحيطة بمدينة تدمر القديمة، وهي منطقة كان يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية الجهادي لسنوات. وتعني الهجمات المستمرة للخلايا النائمة أنه يجب نقل العمال بالحافلات من المدن القريبة للمناجم المحلية لحفر صخور الفوسفات وشقها.

على الطريق إلى المناجم يقع المقر الرئيسي للشركة العامة للفوسفات والمناجم GECOPHAM، وهي الشركة السورية التي تديرها الدولة والتي تمتلك وتدير مناجم الفوسفات في البلاد. وبحسب أحد الموظفين  في  منجم الشرقية، حيث تعمل شركة “ستروي ترانس غاز لوجيستيكس”، فإن الشركة الروسية تسيطر على الصادرات، في حين أن العمليات اليومية لا تزال في أيدي المقاولين والعمال السوريين.

تنتج المناجم التابعة للشركة الروسية نحو 650 ألف طن من الفوسفات سنوياً، على رغم أن العقد يسمح بحفر واستخراج  2.2 مليون طن سنوياً بحسب مسؤولين سوريين. وبمجرد استخراجها، يتم شحن الفوسفات في قوافل برية وسكك حديدية إلى مصانع الأسمدة بالقرب من حمص أو إلى ميناء طرطوس.

على طول الطريق، تتم حمايتهم من قبل مقاولين من القطاع الخاص. ومن بين العاملين في المنطقة مجموعة “فاغنر” Wagner Group سيئة السمعة، المرتبطة بالنخبة الموالية للكرملين، والتي ارتبطت بمذبحة المدنيين في مالي، ويعتقد الآن أنها تقاتل في أوكرانيا.

كما أظهرت الصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي حللها OCCRP، وجود شركة سورية تدعى “سند للحماية والأمن”، يملكها رجل أعمال مرتبط بالأسد يدعى أحمد خليل، ومسؤول أمني يدعى ناصر ديب. بدأت المجموعة حياتها كميليشيا تقاتل إلى جانب القوات السورية والروسية، وفازت بعقدها الحالي لحماية المناجم بعد طرد مقاتلي الدولة الإسلامية من المنطقة.

كما أدت هذه التجارة إلى إثراء الطبقة الصاعدة من منتفعي الحرب. ووفقاً لسجل الشركات السورية، يشارك ديب في ملكية الشركة السورية للمعادن والاستثمارات إلى جانب حليف بارز للنظام يدعى خضر علي طاهر.

كان طاهر في يوم من الأيام بائعاً صغيراً للدواجن، وأصبح قريباً من الفرقة الرابعة في الجيش السوري، بقيادة ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري، بينما كان يدير ميليشيا في مسقط رأسه بالقرب من طرطوس. فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات عليه عام 2020، واتهماه بخلق “إيرادات للنظام ومؤيديه” بما في ذلك غسيل الأموال “التي يتم جمعها بشكل غير مشروع في معابر النظام ومن خلال النهب”. 

كما يشارك طاهر بعمق في صناعة الفوسفات، وفقاً للباحث السوري عزام العلاف، الذي نشر دراسة مفصلة عن هذه التجارة لمعهد الجامعة الأوروبية عام 2019. استناداً إلى مقابلات مستفيضة مع موظفين ومسؤولين وعسكريين، ربط علاف في دراسته بين طاهر وشركة” سند” وشركة إدارة تدعى “صدى” لخدمات الطاقة، التي تشرف على العمال في ميناء طرطوس ومصنع حمص للأسمدة لمصلحة Stroytransgaz Logistic.

وقال علاف لـ OCCRP: “علي طاهر وماهر الأسد يجنيان ثروات من صناعة الفوسفات وتمتد أدوارهما من لحظة مغادرة الشحنات المنجم ونقلها عبر الصحراء، وصولاً إلى محطة التصدير في طرطوس”.

ولم يرد الوزير طعمة ومسؤولو “الشركة العامة للفوسفات والمعادن” التابعة للحكومة على طلب الصحافيين التعليق. ولم يتمكن الصحافيون من الوصول إلى طاهر.

سفن الأشباح

بعد مغادرة المناجم، يشق معظم الفوسفات السوري طريقه إلى ميناء طرطوس على البحر الأبيض المتوسط، موطن القاعدة البحرية الروسية الرئيسية في البلاد. ولكن، مثل السفينة “قبرصلي -واي”، لا تظهر رحلات كثيرة من هذا النوع في بيانات التتبع الالكتروني للسفن.

تابع OCCRP وشركاؤه السفن التي قامت بتحميل عشرات شحنات الفوسفات من سوريا إلى موانئ في أوروبا  والشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين عامي 2019 و2021. باستخدام سجلات الموانئ وصور الأقمار الصناعية و بيانات المصادر المفتوحة، قام الصحافيون برسم خرائط سير لـ15 رحلة بدأت من الأرصفة المخصصة لتحميل الفوسفات في ميناء طرطوس قبل التوجه إلى أوروبا.

تظهر بيانات الموقع التفصيلية المتاحة لسبع من هذه الرحلات أن السفن وعند اقترابها من طرطوس تغلق أنظمة تحديد الهوية التلقائية الخاصة بها، وهي خدمة تتبع إلكتروني تعرف بـAIS . قبل القيام بذلك، قامت السفن بإرسال إشعار بأن وجهتها كانت موانئ في لبنان أو تركيا أو مصر. ثم عادت كلها إلى الظهور على AIS بعد نحو أسبوع بالقرب من جزيرة قبرص. 

وقال قبطان سفينة سوري من طرطوس تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، “لا يريد مالكو السفينة أن يعرف أحد أن سفينته آتية من بلد خاضع لعقوبات اقتصادية مثل سوريا”.

اختفت سفينة دايتونا برايم التي ترفع علم سيراليون من أنظمة AIS جنوب قبرص، أثناء توجهها إلى سوريا في 20 كانون الثاني/ يناير 2019.  وتظهر صور الأقمار الصناعية السفينة راسية في طرطوس بعد أسبوعين، حيث تكشف وثائق الميناء أنها زارت أرصفة تحميل الفوسفات في اليوم التالي.

وظهرت السفينة مرة أخرى على متن AIS، جنوب قبرص قبل أن تصل إلى ميناء كونستانزا الروماني على البحر الأسود في 16 شباط، وهو اليوم الذي تظهر فيه السجلات الجمركية الرومانية استيراد شحنة من الفوسفات السوري.

أوقف ميناء طرطوس خدمة إظهار السجلات الخاصة بالسفن التي تزور الميناء أو تخرج في حزيران/ يونيو 2020، ولكن باستخدام صور مفتوحة المصدر والأقمار الصناعية، يمكن تحديد شحنات الفوسفات السوري الأحدث .

اختفت سفينة شحن ترفع علم هندوراس تسمى Sea Navigator من AIS، قبالة ساحل قبرص في 4 كانون الثاني، ثم عادت متجهة شمالاً قبل الوصول إلى ميناء كونستانزا الروماني في 21 من الشهر ذاته. خلال هذا الوقت، ظهرت السفينة في خلفية صورة شخصية التقطها عامل في رصيف فوسفات طرطوس والتي تم نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي. 

تطلب المنظمة البحرية الدولية، وهي وكالة الأمم المتحدة التي تنظم الشحن العالمي، من السفن بث مواقع AIS في جميع الأوقات، لذا فإن السفن التي تعاني من الاختفاء مثل هذه السفينة تمثل مشكلة. إلى جانب التهديد بالتعويض والسمعة السيئة، يسمح اختفاء كهذا لمستوردي الفوسفات السوري من الأوروبيين الذين يتعاملون مع مالكي السفن بأن يعملوا على الهامش القانوني لهذه الصناعة. 

إحدى هذه الشركات Aminos Maritime Ltd، مالكة سفينة Kubrosli-y، التي رصدها الصحافيون أثناء إيقاف خدمة التتبع الالكتروني في أيار/ مايو من العام الماضي، قبل أن تنزل حمولتها من الفوسفات في أوكرانيا. السفينة ذاتها أوصلت حمولات مشابهة الى رومانيا واليونان. وقد رفضت الشركة المالكة والمشغلة للسفينة التعليق.

قال إبراهيم العلبي الخبير القانوني السوري الذي يتابع التهرب من العقوبات إن الأساليب المستخدمة للالتفاف على العقوبات في سوريا ستساعد على الأرجح الشركات الروسية على تجنب العقوبات الجديدة التي فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بسبب الحرب الأوكرانية.

وقال: “تظهر تجارة الفوسفات السوري أسباب عدم ملاءمة نظام عقوبات الاتحاد الأوروبي مع الغرض” الذي فرضت من أجله، حيث يمكن التهرب من العقوبات  والأمر ليس بهذه الصعوبة”.

كما أدت الشرعية المشكوك فيها لهذه الصناعة إلى ظهور شبكة معقدة من الوكلاء والوسطاء.  

“أموال دية الدم”

في أحد شوارع التسوق المزدحمة في حي كنسينغتون الراقي في لندن، تم إدراج مكتب صغير فوق متجر للملابس المستعملة كعنوان لشركة بريطانية تسمى “ريسالبر تريدنيغ” Resalper Trading.

باعت الشركة ما قيمته 450 ألف دولار من الفوسفات السوري إلى شركة “برايم أورغانيكس” Prime Organics الأوكرانية في آب/ أغسطس 2020، وهي أكبر مستورد للفوسفات السوري في البلاد على مدى العامين الماضيين وفقاً لسجلات الجمارك الأوكرانية. لكن “ريسالبر تريدنيغ” Resalper Trading، لم يكن لديها أي أنشطة مالية في نهاية عام 2020، وأصول شهرية في الشهر ذاته بقيمة 650 ألف دولار بحسب آخر إيداع رسمي.

ينتمي المكتب في كنسينغتون إلى وكلاء تكوين شركات Company Wizard وQuick File. وعندما اتصل OCCRP بالأوكراني رسلان توركوفسكي (29 سنة)، والذي أسس Resalper Trading عام 2019، رفض التعليق.

تضخمت واردات أوكرانيا من الفوسفات السوري من 3 ملايين دولار عام 2018 إلى 15 مليون دولار في العام الماضي، على رغم العقوبات الأوكرانية المفروضة على Stroytransgaz وتيموشينكو، بسبب ضم شبه جزيرة القرم عام 2014. وتدخل معظم الشحنات التي تصل عن طريق البحر عبر ميناء نيكا تيرا، الذي يملكه ديميترو فيرتاش الأوليغارشي الموالي لموسكو والخاضع للعقوبات. 

قالت خبيرة العقوبات إيرين كينيون، مديرة استخبارات المخاطر في شركة  “فايف باي سوليوشنز FiveBy Solutions” الاستشارية، إن استخدام الشركات الوهمية هو استراتيجية شائعة لإخفاء حقيقة أن الكيانات أو الأفراد الخاضعين للعقوبات، يستفيدون من التجارة. 

وتابعت: “على رغم أنك قد تكون على حق من الناحية القانونية، إلا أنك تعطي أيضاً أموال الدية لنظام ينتهك حقوق الإنسان وأوليغارشية روسية خاضعة للعقوبات”.

وتوقفت واردات أوكرانيا بعد الغزو الروسي في شباط، لكن البلاد ليست المشتري الوحيد للفوسفات السوري. 

في صربيا، أكبر مشترٍ في أوروبا في السنوات الأخيرة، جاءت الواردات عبر شركة كانت تعمل في مجال صناعة التجميل سابقاً Yufofarm. وتظهر سجلات الشركات الصربية أن الشركة استوردت ما قيمته 29.9 مليون دولار أميركي من سوريا عام 2021، لكن السجلات لا تحدد المستوردات. كما رفضت شركة Yufofarm  التعليق.

تعود ملكية Yufofarm إلى الشريك التجاري لشركة تابعة لستانكو بوبوفيتش Stanko Popovic، الذي اشترت شركته “الإكسير غروب” Elixir Group، المتخصصة في الأعلاف، الفوسفات السوري الذي استوردته Yufofarm. الشركة الصربية Elixir هي المورد الحصري لحمض الفوسفوريك- الذي يستخدم في صنع الأسمدة والأعلاف الحيوانية- للعمليات المحلية لمجموعة فرنسية اسمها “رولييه” Groupe Roullier.

لم يعلق الناطق باسم المجموعة الفرنسية على سؤال حول استخدام الفوسفات السوري لكنه أكد أن الشركة قامت بشراء منشأة صناعية من شركة Elixir Group.

أقر بوبوفيتش بشراء الفوسفات السوري منذ عام 1970، لكنه قال للصحافيين إن جميع معاملاته التجارية كانت “متوافقة تماماً مع القانون”. وتابع: “لا نتعامل مع أي شركة في سوريا على أساس استيراد الفوسفات أو على أي أساس أخر”.

وقال محام بحري لـOCCRP دون الكشف عن هويته لأنه لم يكن مخولا بالتواصل الصحافة.: “إذا لم يكن الشخص الذي تشتري منه البضائع خاضعاً للعقوبات، فسيتم استبعادك ولن تخرق بالضرورة العقوبات بنفسك”. وأضاف: “هذه هي النسخة التجارية لعمليات  غسل الأموال الدولية”.

جاءت واردات أخرى من خلال شركة تجميل سابقة تدعى يوفوفارم Yufofarm، ارتفعت إيراداتها من 10 آلاف دولار عام 2019 إلى 12 مليون دولار في العام التالي. ويظهر سجل تجاري صربي يستند إلى بيانات الجمارك أن الشركة استوردت نحو 24 مليون دولار من المنتجات من سوريا عام 2021، ولكن ليس ما كانت عليه. وامتنعت يوفوفارم Yufofarm عن التعليق.

إضافة إلى اليونان، استأنفت أربع دول أعضاء على الأقل في الاتحاد الأوروبي، إيطاليا وبلغاريا وإسبانيا وبولندا، في الفترة الأخيرة وارداتها من الفوسفات السوري، وفقاً لما أظهره OCCRP وشركاؤه. وتؤكد البيانات التجارية للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة أن إيطاليا بدأت الاستيراد عام 2020، وبلغاريا عام 2021، وإسبانيا وبولندا في وقت سابق من هذا العام.

دخلت معظم الواردات الاوروبية من الفوسفات السوري القارة العجوز من خلال رومانيا. معظم الشحنات تمت عبر شركتين في الشرق الأوسط: “بلو غلف تريدينغ” Blue Gulf Trading المسجلة في الإمارات العربية المتحدة و”ميد سي تريدينج” Medsea Trading المسجلة في لبنان، وتعود ملكية كليهما إلى رجل الأعمال اللبناني عفيف نزيه عوف، الذي لم يرد على طلبات للتعليق.

في إيطاليا، يتم استيراد الفوسفات السوري من قبل Puccioni Spa، وهي شركة أسمدة إيطالية عريقة. وأكدت الشركة عمليات الشراء، لكنها قالت إنها تعاملت مع السلطات السورية من خلال وسيط ولم تعمل مع “ستروي ترانس غاز” Stroytransgaz. وامتنعت عن ذكر اسم الوسيط.

في بلغاريا ، يتم استيراد الفوسفات السوري من قبل شركة بلغارية صغيرة تسمى Fertix EOOD تأسست عام 2017. يتمتع مديرها التنفيذي رادوستين راديف بعلاقات عميقة في قطاع الزراعة في بلغاريا، بعدما بدأ كان حياته المهنية في Agropolychim، أكبر منتج للأسمدة في البلقان.

وقال راديف إنه باع بعض الفوسفات السوري إلى  “يوروكيم أغرو بلغاريا” EuroChem Agro Bulgaria التابعة لمجموعة “يوروكيم إيه جي” Eurochem Group AG، والمرتبطة بالملياردير الروسي أندريه إيغورفيتش ميلنيشينكو. وضعت بريطانيا والاتحاد الأوروبي ميلنيشينكو على لائحة عقوباتها  لدعمه حرب روسيا على أوكرانيا، وانسحب ميلينشينكو أخيراً ًمن مجلس إدارة الشركة وكمستفيد “رئيسي” منها. 

تتنامى تجارة الفوسفات السوري هذه الأيام برغم التعقيدات السياسية.

وقال سيرجيو موسكالينكو، مدير مصنع  Dnipro Mineral Fertilizer Plant، وهي شركة أوكرانية تستخدم الفوسفات السوري إن طريقة استيراد مواد عملية. وقال :”انظر، نحتاج أن نأكل”. “ولكي نأكل علينا تزويد التربة بالأسمدة، ولكي نفعل ذلك علينا شراء المواد الخام. لشراء المواد الخام علينا للأسف الالتفات الى……”. وتوقف موسكالينكو عن الحديث قليلاً ثم استطرد: “نأخذ أي فوسفات يعرض علينا”.

شارك في إعداد هذا التحقيق الاستقصائي كل من:   إيفا كونستانتاراس (لايتهاوس ريبورتسهلا ناصر الدين، (موقع “درج” اللبناني) و آدم شمس الدين (تلفزيون “الجديد” في لبنان)، وهيرفي شامبونيير (لو تيليغرام)، أيمن مكية، أحمد عبيد، أحمد حاج حمدو (وحدة سراج).  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني