“الفتاة تتحجب عشان تعيش”
بعد ذبح نيرة أشرف موجة تبرير وتحريض ضد المصريات

تلك الجرائم أصابتنا كلّنا وهزّتنا من الداخل، نحن نساء هذه المجتمعات التي تكرهنا.

بقعة الدماء لا تزال تلطخ رصيف جامعة المنصورة، صور وفيديوات جريمة القتل في كل مكان، والذهول يسيطر على الجميع. طُعنت نيرة أشرف (20 سنة) بسكين ونُحرت، لأنها رفضت الزواج من أحد الشبان.

بعد ساعات من الجريمة ترددت أخبار عن أن القاتل محمد عادل (21 سنة) على معرفة سابقة بالقتيلة، وهي زميلته في الجامعة وجارته، أحبها، تودد إليها، وتقدم لخطبتها لكنه في كل مرة كان يقابل بالرفض منها ومن أهلها. لجأ عادل إلى كتابة منشورات مسيئة عنها على “فيسبوك”، حاول أهل الفتاة منعه، وحرروا محضراً في قسم الشرطة بعدم التعرض لها. لكن دون جدوى.

واجهت نيرة الابتزاز الإلكتروني، وإذ قررت اللجوء إلى القانون ليحميها، سقطت المسكينة، قبل أن تحرّك سلطة القانون ساكناً لمنع عادل من التمادي في مضايقة الفتاة، وصولاً إلى قتلها، وهي جريمة اعترف بها لاحقاً وأكد أنه خطط لها، بل وأعاد تمثيلها أمام النيابة العامة. 

وقعت الجريمة في الشارع وفي وضح النهار، طعنها وذبحها انتقاماً تاركاً جسدها يسبح في دمائه. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ خرج الشيخ مبروك عطية ليعلق على الجريمة، مؤكداً أن الفتاة التي تطلق شعرها وترتدي ملابس ضيقة سيأكلها الرجال، بل وسيقتلونها. وطالب النساء بارتداء “قفة” (خيمة) كي تحمي نفسها من القتل، معتبراً أن هذه هي ضريبة الحرية التي على المرأة أن تدفع ثمنها. وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى النظرة التي تعتبر المرأة أصل الشرور، والخطيئة والمخطئة وعليها أن تدفع الثمن في أي حال.

“استنوا الأول اما تعرفوا السبب متتسرعوش.. ما يمكن يكون حلال فيها اللي حصل، مش شايفين لبسها عامل إزاي.. والله أعلم”

على مواقع التواصل الاجتماعي يتخذ الحديث عن القتل مسارات مختلفة، فهناك من يلوم الضحية لتبرير الجريمة وتبرئة القاتل أو التخفيف من بشاعة فعلته. في مجتمع يطبّع مع قتل الزوجة والابنة والأخت في جرائم عنف أسري تتكرر بشكل مستمر، تأتي قضية نيرة أشرف لتصفعنا من جديد وتذكّرنا بتلك النظرة إلى جسد المرأة باعتباره كياناً مستباحاً من كل الأطراف.

بعدما انتشرت صور الضحية التي رأها البعض “متبرجة”، بادر آخرون إلى تغطيه جسدها وشعرها- باستخدام “الفوتوشوب”- وهو ما جعل البعض يفتح مجالاً للحديث عن سلوكها وعن حتمية وجود علاقة بين تحررها واستحقاقها الموت قتلاً. ففي محادثات مع الجيران في الحي، يبدو لب القضية متمحوراً حول أخلاق الضحية وسلوكها ومهنتها وأفكارها. يأتي ذلك على طريق تبرير الجريمة وقتل القتيلة مرة أخرى. “استنوا الأول اما تعرفوا السبب متتسرعوش.. ما يمكن يكون حلال فيها اللي حصل، مش شايفين لبسها عامل إزاي.. والله أعلم”، يقول أحد المعلقين.

لا تختلف هذه الأصوات عن صوت القاتل في جريمته، ما الذي يبرر ما يراه البعض في أن الفتاة تستحق القتل لأنها “متبرجة” أو “غير محجبة”؟ يعيدنا هذا السياق إلى العداء المجتمعي الشديد تجاه الآخر، بحيث إن كل مختلف في الدين، الشكل، الميول الجنسية، هو بالضرورة مستباح وعليه أن يدفع ثمن اختلافه الذي قد يكون القتل. 

يقول أحمد إيهاب في أحد التعليقات “غبي كان اغتصبها أحسن”، الاغتصاب إذاً كبديل للقتل في حالة الانتقام، يعيدنا من جديد إلى قضية المغتصب والمتحرش أحمد بسام زكي الذي ابتز عدداً من الفتيات واغتصبهن في بيته، وكانت وسيلته في إخضاعهن، هي التهديدات والسلطة والنفوذ. ومن لهجة الرسائل المتبادلة بينه وبين ضحاياه يظهر أنه كان ينتقم منهن لأنهن رفضوه من قبل.

إقرأوا أيضاً:

بات المجتمع المصري في حالة انقسام واضحة كلما طفت على السطح قضايا اجتماعية أو دينية أو جندرية، هذا الانقسام كاشف لخطاب الكراهية المبطن والذي يجد له ستاراً دينياً يبرره ويعززه. بين التعليقات العنيفة تجاه مقتل نيرة ظهرت على السطح من جديد تعليقات قديمة لعبدالله رشدي الشيخ المتدين الذي يعتبره عدد كبير من الرجال قدوة وداعية للحق والأخلاق الإسلامية السليمة. يقول رشدي رداً على زوجة ضربها زوجها “ممكن يشوهك عادي ويحرمك من جمالك، ممكن يكتفك ويذلك، ممكن يستعبدك، هو الأقوى”.

هكذا يتم تبرير الوحشية بالدين وبكلمة الله، فتصبح الجريمة وسيلة عبادة وإيمان، لا سيما إذا كانت الضحية امرأة. لكن ما لن يفهمه المجتمع التقليدي حامل لواء التدين والأخلاق، أن أجساد النساء بعد جريمة قتل نيرة وغيرها من الضحايا، سترفض استقبال علامات الحب، ستصاب بالخوف والألم، ولن تستطيع التعامل بأريحية مع رجال يضمرون العداء للنساء… تلك الجرائم أصابتنا كلّنا وهزّتنا من الداخل، نحن نساء هذه المجتمعات التي تكرهنا.

حتى الآن لا يزال الدين يحكم أجسادنا ويجبر المرأة على طاعة زوجها في البيت وعلى فراش الزوجية، بصرف النظر عن حالتها النفسية، لا يهم استعدادها ورغبتها، المهم أن تسلم جسدها، أن ترضخ للإجبار دون مقاومة. كثيرات مثل نيرة دفعن وسيدفعن ثمن مزاج رجل لم يستطع أن يعالج شعوره بالرفض.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
يوسف الأمين
قبل أسابيع قليلة، تجنّدت السلطة الدينيّة والرسمية في لبنان وأجرت “اتّصالاتها الشرعيّة” لمحاربة تجمّعات المثليّين، على أساس أنهم خطر داهم، فيما يصار بكل وقاحة إلى لفلفة قضية اغتصاب أكثر من 20 طفلاً!
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني