حرب على أجساد النساء: ما تبعات منع الإجهاض في الولايات المتحدة؟

منع الاجهاض أو محاولات حده بشروط معينة لا يؤدي بالضرورة الى انخفاض نسبة الإجهاض بل يؤدي حتماً إلى ارتفاع نسبة ضحاياه من النساء في البلد الذي يمنعه.

أصدرت المحكمة العليا في الولايات المتحدة قراراً يقضي بتراجعها عن حماية حق النساء بالإجهاض. منذ 50 عاماً، أصدرت المحكمة ذاتها قراراً بحماية حق النساء بالإجهاض وهو القرار المعروف بـRoe V Wade. في موضوع الإجهاض، يتأرجح العالم بين وجهتي نظر: واحدة تعتبر نفسها “داعمة للحياة” وأخرى تدعم حق المرأة باتخاذ القرارات المتعلقة بجسدها، وكأن دعم المرأة لا يساوي دعم الحياة. وفي كلتي الحالتين، يتخذ القرار في غرف سياسية مغلقة بأغلبية ذكورية وبعض النساء… الذكوريات أحياناً. 

لكن ما شأن الدولة بقرار الإنجاب أو رفضه؟ وهل تنتظر النساء أن يجتمع مجلس من الأشخاص الذين لا يعرفنهم لكي يسمح لهن بالإنجاب أو يحكم قبضته على أرحامهن؟

وضع الإجهاض في إطار سياسي كي يلعب دوراً تاريخياً بوضع حد لتكاثر الفئات “غير المرغوب بها”. في الولايات المتحدة، منع الإجهاض على السيدات الأميركيات بينما سمح للسيدات الأفريقيات. اليوم، يستخدم الإجهاض في الحرب لمنع تكاثر أعداد فئة معينة. كما أن هناك محاولات للاستعاضة عنه بوسائل منع الحمل كوسائل لا تقتل بل تمنع التكاثر وكثيراً ما تصدح أصوات تطالب الحكومات والجمعيات بإجبار الفقراء واللاجئين على استخدام هذه الوسائل كوسيلة من حد “الأثر السلبي” لهذه الفئات على المجتمع. باعتبار الاجهاض مكروهاً ومنبوذاً وغير أخلاقي، يقتل “روحاً”، يُستبدل بوسائل غير دموية لمنع تكوين الروح. 

عوامل مثل الحركات النسوية التي طالبت بحق المرأة باتخاذ القرارات المتعلقة بجسدها والمشكلات الاقتصادية والبيئية المتعلقة بندرة الموارد والاكتظاظ السكاني والتقدم العلمي أدت إلى اعتبار الإجهاض طبيعياً. وقونن في ما بعد في بعض الدول ليسمح به على الأقل خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل أو أقل بحسب قانون كل دولة. في بعض الدول، يمنع الإجهاض في مراحل متقدمة من الحمل. كما قد لا تجرم بعض الحكومات الإجهاض إلا أنها تحده وتضع له معايير محددة يصبح بعدها الإجهاض صعباً، إن لم يكن مستحيلاً. ويخرج من أطر الجسد الضيق وحميمية الاختيار الذاتي إلى قرار تجتمع العائلة الممتدة لاتخاذه، إذ يحتاج الى توقيع الأب وموافقة العم ومرافقة “ولي الأمر”. 

هكذا يختلط العامل السياسي مع العامل الاجتماعي إذ يفضح “سر” الإجهاض، ما يتيح للجميع إبداء الرأي بأجساد النساء وتقييم أمومتهن وإنسانيتهن، باعتبار أن المرأة التي تخضع للاجهاض تخالف “دورها الطبيعي” بالإنجاب. وتكون أقل “أنوثة وانسانية” من تلك التي تختار الأمومة حتى وإن كلفت الأطفال حياة مريرة كالعيش مع أب معنف أو بظل ظروف اقتصادية خانقة. يمكننا القول إن المجتمع اتفق على رد موحد تحول رويداً رويداً إلى ما قد يكون المثل الشعبي الأشهر: “بيجي الولد وبتجي رزقته معه”. 

أما السياسة فلا تحتاج لتبرير منع الاجهاض إلا بذريعة “احترامها للحياة”، في أحسن الأحوال. وهي سقطة متكررة يرمي كثيرون إلى التطبيع معها عبر تكرارها لكنها في الحقيقة تعني أن الحكومة أو المحكمة العليا أو مجلس النواب وسائر المؤسسات التي تسن القوانين لا ترى المرأة إنساناً، له كيان مستقل أو حياة. تراها كائناً في رتبة ثانوية غير قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها حتى القرارات التي تتعلق بجسدها وأعضائها التناسلية. لذلك تقرر هذه المؤسسات عنها وترسم لها هامش حريتها الضيق طبعاً، بموافقة الأوصياء.

وإن لم يتطلب الاجهاض موافقة أحد سوى المرأة نفسها، فإنها تواجه مشكلات أخرى متعلقة بما إذا كانت تستحق الاجهاض. نعم، في بعض الدول، يكون الإجهاض مستحقاً أو لا. تستحق المرأة الإجهاض إذا هدد الحمل حياتها. عندما يستوجب السيناريو الاختيار بين الحمل أم الموت، ننحاز لحياة المرأة. لأن حياتها تعني حياة أطفال يعملون ويصوتون ويستهلكون لتستمر الدورة الاقتصادية. بنظر بعض الدول، الإنجاب هو محض تغذية للاقتصاد الوطني والعالمي. 

في حالات أخرى، يصبح الإجهاض مستحقاً عندما تظهر الصور الشعاعية اصابة الجنين بتشوه خلقي أو احدى المتلازمات التي تضعه في فئة ذوي الاحتياجات الخاصة. ما يعكس نظرة الدولة المعادية لهذه الفئة. ليصبح منع الإجهاض أو تقييده بحالات فردية قليلة تحددها الدولة انعكاساً لنظرتها تجاه فئات معينة من المجتمع وتقريرها أي جنين يستحق الحياة وأي جنين لا يستحقها.

كما قد يمنع الاجهاض إلا خلال الأسابيع الأولى من الحمل وهي فترة قد لا تعرف خلالها المرأة أنها حامل لتقرر إن كانت تريد أو تستطيع أن تنجب أم لا. فتمنع من الإجهاض لأنه لم يتسنّ لها أن تعرف بالحمل باكراً. وفي دول أخرى، يسمح بالإجهاض بحال كان الجنين نتاج حالة اغتصاب فتتحمل المدعية عبء إثبات الاغتصاب خلال مدة حملها. وهي عملية صعبة ومعقدة ومهينة بخاصة في الدول البيروقراطية وارتشاء القضاء ومحسوبيته، وفي الدول حيث الدستور لا يعرف الاغتصاب أصلاً أو ينفي بعضاً من أنواعه كالاغتصاب الزوجي. 

لذلك منع الاجهاض أو محاولات حده بشروط معينة لا يؤدي بالضرورة الى انخفاض نسبة الإجهاض بل يؤدي حتماً إلى ارتفاع نسبة ضحاياه من النساء في البلد الذي يمنعه. أما نساء ذلك البلد فيمكنهن السفر للاجهاض. بحسب تقرير منظمة العفو الدولية: “يسمح القانون في البلدان التي تفرض مثل هذه القيود عادة بما يعرف بالاستثناءات الضيقة من التشريع الذي يجرِّم الإجهاض… ولا تنطبق هذه الأسباب إلا على نسبة ضئيلة من حالات الإجهاض، ما يعني أن أغلبية النساء والفتيات اللاتي يعشن في ظل مثل هذه القوانين قد يجبرن على الخضوع لعمليات إجهاض غير آمنة، ويعرضن صحتهن وحياتهن للخطر.

برغم أن خيار الإجهاض أو الإنجاب يجب أن تقرره الأنثى أولاً، إلا أن تبعاته تعود على المرأة والرجل بشكل متساو.

وتؤثر هذه القوانين بصورة غير متناسبة على النساء المهمّشات، نظراً لعدم امتلاكهن الوسائل للحصول على خدمات الإجهاض الآمن والقانوني في بلد آخر، أو لدى مرافق القطاع الصحي الخاص. ويشمل هذا النساء والفتيات ذوات الدخل المتدني، واللاجئات والمهاجرات، والمراهقات، والمثليات والنساء… ومن لا تنطبق عليهم التعريفات التقليدية للنوع الاجتماعي، ونساء الأقليات والسكان الأصليين”. 

تفشل القوانين التي ترمي الى منع الإجهاض أو السيطرة عليه، لأن نسب الاجهاض ترتفع في الدول التي تمنعه مقارنة بتلك التي تسهله وتتيح مجانيته، وتفرض على المؤسسات السماح بفرصة مدفوعة للنساء اللواتي يخضعن له. تبلغ هذه النسبة 37 من أصل كل ألف شخص في البلدان التي تمنع الإجهاض وتبلغ 34 لكل ألف شخص في البلدان التي تتيحه. وهو فرق ضئيل إلا أنه يؤدي إلى 25 مليون حالة إجهاض غير آمنة سنويا في العالم. 

برغم أن خيار الإجهاض أو الإنجاب يجب أن تقرره الأنثى أولاً، إلا أن تبعاته تعود على المرأة والرجل بشكل متساو. قد لا يكون الشريك جاهزاً ليصبح أباً. وقد لا يتمتع بالوقت الكافي ليعطيه لابنه أو ابنته… وقد لا يرغب بأن يصير أباً لكنه لا يواجه تشكيكاً اجتماعياً برجولته، في حال أقر بذلك. 

والأهم أن الدول والحكومات التي تتغنى باحترام الحريات الشخصية قد تقدم على منع الاجهاض بازدواجية معايير تتيح التهرب الضرائبي، لكنها ترفض تحكم النساء بأجسادهن وتجبرهن على تربية أطفال كانوا نتاج اغتصاب مثلاً. فيما تفشل بسن قوانين تجرم الاغتصاب معلنة الحرب على أرحامنا ومخرجة حميميتنا إلى مساحة الجلد الاجتماعي. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني