نهاية العام الدراسي في لبنان…
امتحانات رسمية مرتبكة وطلاب وأساتذة منهكون 

يونيو 26, 2022
يتشارك الأساتذة والطلّاب والأهل المعاناة نفسها. وإن كانت الامتحانات الرسمية ستجرى بشكل طبيعي، لكن هل فعلاً حصل الطلّاب على ما يحتاجونه من مهارات ومعارف تخوّلهم لدخول الجامعة؟ 

“أشعر بالخوف على مستقبلي في التعليم الجامعي، نحن لم نكتسب المعارف الأساسية التي تخوّلنا إجراء الامتحانات الرسمية في 29 حزيران/ يونيو المقبل”، يقول علي (18 سنة)، تلميذ ثانوية رسمية في جنوب لبنان، وهو واحد من آلاف التلامذة الذين يعانون بشدّة بسبب تردّي الأوضاع اللبنانية على جميع الأصعدة، ما ينعكس على القطاع التعليمي أيضاً، ويزداد الأمر صعوبة الآن فيما بدأ طلاب الشهادات الرسمية يخوضون امتحاناتهم في ظروف صعبة، بعد سنة ماراثونية. وعلي، كزملائه، يسعى جاهداً إلى تمرير هذا العام التعليمي، بأي شكلٍ كان: “كانت أسوأ سنة ولكن رغم كل هالظروف وصلنا ورح نخلّص من هالقرف”. 

منذ انتشار جائحة “كورونا”، وما رافقها من أزمات اقتصادية واجتماعية، يواجه القطاع التعليمي تحديات كثيرة أهمها انقطاع الكهرباء، والإنترنت، وسوء خدمة الاتصالات، وارتفاع الأقساط، وغلاء أسعار الكتب والأدوات المدرسية. 

“كنّا نكون بالصّف ضمن الشرح، وكل شوي تقطع الكهربا وما نفهم شي”، يتابع علي. الانقطاع الدائم للكهرباء كان يهدر وقت نصف الحصّة الدراسية، فيما يطيح عدم الاستيعاب والفوضى بالنصف الآخر منها. في مدرسة علي وغيرها من المدارس، بسبب ارتفاع أسعار المحروقات مقابل تقليل التغذية الكهربائية، لم يكن الالتزام بالتعليم الحضوري متاحاً فالمواصلات من المدارس وإليها باتت تكلّف العائلات ثروة، وبذلك أبقت مدارس عدة على التعليم من بعد لتخفيف المصاريف عن كاهلها وعن كاهل الأهالي. فالتعليم من بعد الذي فرضه الحجر الصحي خلال أزمة “كورونا”، كان الحل الوحيد، فإذ كان يفترض أن يعود الطلاب إلى صفوفهم بشكل طبيعي، لكن الأزمات المتلاحقة حالت دون ذلك. “لكن المشكلة بالبيت لا في كهربا ولا إنترنت ولا حتّى إرسال”، يستدرك علي. 

يعكس هذا المشهد هشاشة النظام، التي تمتد إلى مختلف الفئات الاجتماعية، فيما يكتفي المعنيون بالتصريحات المكررة والوعود الجارفة.

إذاً، بسبب الأوضاع الراهنة وأزمة الوقود، اضطرّت مدارس رسمية وخاصة إلى معاودة اعتماد التعليم المدمج. فالفوضى السياسية في هذين العامين أرخت بثقلها على القطاع التعليمي. وبحسب تقرير الصادر عن منظمة “هيومان رايتس ووتش”، فإن “ما لا يقل عن 700 ألف من أصل مليوني طفل في سنّ الدراسة في لبنان أصبحوا خارج المدرسة خلال العام الدراسي السابق. وفي بعض المناطق، ارتفعت معدلات عمالة الأطفال إلى 45 في المئة”. 

توهّم البعض أن أزمة “كورونا” سوف تكون الأسوأ على القطاع التعليمي لكن الأزمة تفاقمت لتطاول لا المدارس فحسب، بل الجامعات أيضاً. ومع اقتراب موعد الامتحانات الرسمية، يبدو ثِقل الأزمة التعليمية على كلٍّ من الأساتذة، والتلامذة، والمراكز التربوية.

ذكرت مصادر من وزارة التربية لـ”درج” أن الوزير عباس الحلبي أصدر قراراته بمراعاة الامتحانات الرسمية كل الظروف، وللمراحل التعليمية كافة. فقد أصدر الوزير قراراً بتحديد مواد اختيارية لطلّاب الشهادات وبتخفيف المناهج، ما يسهّل عليهم خوض الامتحانات المقبلة. 

لكن ذلك لا يخلو من السلبيات، إذ يقول علي: “تخفيف المناهج فادنا هالسّنة بس حنتعذب كتير بامتحانات دخول الجامعات لأنو بينطلب كل الدروس”. 

لبنان الأخير عربياً 

بحسب منهاج 1970، يُفترض أن يتعلّم الطلاب 170 يوماً في السنة، هذا ما انخفض مع بدء أزمة 2020 إلى 130 يوماً ثم إلى ما دون. ولا بد أن هذا القرار، إلى جانب تقليص المناهج، يرتّب خسائر تعليمية فادحة. فبحسب اختبارات “تيمس” و”بيزا” الدولية، كانت النتائج تظهر تراجع مستوى طلبة لبنان تباعاً. وكان لبنان الأخير بين الدول العربية في آخر جولة من هذه الاختبارات، كما يوضح الأستاذ في العلوم التربوية عدنان الأمين. 

ويوضح الأمين أن “وزارة التربية لم تُصدر أي تقرير عن حجم تلك الخسائر وتوزيعها بحسب المرحلة الدراسية، إذ إنها لم تطلب مثلاً من المدارس أن تجري اختبارات دخول للعام الدراسي 2021/2022 لتحديد مستوى التراجع، وتبني عليه برنامجاً ما لتعويض الخسائر”.

“كانت سنة شبه طبيعية، ونرى أن الطلاب على استعداد للامتحانات لكننا نلاحظ ضعفاً أكاديمياً لدى عند الطلاب الثانوية وكأنهم نسوا ما هي المدرسة”، تقول مُنى، وهي معلّمة في ثانوية خاصّة. يأخذنا هذا المشهد إلى أن المؤسسة التعليمية الخاصة لم تتأثر لناحية جودة التعليم بالأوضاع السيئة بشكل كبير كما الرسمية. فتلامذة بعض المدارس الخاصة يبدو عليهم أنهم جاهزون لخوض الامتحانات الرسمية أكثر من غيرهم. وإن كنّا لا نستطيع غض النظر عن سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يمرّون بها. هذا إلى جانب اضطرار الكثير من الأهالي إلى نقل أولادهم من المدارس الخاصة إلى الرسمية مع ارتفاع الأقساط بشكل هائل. 

إقرأوا أيضاً:

لكن المفارقة تكمُن في المدارس الرسمية التي كان لها النصيب الأكبر من الضياع وقلة التنظيم هذا العام. فإلى جانب ظروف الطلّاب، لا يمكن تجاهل معاناة أساتذة التعليم الثانوي الذين انخفضت قيمة رواتبهم نحو عشرة أضعاف. “بدي بنزين بالأسبوع ما يعادل مليون ونص، وأنا معاشي بالدولة 3 مليون ليرة”. تقول ريما، معلمة في ثانوية رسمية في بيروت، استغنت عن كل أشكال الرفاهية، بل أصبح أول اهتماماتها سعر صفيحة البنزين اليومية، ومأكلها وأولادها. من هذا الجانب نجد أن الأزمة بكل أشكالها كان لها تأثيرٌ نفسي على أساتذة الرسمي بشكل خاص. “بعدنا منروح لأنو واجب أخلاقي وبضلني بحس بحرقة، أنا علّمت أجيال وصفيت عالحديدة”. 

في المقابل، أكّد الحلبي أن هناك قراراً بزيادة بدل الأتعاب المقررة لأعمال المراقبة والتصحيح في الامتحانات الرسمية. هذا إلى الجانب المساعدات التي كانت قدّمتها الوزارة في العام الماضي والمتمثّلة بدعم النقل و90 دولاراً شهرياً لأساتذة القطاع الرسمي. فيما شدّدت رابطة أساتذة التعليم الثانوي على وعود الوزارة بالحوافز، والتي شدد عليها الحلبي لتمكين جميع العاملين في الامتحانات الحضور.  ما يشهده القطاع التعليمي الرسمي في لبنان أشبه بـ”حربٍ داخليّة” فالروابط التعليمية ليست سوى أغطية حزبيّة قليلة الكفاءة. 

يغفل جهاز الإرشاد والتوجيه في وزارة التربية منذ أزمة “كورونا” عن إصدار قراراتٍ تصب في مصلحة الأساتذة. بل أن هذا الجهاز الذي يضمّ كمّاً هائلاً من الموظفين، كما أكّدت ريما التي قدّمت استقالتها منه سابقاً، لم يسعَ إلى إعلان حالة طوارئ تعليمية. 

يتشارك الأساتذة والطلّاب والأهل المعاناة نفسها. وإن كانت الامتحانات الرسمية ستجرى بشكل طبيعي، لكن هل فعلاً حصل الطلّاب على ما يحتاجونه من مهارات ومعارف تخوّلهم لدخول الجامعة؟ 

تشير المعطيات إلى أن النظام التربوي في لبنان سوف يكون خلال السنوات المقبلة نظاماً للتجهيل العام. وسوف ينحصر التعليم في المؤسسات التربوية ذات الموارد العالية التي تستقبل طلبة من فئات اجتماعية ميسورة، وعندما يتخرجون يسافرون لمتابعة الدراسة أو العمل في الخارج.      

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
أحمد حاج بكري- صحافي سوري
كانت لافتة “يمنع دفن أي شخص سوري منعاً باتاً تحت طائل المسؤولية”، المعلقة على سور إحدى مقابر لبنان كافية لمعرفة الوضع الذي وصلت له المصاعب التي تواجه لاجئاً سورياً في حال فكر في دفن قريب له.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني