عن جرائم قتل النساء: لنضع إصبعنا في عين الكره مهما كان الثمن!

تحتاج اليوم العدالة إلى تحركٍ على أرض الواقع، يبدو أن الرحلة ما زالت في بدايتها، وما زال أمامنا طريق طويل من النضال في وجه ذكوريين وذكوريات لا يريدون الاعتراف حتى بوجود جرائم قتل النساء. 

إذا أسسنا جيشاً من النساء لحماية النساء، هل سنكون متطرفات؟ وإذا سلّحنا النساء لحماية أنفسهن والأخريات هل سنُعَدّ مجنونات؟ وما الحل اليوم لمواجهة هذا العنف كله ضد النساء؟ هل ما أُخِذ منّا بالقوة يجب أن يسترجع بالقوة؟ وهل يجب أن يخافنا الذكوريون كما نخاف منهم لنصبح في مأمن؟ 

جميعنا تحت تهديد القتل 

لم أكن في يوم مع العنف لمواجهة العنف لكن للحظة قلت لنفسي، ما عاد الكلام والاحتجاج ولا المطالبة السلمية تنفع، يجب التظاهر والصراخ وإبعاد كل ذكوري من طريقنا، ليس لأننا نريد سلطة أو قوة أو نسعى إلى هضم حقوق الرجال، سنقوم بكل هذا فقط لأننا نريد الحياة، بعيداً من تهديدنا بالذبح في كل يوم لأن أحدهم “وقع في حبنا” وقرر قتلنا بعد رفضه. تملك كلّ منا قصة من هذا النوع، عن رجل مهووس، لاحقها على رغم الرفض، ليست المشكلة في هوس الملاحقة، والذي قد يتعلق بالرجل تماماً كما المرأة، لكن أيعقل الآن أن ننظر إلى كل مهووس على أنه قاتلنا المستقبلي؟

نحن خائفات والذكوريون يقولون إننا متطرفات، نحن نخشى على حيواتنا، والذكوريون يتهموننا بالعهر بحجة الدعوة إلى الفساد الأخلاقي، إننا ببساطة قلقات على بناتنا وصديقاتنا، والذكوريون يقولون: الرجال يُقتَلون أيضاً، وحين ندافع عن أنفسنا نُتهم باستغلال جرائم قتل النساء. هل المطالبة بقانون يجرم قتل النساء ويحميهن فساد أخلاقي؟ إذا كان كذلك فما الميزان الأخلاقي في كل ما يحصل إذاً؟ 

الحديث عن قصة واحدة ظهرت على العلن هو فرصة للتحدث عن ملايين النساء حول العالم وليس بهدف التسلق على آلام الآخرين، هي فرصة للدفاع عن الجميع ضد العنف، حين نكون جميعاً تحت تهديد الموت لن تكون الشهرة ذات أهمية، كما يدعي البعض، وسيكون اتهامنا بالتسلق فارغاً، إذ إننا بالفعل مشاريع ضحايا. 

هل هي جرائم قتلٍ عادية؟

يبدو أن هنالك استنكاراً لتحركات النسوية في العالم العربي، تحت مسميات عدة منها التطرف، أو تحويل جرائم قتل عادية قد تحدث للنساء والرجال على حدٍ سواء إلى ما يسمى بحسب زعمهم “جرائم قتل النساء”، أو تجاهل قتل النساء شركاءهم الذي يحدث أيضاً، كل هذا قد يبدو للحظة صحيحاً، إلا أن التمعن والبحث الدقيق في هذه الادعاءات يكشف أنها تحمل تشويشاً متعمداً، هدفه تحويل جرائم قتل النساء إلى جرائم عادية شبيهة بتلك التي تحدث عند السرقة على سبيل المثال، وهذا غير صحيح على الإطلاق، فجريمة قتل تحدث عند سرقة متجر بين طرفين لا تربطهما أي علاقة، لا يمكن أن تتساوى مع جريمة قتل يرتكبها شريك عاطفي أو أخ أو أب.

 تُعرّف الأمم المتحدة مصطلح جرائم قتل النساء، على أنه “الظاهرة الأكثر تطرفاً ووحشية من أشكال العنف التي تتعرض له النساء”، وهو ظاهرة منتشرة في جميع أنحاء العالم، بدرجات مختلفة، على سبيل المثال قالت منظمة “مسح الأسلحة الصغيرة” غير الحكومية في جنيف، أن سويسرا كانت واحدة من بين الدول المتقدمة النادرة التي لديها معدل كبير من جرائم قتل النساء أعلى من معدل ّجرائم قتل الرجال ولا يزال هذا الكلام صحيحاً حتى يومنا. 

في فرنسا وحدها سجلت القوات الأمنية عام 2021 حوالى 159 ألفاً و400 حالة عنف بين الشركاء أي أنه وبحسب مناهضي النسوية، فالرجال يتعرضون للعنف كما النساء، لكن للمصادفة أن عدد الضحايا من النساء هو 139 ألفاً و200، أما عدد الضحايا من الرجال هو 20 ألفاً، أي أن النساء أكثر عرضة للقتل على يد الشركاء بفارق شاسع في بلد متحضرٍ إلى حدٍ كبير كفرنسا، وهذا ما يدفعنا للتساؤل عن النسب الحقيقية للعنف ضد النساء في البلاد العربية مثلاً، حيث قد يندرج قتلهن تحت مسميات أخرى كالانتحار والحوادث العرضية والأمراض المستعصية.

وبحسب UN Women واحدة من كل ثلاث نساء تعرضت للعنف الجنسي أو العاطفي من قبل الشريك وعام 2020 قتلت 81000 امرأة وفتاة، قُتِل 58 في المئة منهن على يد شريك أو أحد أفراد الأسرة، وهو ما يعادل مقتل امرأة أو فتاة كل 11 دقيقة.

إقرأوا أيضاً:

التحرك النسوي وجبهاته

تحتاج اليوم العدالة إلى تحركٍ على أرض الواقع، يبدو أن الرحلة ما زالت في بدايتها، وما زال أمامنا طريق طويل من النضال في وجه ذكوريين وذكوريات لا يريدون الاعتراف حتى بوجود جرائم قتل النساء. 

وبالمناسبة، هؤلاء النساء يقتلن بناء على ثلاثة معطيات رئيسية أولاً لأنهن يُعتبرن في بيئات كثيرة بشراً درجة ثانية أو ممتلكات شخصية لذكور العائلة، وثانياً عنجهية الرجل عموماً التي ربتها المجتمعات والتقاليد والأديان والقوانين عبر مئات السنين والتي لشدة تضخمها لا تقبل أي شكل من أشكال الرفض حتى لو كان عاطفياً، فالطفل الذكر الذي زغردت النساء لقدومه “بعضو ذكري” وصفق الآباء له حين أطلق الشتائم في صغره، وأجبروا أخواته على خدمته، ولم يُعاقَب حين ضرب أخته، هذا الرجل لن يتقبل فكرة أن ترفضه فتاة بهذه البساطة! أما المعطى الثالث والأخير فهو تغطية المجتمع البطريركي لهذا الجرائم متذرعاً بلوم الضحية تحت مسميات كبيرة وفارغة كالستر والتدين ومساواتها بجرائم أخرى.

وبناء على هذا فأي تحرك يجب أن يقوم على ثلاث جبهات، أولاً التوعية المجتمعية وإعادة هيكلة للأسرة باعتبارها المنبت الأساسي لهذه الجرائم، ثانياً خلق مناخ قانوني للتأثير الإيجابي في الأسرة والذي لن ينجح بدون سن قوانين تحقق للمرأة مساواتها الكاملة مع الرجل، وأخيراً فصل الدين عن كل ما يتعلق بالمرأة وإعادة قراءة الدين الإسلامي بناء على المعطيات الحالية وليس بناء على معطيات عمرها 1400 عام. وهذا يعني فصل الدين تماماً عن القانون والتوقف عن تشريع قوانين مستمدة من الدين، إذ إن هناك مشكلة حقيقية اليوم أحد أسبابها الدين، الذي رسخ نظرة دونية للمرأة من خلال أحاديث وتفسيرات بعيدة من الواقع والقراءة الحالية للمجتمعات الإنسانية.

تلام الحركات النسوية على ردود فعلها التي توصف بالعنيفة، إزاء قصص القتل والتصفيات الجسدية في مجتمعات تكره النساء إلى هذا الحد… وكأن المنتظر هو المهادنة أو الاستعطاف… لكن الكيل طفح، ونريد ببساطة أن نضع إصبعنا في عين الكره، مهما كان الثمن!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني