“عبودية على أبواب أوروبا”… الشرطة اليونانية تجنّد طالبي لجوء سوريين لترحيل أقرانهم 

يكشف هذا التحقيق الاستقصائي، عن استخدام القوات اليونانية لاجئين ممّن قُبض عليهم لاعتقال وترحيل لاجئين آخرين ضمن عملية تتخلّلها سلسلة انتهاكات لحقوق الإنسان.

هذا التحقيق ينشر بالشراكة مع: The Guardian – Der Spiegel – Tgesschau – Reporters United – Le Monde – SIRAJ

في طريق الإعادة القسرية من اليونان إلى تركيا عبر نهر ايفروس الحدودي، الشاب السوري أحمد داخل شاحنة الترحيل التي لا تحمل أي تعريف، وبداخلها مجموعة كبيرة من السوريين، جلّهم من اللاجئين وآخرين من عاملي السخرة، جنّدتهم السلطات اليونانية لإعادة أبناء جلدتهم إمّا تحت الضغط والإكراه، أو تخييرهم بين إبعادهم إلى تركيا أو العمل معهم لفترة محدودة مقابل السماح لهم بالسفر إلى أوروبا.

خلال وجوده في صندوق الحافلة، أخرج أحد السوريين المجنّدين لدى الشرطة اليونانية سيجارة ملفوفة يدوياً، وأعطاها لأحمد كنوع من الملاطفة وتخفيف الشعور بالذنب، دخّن أحمد السيجارة وعندما بدأت عملية إعادة اللاجئين عبر النهر، فالمجنّد ذاته الذي أعطاه السيجارة قام برميه قبل الوصول إلى ضفّة النهر الأخرى على الجانب التركي وعاد مسرعاً، ليكتشف أحمد أن تلك السيجارة لم تكن سوى محاولة ملاطفة لضمان عدم مقاومته خلال الإعادة القسرية إلى تركيا بالقارب المطاطي.

بدأت قصّة أحمد الذي لا يريد ذكر اسمه الكامل صيف 2021، عندما قرّر الفرار إلى أوروبا بعدما أُغلقت كل السبل في وجهه للبقاء والعيش في تركيا دون وثائق، فقرّر الهروب بطريقة غير شرعية مع مجموعة سوريين آخرين.

بعدما مشى داخل اليونان لبضع ساعات، قبض على أحمد عناصر من ضباط الأمن اليوناني، سلبوه هاتفه المحمول وأمواله وشاحن الطاقة (Power Bank) ثم تعرّض للضرب بالهراوات وأعيد إلى تركيا حافياً وعارياً، باستثناء سروال قصير كان يستره، وذلك بعدما مكث ساعات داخل سجن يسمّيه اللاجئون “أبو شبك” لأنّه عبارة عن أسلاك معدنية تم صنعها قرب أحد المخافر الحدودية.

على غرار أحمد يكشف هذا التحقيق الاستقصائي، عن استخدام القوات اليونانية لاجئين ممّن قُبض عليهم لاعتقال وترحيل لاجئين آخرين ضمن عملية تتخلّلها سلسلة انتهاكات لحقوق الإنسان، تبدأ بسلب الممتلكات الثمينة، مروراً بالضرب والسجن والإهانة، ولا تنتهي عند الإعادة القسرية إلى تركيا، برغم أن القانون يلزم اليونان العضو في الاتحاد الأوروبي بدراسة طلبات لجوء الأشخاص الذين يصلون إلى أراضيها.

اطلعت “الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج” على الأدلّة والإثباتات التي عمل عليها طيلة عامين  كل من منظمة “لايت هاوس” الاستقصائية الهولندية، وصحف “الغارديان” البريطانية، و”لوموند” الفرنسية، و”دير شبيغل” الألمانية، وتلفزيون ARD Report München الألماني، وقدّم فريق من الصحافيين أدلة إضافية على تعرض اللاجئين السوريين لانتهاكات على أبواب اليونان، وتحقق من معلومات عن خلفيات المتورطين السوريين بصدّ طالبي اللجوء. 

عمليات ترحيل عنيفة 

قام فريق البحث بالتعاون مع صفحة فايسبوك Consolidated rescue group لتعقب ستّة لاجئين (خمسة سوريين وجزائري) رجال أكّدوا في مقابلات فردية مع فريق التحقيق أنّهم عملوا بالفعل مع شرطة الحدود اليونانية على الترحيل العنيف لطالبي اللجوء، وهو أمر يتطابق مع سلسلة أدلّة ووثائق يونانية، حصل عليها فريق المحقّقين خلال أشهر من العمل.

هذا الإجراء، أدّى إلى زهق أرواح طالبي لجوء خلال محاولة عبورهم من تركيا إلى أبواب الاتحاد الأوروبي، وهو ما حدث في صبيحة الثاني من شباط/ فبراير الفائت، عندما عثرت القوات التركية على جثث لـ12 طالب لجوء سوري، كانوا متجمّدين من البرد، بعدما جُرّدوا من ثيابهم ومقتنياتهم وأُعيدوا إلى الأراضي التركية بسراويلهم الداخلية فقط، بينما كانت درجات الحرارة منخفضة للغاية في تلك الفترة.

كما تحدّث فريق المحقّقين مع سكانٍ من القرى اليونانية القريبة من الحدود، وأكّدوا وجود مهاجرين يقومون بعمليات ترحيل نيابة عن الشرطة.

كما  لاحظ المزارعون و الصيادون الذين يسمح لهم بدخول المنطقة المحظورة في إيفروس مراراً وتكراراً اللاجئين وهم يقومون بعملهم، وقال أحد السكان المحليين: “لا نشاهد مهاجرين على هذا الامتداد من إيفروس، باستثناء أولئك الذين يعملون لدى الشرطة”.

كما أكد ثلاثة من ضباط الشرطة اليونانية المطلعين على الأحداث هذه الممارسة لفريق المحقّقين، فيما لم تتجاوب السلطات اليونانية حتّى اليوم مع الاستفسارات الرسمية التي وجهها فريق المحقّقين.

وفقاً للقانون الأوروبي، فإن اليونان ملزمة بدراسة طلبات اللجوء للأشخاص الذين يصلون إلى الأراضي اليونانية ويطلبون الحماية، ولكن السلطات اليونانية انتهكت هذا القانون بشكل منهجي لسنوات، كحال دولٍ أخرى في الاتحاد الأوروبي.

وتصف لويز أمتسبرغ، مفوضة الحكومة الفيدرالية لحقوق الإنسان في ألمانيا هذا الأمر بأنّه “انتهاكاً لجميع القيم التي نحملها في الاتحاد الأوروبي”.

باسل م. (شاب سوري في أواخر العشرينات) كان من بين من تم القبض عليهم في اليونان في المحاولة العاشرة للوصول إلى أوروبا، لأنّه كان يتحدّث الإنكليزية اتهمته الشرطة بأنّه مهرّب بشر، ثم خيّرته بين محاكمته كمهرّب أو العمل معها في ترحيل اللاجئين، وذلك بعدما تعرّض هو نفسه للترحيل والاعتداء من مهاجرين آخرين في محاولاته السابقة.

كان هذا الخيار واحداً من أصعب القرارات التي يتّخذها باسل في حياته، إذ كان على وشك السجن لسنوات بتهمة ملفّقة، أو المشاركة في الانتهاكات التي تقوم بها القوات اليونانية، وهو ما اختاره في نهاية المطاف.

يقول باسل الذي لم يذكر اسمه كاملاً خوفاً من الانتقام: “إنّه لم يتقاضى أي أموال جراء عمله كما أنّه لم يكن يحصل على الطعام بشكلٍ منظّم، فكان يأكل من بقايا الأطعمة التي يتم سرقتها من اللاجئين، ولا يُسمح له بمغادرة مركز الشرطة وحده ويقول: “خلال فترة خدمتي مع القوات اليونان تم معاملتي مثل العبيد، كنتُ أتعرّض للضرب في حال لم أنفّذ الأوامر بالسرعة الكافية”.

إقرأوا أيضاً:

السوري “مايك”.. بطل التجنيد لدى الشرطة اليونانية

حدّد فريق المحقّقين، ثلاثة مراكز شرطة قريبة من الحدود اليونانية – التركية، تستخدمها قوات الأخيرة لتجنيد المهاجرين من أجل ترحيل مهاجرين آخرين من بينهم مركز تيخيرو للشرطة، الذي تم تجنيد باسل فيه للعمل مع الشرطة اليونانية، خلال محاولته الوصول إلى أوروبا.

على بُعد بضعة كيلومترات من نهر ايفروس الحدودي، يوجد محطّة نيو تشيمونيو التي تشتهر بسمعة خاصة بين اللاجئين، فهناك لاجئ سوري يسن في إحدى الغرف مسبقة الصنع (كرفان) الموجودة داخل مخفر الشرطة إلى تلك المنطقة، وهو المسؤول عن تجنيد لاجئين جدد للعمل في الترحيل مع الشرطة اليونانية، ونجح فريق المحقّقين بالوصول إلى كافة بياناته، والوصول إلى سجلّه القضائي في سوريا، ليكتشفوا أنّه متورطاً في سلسلة قضايا خلفيتها جنائية بحتة.

ينحدر اللاجئ الذي أطلق على نفسه اسم “مايك” لإخفاء هويته الأصلية، من ريف محافظة حمص وسط سوريا.

ووفقاً لبحث أجراه فريق المحقّقين، فإن سوء معاملة اللاجئين واستعبادهم من قبل الشرطة اليونانية لا تحدث في تيخيرو، بل في ثلاثة مراكز شرطة على الأقل على طول النهر الحدودي.

وتشتهر محطة نيو تشيمونيو، التي تقع على بعد بضعة كيلومترات فقط من نهر إيفروس، بسمعة خاصة بين اللاجئين، بسبب وجود عاملين في الترحيل مع الشرطة اليونانية، يراهم السكّان في المنطقة بشكلٍ مستمر، كما أنّهم يتسوّقون من المتاجر الموجودة هناك. وتحدّث عنهم صاحب متجر في المنطقة، ووصفهم بـ”المجنّدين الجدد”.

بحسب منظمتي “هيومن رايتس ووتش” و”جسور”، فإن هذه التقنية، التي تقوم على استخدام المهاجرين لإعادة الوافدين الجدد إلى تركيا، تكررت في شهادات الكثير من الضحايا منذ عام 2020، في أعقاب التوترات على الحدود في آذار/ مارس 2020، عندما هددت أنقرة للسماح لآلاف المهاجرين بالمرور إلى أوروبا، كانت السلطات اليونانية ستكثف استخدام هذه الممارسة لمنع قواتها من الاقتراب بشكل خطير للغاية إلى الأراضي التركية، كما أكد ثلاثة ضباط شرطة تمركزوا على الحدود. 

وقال ضابط كبير مسؤول عن عمليات الحدود: “إن هذا العمل الجبري للمهاجرين يحظى بدعم سياسي. ولن يقوم به أي ضابط شرطة بمفرده”.

السوري الذي يحمل اسم “مايك” هو المسؤول عن تجنيد المهاجرين هنا للعمل مع السلطات اليونانية. وكان مايك متورطاً في التهريب والاتجار بالمخدرات في مسقط رأسه حمص، وفقاً لقاعدة بيانات الشرطة.

وهو يقوم بشكل دوري بتجنيد مهاجرين لمساعدة الشرطة اليونانية في عمليات الترحيل، هذا الأمر أكّده ثلاثة لاجئين عملوا تحت إمرته سابقاً في نيو تشيمونيو.

بحسب المصادر الثلاثة المتطابقة، فإنّهم دفعوا 5000 يورو لشبكة في اسطنبول مقابل وعودٍ بأنّهم سيتمكّنون من عبور اليونان دون الاصطدام مع الشرطة اليونانية، حيث سيعملون معها لبضعة أيام، تحت قيادة مايك ثم سيتم إطلاق سراحهم بوثيقة “ورقة طرد” تخوّل حاملها بالتنقّل داخل اليونان لبضعة أيام تكفيه للوصول إلى الدولة التالية.

وأكّد اثنان من اللاجئين الثلاثة، أنّهم لم يكن لديهم علمٌ مسبق بطبيعة “الصفقة” التي عقدوها مع المهرّبين، أو نوع الأعمال التي سيقومون بها، فكان جل ما يعرفونه بأنّهم سوف يبقون في قسم الشرطة اليوناني لأيام لحين استصدار وثائق تخوّلهم إكمال طريقهم إلى القارة الأوروبية.

اثنان من أصل 3 من اللاجئين صرحوا لفريق التحقيق بأنه لم يكن لديهم علم عن طبيعة الصفقة التي عقدوها مع المهربين الذين وعدوهم بأنهم سيبقون في قسم الشرطة اليوناني لأيام لحين اصدار اوراق تخولهم بالمضي قدماً في طريقهم إلى أوروبا.

خلال التواصل المكثّف مع المهربين، لاحظ المحقّقون عروضات تحمل اسم “طريق اتفاقية” إلى اليونان، أي أنّه يتم بموجب اتفاقية بين المهرب ومتعاملين مع الشرطة اليونانية تجنباً لخطر الاعتقال والإعادة إلى تركيا.

وحصل فريق المحقّقين على صورٍ تظهر مايك وهو يجلس أمام الكرفانة البيضاء داخل مركز الشرطة.

كما أكد أحد السكان المحليين أن اللاجئين الذين يعملون في الشرطة في نيو شيمونيو يعيشون في كرفانات في موقف السيارات في المحطة، ولدى مايك شعر قصير حليق ويرتدي زياً مموهاً، كما يتذكره أحد السكان المحليين.

يصف اللاجئون “مايك” بأنه عنيف، إذ قال لاجئ سوري عمل تحت إمرته لمدّة 45 يوماً: “لقد ضرب اللاجئين أمامنا خلال عمليات الترحيل وطلب منّا أن نفعل الشيء ذاته حتّى تكون الشرطة اليونانية سعيدة بعملنا”.

في الوقت الذي تتحدّث فيه الحكومة اليونانية عن ملاحقتها لمهرّبي البشر ومحاكمتهم، يستطيع “مايك” أن يعمل مع المهربّين على استقدام لاجئين جدد من تركيا بعد أن يدفعوا هناك، وتهريبهم إلى اليونان من أجل العمل على ترحيل اللاجئين برفقة ضباط الشرطة اليونانية أنفسهم.

يوضح لاجئون عملوا تحت إمرة “مايك” سابقاً أنّه كان يبحث عن الأموال والأشياء الثمينة بشكلٍ منتظم لسرقتها، كما أنّه يحقّق ربحاً ضخماً من تهريب البشر، بينما تتفاخر زوجته على تطبيق “تيك توك” بمنزل وسيارة من طراز مرسيدس في فرنسا.

بالمقابل، اطلع فريق التحقيق على معلومات تفيد بأنّ مايك قد رُفعت باسمه إذاعة بحث في سوريا من قيادة شرطة محافظة حمص- فرع الأمن الجنائي عام 2006، بتهمة “السلب”، كما ورد اسمه في برقية أخرى من قيادة شرطة حمص عام 2009، بتهمة “تهريب المازوت”.

وظهر اسمه أيضاً في مذكرة شرطية صادرة عن شرطة ريف دمشق عام 2014، بتهمة “سرقة سيارة”.

أمام ذلك، يدعم الاتحاد الأوروبي اليونان لتأمين حدودها بمبلغ 700 مليون يورو سنوياً، وهو ما دعا منظمة “هيومن رايتس ووتش” إلى ضرورة دعوة بروكسيل وحكومات أخرى في الاتحاد إلى عدم غض البصر عن الانتهاكات للقانون الأوروبي على الحدود الخارجية.

انتهت خدمة “باسل م” في مهماته في تيشيرو مع القوات اليونانية بعد ثلاثة أشهر، وتم منحه ورقة “إقامة موقتة” (خارطية) مدّتها أيام قليلة تساعده على التوجّه إلى شمال اليونان ومنها إلى دول البلقان، ولكن حلّ مكانه مهاجرون جدد، ما يعني أن الانتهاك ما زال مستمرّاً، بكل ما يحمله من عبودية وعمل بنظام “السخرة” على الأراضي الأوروبية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني