“هوموفوبيا” وقمع على وقع الانهيار اللبناني… رهاب قوس القزح والحريات!

تنتهك السلطات اللبنانية الحريات الفردية وحريات التعبير عن الرأي المكرّسة في الدستور، في حين لا تجرؤ على ملاحقة متورطين في القتل والعنف والاختلاس.

فيما يعيش لبنان أزمات سياسية واقتصادية وأمنية خانقة تغيب الدولة عن إيجاد أي حلول لها، تحرّكت في الأيام الأخيرة السلطات اللبنانية لاتخاذ إجراءات صارمة بالفعل.

تلك الإجراءات لم ترتبط بأزمة الكهرباء أو المياه المقطوعتين بشكلٍ شبه كامل عن الأراضي اللبنانية، ولا طاولت أزمة الطحين أو فقدان الخبز والدواء من الأسواق. لم تتناول حتى قضية مرضى السرطان الذين فقد بعضهم حياته بسبب عدم توفّر العلاج، فيما بعضهم الآخر ينتظر أي بصيص أمل… إنما تركّزت تلك الإجراءات على إدانة الممثلة الكوميدية شادن فقيه وتغريمها بمبلغ مليون و858 ألف ليرة لبنانية بسبب فيديو ساخر نشرته فقيه على صفحتها على “إنستغرام”، تنتقد فيه أداء القوى الأمنية أثناء فترة الحجر الصحي.

“كل ما حصل معي يُؤكّد أن الطبقة الحاكمة ليست سوى سلطة فاشلة تُحاول إثبات نفسها بعدما نالت الشرعية بأي ثمن”، تقول شادن لـ”درج” تعليقاً على إدانتها.

شادن، الكوميدية التي تحوّل الأزمات إلى نكاتٍ ومقاطع فيديو مُصوّرة مُحبّبة كمساحة يتيمة للفرح في لبنان، مثلت أمام المحكمة العسكرية خلافاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان. إذ ينبغي أن يقتصر اختصاص المحاكم العسكرية في القضايا الجنائية على محاكمات أفراد الجيش بسبب انتهاكات الانضباط العسكري، لا محاكمة المدنيين. ذلك الأمر دفع منظمة “العفو الدولية” إلى إصدار بيان اعتبرت فيه أن قضية فقيه هي “أحدث مثال على إساءة استخدام السلطات اللبنانية قوانين التشهير لتقييد حرية التعبير من خلال محاكمة الصحافيين والنشطاء أمام المحكمة العسكرية”. 

في هذا السياق، تؤكّد شادن أنها المُتّهمة الوحيدة التي مثلت أمام القضاء بفئة “الإساءة لسمعة الجيش وقوى الأمن”، فيما تنوّعت الفئات الأخرى بين تهم “إطلاق نار” أو “التعامل بشدة مع القوى الأمنية” أو “الفرار من الخدمة”.

هذه ليست المرّة الأولى التي تمثل فيها شادن أمام القضاء. ففي أيار/ مايو 2021، استجوب “مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية” فقيه، للمرة الأولى، بعد شكوى من قوى الأمن الداخلي حول مكالمة كوميدية وجهتها إلى خطها الساخن أثناء الإقفال العام بسبب وباء “كوفيد-19″، وطالبت عناصر الأمن فيها بتوصيل الفوط الصحية إلى منزلها. ونشرت لاحقاً مقطع فيديو على حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، استدعتها المحكمة العسكرية لمحاكمتها التي انعقدت الآن في 24 حزيران/ يونيو 2022.

بالمناسبة، العقوبة التي نالتها شادن تُعتبر الأقصى في المواد المدّعى فيها عليها، ومنها المادة 383 عقوبات. إذ تعادل العقوبة الحبس لستّة أشهر، في حال احتساب أنّ كلّ يوم سجني من العقوبة يساوي 10 آلاف ليرة لبنانية.

“هوموفوبيا” السلطة الرسمية

امتدت موجة خنق الحريات لتشمل أفراد مجتمع الميم عين ونشاطاتهم. إذ أصدر وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال بسام مولوي كتاباً منع فيه التجمعات التي “تروّج للشذوذ الجنسي”، بعد “اتصالات تلقّاها الوزير من مراجع دينية”، وفق ما ورد في البيان.

تلبية المولوي رغبة السلطات الدينية في لبنان، يمثل تحريضاً، برعاية “دار الفتوى” وبعض الشخصيات الدينية على مجتمع الميم عين، في خطاب يجسّد “هوموفوبيا” السلطة الرسمية. كما يُجدّد مخاوف خنق الحريات ورغبة السلطة بتحويل لبنان إلى دولة بوليسية.

أتى كتاب مولوي بعد الإعلان عن عرض مجموعة أفلام مرتبطة بمجتمع الميم عين بالتزامن مع شهر الفخر.

لم تواجه السلطات الدينية الإسلامية وحيدة تلك الفئة ونشاطاتها. إنما اتّحدت، في مشهدٍ لا نراه إلا عند الترصّد لفئاتٍ مهمّشة، لمواجهة مجتمع الميم عين. ففي منطقة الأشرفية في بيروت، عمد “جنود الرب” إلى إزالة لوحة إعلانية تحمل ألوان قوس القزح بذريعة أنها “ضد الرّب”. سبق ذلك انضمام لبنان إلى أكثر من 14 دولة حول العالم لمنع فيلم الرسوم المتحركة “Lightyear” من دور السينما في بيروت بسبب قبلة بين شخصيتين مثليتين. الأمر الذي علّقت عليه مديرة قسم المناصرة في جمعية “براود ليبانون” كوزيت معلوف موضحة لـ”درج” أن “الأجدر حذف مشاهد القتل والعنف من أفلام الأطفال لأنها تُؤثر فيهم أكثر من مشهد قبلة عابرة بين شخصيتين أتت نتيجة قبول وعاطفة”. تؤكّد معلوف أن الهدف من تمرير تلك الرسائل في أفلام الكرتون هو “توعية الأطفال على أن الاختلاف مقبول ويمكن التعايش معه”، إلا أنها ترى أن “المجتمع العربي لا يملك النضوج والوعي الكافيين للتعامل مع ذلك”.  

قد يُعيد البعض “الهستيريا” التي ضربت السلطة اللبنانية في الأيام الأخيرة إلى “شهر الفخر” وتسليط الضوء على قضية المثليين في هذا الوقت من العام. إلا أن لمحة سريعة على سجل لبنان الحقوقي كافية لإنعاش ذاكرة المناخ القمعي. إذاً، ما هذه إلا أحداث تُضاف إلى سلسلة تعزيز خطاب الكراهية وخنق الحريات في لبنان. إذ تنتهك السلطات اللبنانية الحريات الفردية وحريات التعبير عن الرأي المكرّسة في الدستور، في حين لا تجرؤ على ملاحقة متورطين في القتل والعنف والاختلاس.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني