عقود إذعان… شركات حكومية مصرية تشغّل آلاف العمال بـ”السخرة” 

شركات توريد العمالة "غير القانونية" في مصر تعود إلى الواجهة من جديد وهذه المرة من بوابة الحكومة. شركات مملوكة كليا أو جزئيا للحكومة، تعاقدت مع مقاولي توريد العمال بموجب عقود إذعان هضمت بموجبها حقوق الآلاف.

شركات توريد العمالة “غير القانونية” في مصر تعود إلى الواجهة من جديد وهذه المرة من بوابة الحكومة. شركات مملوكة كلياً أو جزئياً للحكومة، على غرار شركات خاصة تعاقدت مع مقاولي توريد العمال، بموجب عقود إذعان هضمت بموجبها حقوق الآلاف. 

يوثق هذا التحقيق قيام شركات وبنوك حكومية بتشغيل آلاف العمال من خلال شركات توريد العمالة، بالمخالفة لقانون العمل ما تسبب في إهدار حقوقهم. من هذه الجهات، البنك الأهلي المصري (أكبر وأول بنك في مصر)، وشركة بتروجيت (كبرى شركات المقاولات في قطاع البترول)، و21 شركة أخرى مملوكة كلياً أو جزئياً للحكومة.

ليس هذا فحسب، بل إن جهات حكومية نفسها مارست نشاط توريد العمال “غير القانوني”، من خلال تأسيس شركتين للتوريد إلى شركات في قطاع البترول، هما المصرية للخدمات البترولية “أبسكو”، الإسكندرية للصيانة البترولية “بترومنت”.

عملاً بحق الرد، توجهنا برسائل للناطق باسم الحكومة ووزارة القوى العاملة لمواجهتهم بالمخالفات الموثقة في هذا التحقيق، لكن لم يصلنا رد حتى تاريخ النشر.

يحظر قانون العمل المصري رقم 12 لسنة 2003 في المادة (16)، تشغيل عمال من طريق متعهد أو مقاول توريد. لكن المقاولين يلتفون على القوانين بلعب دور الوسيط “السمسار” من خلال شركات وسيطة بين العمال وإدارات الشركات والمصانع التي يعملون فيها، ويجبرون العمال على توقيع عقود تؤدي إلى حرمانهم حقوقهم.

 عمال التوريد داخل الشركات الحكومية

كان محمد شفيق (41 سنة)، أحد العاملين في شركة المشروعات البترولية والاستشارات الفنية “بتروجيت” لمدة سبعة أعوام قبل فصله برفقة ما بين 500 و600 آخرين، عقب صدور قرار حكومي بتعيين العمالة الموقتة بالجهاز الإداري بالدولة إبان ثورة يناير 2011. 

استبشر شفيق وزملاؤه خيراً بقرار تثبيت العمالة الموقتة، لكن الرياح أتت بما لا تشتهيه سفنهم، “افتكرنا إنه هينصرنا، لكننا فوجئنا، الشركة طلعت قرار مضمونه اللي برة برة واللي جوة جوة (…) اتظلمنا وشقى السنين ضاع علينا، مستقبلنا تدمر وتشردنا”، يقول شفيق بعد ضياع أمل التعيين.

لكنه عاد إلى العمل في “بتروجيت” عبر شركة للتوريد، قبل أن تطرده مرة أخرى عام 2015 في أعقاب محاولاته جمع تواقيع من العمال المفصولين في 2011 للمطالبة بتثبيتهم داخل الشركة.  

لا توجد أرقام دقيقة لأعداد العمال بموجب نظام التوريد داخل الشركات الحكومية، لكن من خلال رصد الفارق بين أعداد العمال المصرح عنهم في تقارير الشركات السنوية وما تعلنه تلك الشركات عبر مواقعها الإلكترونية، نجد أن عددهم نحو 40 ألفاً في 8 شركات فقط، من أصل 23 شركة ومصرفاً، رصدها التحقيق.

كان للشركة المصرية للخدمات البترولية “أبسكو” نصيب الأسد منها بإجمالي 16 ألف عامل، تليها “المقاولون العرب” بقرابة 13 ألفاً، ثم “بترومنت” و”بتروجيت” بـ4500 عامل لكل منهما، وكان أقلهم بنك CIB بواقع 407 عمال.

أبسكو 16000 
بترومنت 4500
بتروجيت 4000
المقاولون العرب 12500
الاستثمار القومي 522
مصر للأسمنت – قنا 501
القلعة القابضة 500
بنك cib407
رسم بياني – أعداد عمال التوريد داخل الشركات

يقول نقيب العاملين في القطاع الخاص شعبان خليفة، إن الحكومة هي الجهة المنوط بها حماية العمال والحفاظ على حقوقهم، وتعاقد شركات مملوكة لها مع شركات التوريد يخالف المادة 13 من الدستور، التي تُلزم الدولة بالحفاظ على حقوق العمال، وبناء علاقات عمل متوازنة بين طرفي العملية الإنتاجية، وحماية العمال من مخاطر العمل، وحظر فصلهم تعسفياً، غير أن جميع هذه الممارسات تحدث داخل شركات مملوكة للحكومة، على حد تعبيره.  

يتهم شعبان شركات توريد العمالة بتشغيل الشباب بالسخرة مقابل أجور زهيدة، دون مزايا تذكر، مع 14 ساعة عمل أحياناً، وفوق ذلك “تتهرب من حقوقهم”، على حد تعبيره.

المادة (13) من الدستور (الحق في بيئة عمل آمنة)

تلتزم الدولة بالحفاظ على حقوق العمال، وتعمل على بناء علاقات عمل متوازنة بين طرفي العملية الإنتاجية، وتكفل سبل التفاوض الجماعي، وتعمل على حماية العمال من مخاطر العمل وتوافر شروط الأمن والسلامة والصحة المهنية، ويحظر فصلهم تعسفياً، وذلك كله على النحو الذي ينظمه القانون.

597 شركة توريد عمالة في مصر


بلغ عدد شركات توريد العمالة 597 شركة حتى نهاية 2021، بحسب تحليل بيانات موقع “يلوبيجز” المتخصص في جمع بيانات الشركات داخل المحافظات المصرية ومن بينها شركات توريد العمالة. استحوذت القاهرة الكبرى على نصيب الأسد بواقع 241 شركة، فيما حلت الجيزة ثانية بـ228 شركة.

“بتروجيت” تستنزف عرق وعُمر العمال

 يعمل في الشركة 40 ألف موظف بحسب التقرير التعريفي بالشركة 2020، لكن الشركة تعلن على موقعها الإلكتروني أن العدد 36 ألفا، بفارق 4000 عامل، وهو عدد العاملين عبر مقاولي الباطن، وشفيق واحد منهم. ولا ينكر رئيس مجلس إدارة “بتروجيت” وليد لطفي، تعاقد شركته مع موردين ومقاولين من الباطن في مجال القوى العاملة. ولكن في 2011 -بعد القرار الحكومي تثبيت العمالة المؤقتة- أصدرت الشركة قرارا بوقف العمل مع مقاولي التوريد، والاعتماد على موظفي الشركة المثبتين، بسبب تراجع الأرباح. 

قرار لم يدم طويلاً، إذ عادت الشركة للتعاقد مع شركات توريد العمالة لسد الفجوة التي خلفها فصل 600 عامل عام 2011، لوقف خسائر الشركة. وطالب مدير مشروع في الشركة في خطاب بتاريخ 15 آذار/ مارس 2015، شركة غاز مصر (مقاول الباطن بعقد اتفاق 1375/2014 الموقع بتاريخ 26 تشرين الثاني/ نوفمبر) باستبعاد المشرفين والعمالة المسؤولة عن بعض الأعمال بالمشروع، وتوفير طقم إشراف مسؤول ذي خبرة كافية لزيادة الإنتاجية. وكشف الخطاب مخالفة المقاول ستة بنود بعقد الاتفاق المبرم بين الشركة و”غاز مصر”.

يقول شفيق، “بتروجيت معندهاش عمالة ماهرة كافية فبتستعين بمقاولين، بيتعاقدوا مع عمال غير مهرة وبيكلفوهم خسائر كتير”، وسأل، “طيب ليه ميرجعوش عمال الشركة المفصولين بالأساس؟”. 

عام 2015 استحدثت “بتروجيت” نظاماً أطلقت عليه اسم “عمال المياومة”، ولم تقبل فيه إلا من سبق أن عمل في الشركة وله رقم مالي، كي تضمن مهارته، وبرغم هذا أعطت العمال أرقاماً مالية جديدة، حتى تُبطل أي حق لهؤلاء العمال في التعيين بالشركة، خوفاً من إثبات أنهم يعملون لديها قبل ثورة يناير ويطالبون بالتثبيت”، بحسب شفيق.

يبلغ رأس مال “بتروجيت” 3.6 مليار جنيه (قرابة 225 مليون دولار)، تملك الهيئة العامة للبترول 97 في المئة منها، والشركة الهندسية للصناعات البترولية والكيماوية (إنبي) 2 في المئة، وصندوق إسكان العاملين بقطاع البترول 1 في المئة، وتملك “بتروجيت” أسهماً متفاوتة داخل 30 شركة في مجال الطاقة داخل مصر وخارجها.

بعد تطبيق نظام المياومة، بات هناك أربعة أنواع من العمال داخل الشركة: المثبتون، ويتمتعون بكل المزايا التي نص عليها قانون العمل. والعمالة غير المنتظمة (شهرية) وهؤلاء يتنقلون بين المشروعات ويخضعون لمظلة التأمين الصحي، ويحصلون على أرباح ولكن بنسب أقل من المعينين، ولهم إجازات سنوية. والنوع الثالث، عمال المقاول وهم الذين يعملون لدى الشركة من طريق مقاول توريد، ولا يملكون أي حقوق باستثناء إجازاتهم الشهرية. والنوع الرابع عمال المياومة وهم مثل عمال المقاولة (الشركة هي المقاول في حالتهم)، وهم معرضون للفصل في أي وقت، وهو ما حدث مع محمد عزت الناقوري، أحد العمال الذين عادوا للعمل داخل الشركة بنظام المياومة برقم مالي جديد، وأنهت الشركة عمله إثر حصوله على إجازة طارئة بسبب مرض ابنه. 

نظام المياومة لم يمنع الشركة من استمرار التعاقد مع مقاولين، يقول شفيق: “خلال 2013 و2014 كان في 5 مقاولين، حالياً موجود 20 أو 30 مقاولاً، المقاولون توغلوا داخل الشركة وأكلوا حقوق العمال”.

يقول نقيب العاملين بالقطاع الخاص، إن التمييز في رواتب العمال داخل المنشأة ذاتها يخالف المادة (79) من قانون العمل المصري، كما يخالف الاتفاقية 100 لسنة 1951 لمنظمة العمل الدولية، الخاصة بمساواة العمال والعاملات في الأجر لدى تساوي قيمة العمل. وتابع: “للأسف يتقاضى العامل المقيد على قوة شركة التوريد أجراً لا يتجاوز نصف أجر نظيره المثبت على قوة الشركة أو المصنع الذي يعمل فيه”.

 قانون العمل المصري  المادة (79)

إذا عهد صاحب العمل إلى صاحب عمل آخر بتأدية عمل من أعماله أو جزء منها وذلك في منطقة عمل واحدة وجب على هذا الأخير أن يساوي بين عماله وعمال صاحب العمل الأصلي في جميع الحقوق ويكون الأخير متضامنا معه في ذلك.

على غرار شفيق، يخشى مصطفى المحلاوي (اسم مستعار)، سائق لدى البنك الأهلي المصري، أن يلاقي مصيرا مشابهاً لشفيق والناقوري، إذ إنه يعمل لدى البنك برفقة آلاف غيره عبر شركة توريد عمالة تسمى إنترناشيونال بيزنس سيرفيس IBS، ويحصلون على أجور وامتيازات أقل من أقرانهم المعينين بالبنك.

البنك الأهلي، أول وأكبر بنك حكومي في مصر، يمتلك كلياً أو جزئياً 22 شركة متنوعة داخل السوق المصرية. يبلغ رأس ماله الإجمالي 2.8 تريليون جنيه (قرابة 153 مليار دولار)، ولديه نحو 600 فرع بمختلف المحافظات.

بخلاف البنك الأهلي وشركة “بتروجيت”، وثقنا وجود 21 شركة وبنكاً أخرى، متعاقدة مع شركات توريد عمالة، أكثرهم مع شركة “إنترناشيونال بيزنس سيرفيس” IBS. 

يقول شعبان خليفة، نقيب العاملين في القطاع الخاص، إن العامل المُعين على قوة شركة التوريد تلحق به مجموعة من الأضرار، مثل حرمانه مظلة الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية، وحصة 10 في المئة من الأرباح السنوية، و7 في المئة علاوة.

وبحسب شعبان، يحرم أيضاً من جميع حقوقه المادية المنصوص عليها في قانون العمل حال فصله تعسفياً. ومن بين هذه الحقوق: مكافأة لا تقل عن شهرين من الأجر الشامل عن كل سنة عمل، وبدل مهلة إخطار بإنهاء الخدمات بواقع راتب شهرين لمن أمضى أقل من 10 سنوات، وثلاثة أشهر لمن زادت مدة خدمته عنها. علاوة على مقابل رصيد الإجازات.

لا تفضل غالبية العمال التوجه إلى القضاء للحصول على الحقوق المهدرة بسبب طول أمد التقاضي الذي يمتد لسنوات، كما أن عملية التقاضي مرهقة ومكلفة مادياً ومعنوياً على حساب قوت يوم العامل وأسرته، بحسب المحامي في التعاونية القانونية لدعم الوعي العمالي ياسر سعد.

14 شركة حكومية تتعامل مع أكبر مورد للعمال

شركة “إنترناشيونال بزنس سيرفيس”، أكبر شركة توريد عمال في مصر. تضم قاعدة عملائها 227 شركة ومصرفاً، 14 منها حكومية (مملوكة بشكل كلي أو جزئي للحكومة).

البنك الأهلي المصري.

البنك التجاري الدولي CIB.

بنك الإسكان والتعمير.

بنك الاستثمار العربي.

الشركة المصرية للاتصالات.

شركة المقاولون العرب.

شركة مطار القاهرة للشحن الجوي.

بنك القاهرة (مملوك بنسبة 99.9 في المئة لبنك مصر).

شركة أكسيد (مملوكة كليا للمصرية للاتصالات).

شركة مصر بني سويف للأسمنت (يملك بنك الاستثمار القومي 20 في المئة منها).

شركة سكر القناة (يمتلك البنك الأهلي 30 في المئة منها).

مجموعة القلعة القابضة (يمتلك مصرفا الأهلي المصري وcib حصصاً فيها).

شركة أسيك للأسمنت (تابعة لمجموعة القلعة القابضة).

المالية هيرميس القابضة (تمتلك القاهرة الوطنية للاستثمار والأوراق المالية 0.006 في المئة منها، ويملك مصرف أبو ظبي الإسلامي 64.75 في المئة منها، ويمتلك بنك الاستثمار القومي حصة أيضاً). 

توجهنا برسائل مواجهة لكل الشركات الواردة أسماؤها في التحقيق من دون أن ترد أي منها.

إضافة إلى شركة “بتروجيت”، تتخصص شركة “أبسكو” في توريد العمال لشركات البترول، وتورد وحدها 16 ألف عامل لـ46 شركة، وشركة “بترومنت” (تملك بتروجيت حصة فيها) تورد قرابة 4500 عامل لشركات أخرى. 

وبخلاف IBS، هناك شركات أخرى تورد عمالاً لشركة “السويس لتصنيع البترول”، و”الشركة القومية للإسمنت”، و”شركة مصر للإسمنت” التي يمتلك بنك مصر حصة فيها، و:شركة السويس للإسمنت”، التي يمتلك بنك الاستثمار القومي حصة فيها، و”شركة إسمنت طرة”، ويمتلك بنك مصر وهيئة الأوقاف و”الشركة القابضة للصناعات المعدنية” التابعة لوزارة قطاع الأعمال حصصاً فيه، و”شركة إسمنت حلوان”.

لم ترد شركات توريد العمال المذكورة على رسائلنا بخصوص عملها خلافاً للقانون، باستثناء “شركة السويس للإسمنت” التي قالت إن “جميع عقود الخدمة لديها متوافقة مع قانون العمل وقانون التأمين وحقوق الإنسان والبيئة ومعايير السلامة”، علما أن قانون العمل يحظر بالأساس نشاط توريد العمالة داخل مصر.

وعلى غرار محمد شفيق ومصطفى المحلاوي، تضم الشركات والبنوك المملوكة للحكومة، عشرات الآلاف من العمال الذين تؤكل حقوقهم وأعمارهم على يد شركات مملوكة للحكومة، لتصبح الجهة المخولة تطبيق قانون العمل أول من يخالف هذا القانون.

تم إعداد هذا التحقيق بدعم وإشراف من شبكة أريج للصحافة الاستقصائية

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
جمانة عماد – صحافية فلسطينية
“كان كل شيء في حياتي، ولكن خليل رحل عني إلى الأبد، وسوف أعيش بدون ضحكاته التي ألفتها طوال 19 عاماً، وسوف أتناول طعام الإفطار لوحدي، ولن أجد من يواسيني، ويحضنني عندما أكون حزينة كما كان يفعل”.
Play Video
“كأنه ابني مبارح مات…”، نكأت ذكرى انفجار مرفأ بيروت جرح أهالي ضحاياه. لكن المشهد الأبرز في الرابع من آب كان انقسام أهالي الضحايا إلى أكثر من 3 مسيرات، إذ كانوا ضحية مساعي السلطة لتسييس ملف الجريمة.

1:36

Play Video
“القوى المُعادية للتحقيق تتعمّد استخدام أساليب مختلفة لعرقلة التحقيقات وتأخيرها، من التذرّع بالحصانات وصولاً إلى دعاوى الردّ…”، 7 أشهر على تجميد التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال القوى السياسية تتعمّد تعطيل التحقيقات وتأخيرها بهدف منع المحاسبة. ما جديد التحقيق في انفجار 4 آب؟

2:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني