فلسطينيون يقمعون فلسطينيين… مآلات مأساوية وكارثية 

فلسطينيون يقمعون فلسطينيين… هذه مآلات مأساوية وكارثية لحركة وطنية.

لا يشكّل حادث انتهاك الحرم الجامعي، والاعتداء على طلبة جامعة النجاح في مدينة نابلس، في الضفة الغربية، من قبل أفراد من جهاز الأمن الفلسطيني (14/6)، حدثاً فريداً من نوعه، وهو ليس خارج السياق السياسي الفلسطيني. 

حادثة جامعة النجاح تعبير عن حال الاستعصاء الفلسطيني في كل شيء، في طريقة الصراع مع إسرائيل، وفي بناء السلطة، وفي تطوير الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي تحقيق خيار الدولة المستقلة، وفي تمكين الشعب من المشاركة في تقرير خياراته وبناء مؤسساته الوطنية. 

الملاحظة هنا أن ما حدث في جامعة النجاح جاء بعد شهر على انتخابات جامعة بير زيت (قرب رام الله) في الضفة الغربية، حيث حققت فيها قائمة حركة “حماس” (كتلة الوفاء الإسلامية)، فوزاً كبيراً على حركة “فتح” (28 مقعداً بمجموع 5068 صوتاً، مقابل 18 مقعداً لقائمة “فتح” بمجموع 3379 صوتاً). بيد أن تلك الملاحظة ليس القصد منها أن ما حصل في جامعة النجاح، هو بمثابة رد فعل “ثأري” للسلطة على خسارتها في جامعة بير زيت، وإن تضمن بعضاً من ذلك، علماً أن حركة “حماس” تمنع أي انتخابات طالبية في جامعات غزة. 

الغرض من تلك الملاحظة مجرد لفت الانتباه إلى أن حركة “فتح” خسرت في أوساط المجتمع، أو في المكان، حيث تمارس سلطتها، من دون أن يعني ذلك أن نتائج الانتخابات الطالبية، في تلك الجامعة، تعكس التوجه العام في مجتمع الفلسطينيين في الضفة، على نحو مطابق، لا سيما في واقع تعتبر فيه السلطة بمثابة المشغل الأكبر، مع حوالى ربع مليون موظف مدني وأمني (في الضفة وغزة)، مع الأخذ في الاعتبار أن الطلبة، في عمر الشباب، متحررون من أي ضغوط أو تبعات أو قيود. وإنما ذلك يعني أن “فتح” لم تعد مقنعة بالنسبة إلى شعبها، في خياراتها الداخلية وفي صراعها مع إسرائيل، تماماً كما يمكن أن يحصل مثل ذلك في غزة، حيث سلطة “حماس”. 

على ذلك فإن ما تقدم ينطبق على السلطة التي تديرها “فتح” في الضفة، وعلى السلطة التي تديرها “حماس” في غزة، حيث تحظر الحراكات الشعبية التي تراها “حماس” لا تتوافق مع سلطتها، أو مع سياساتها، حتى إنها لا تسمح لفصائل المعارضة، المتماثلة معها، بالتحرك، لا في ما يتعلق بالمشاركة في إدارة قطاع غزة، ولا بما يتعلق بالتقرير في شأن الصراع مع إسرائيل (في إطلاق الصواريخ، أو في الهدنة).

لتلك لحادثة الجامعة، وكل الحوادث المتعلقة بكبح الحراكات الشعبية الفلسطينية، في الضفة وغزة، دلالات عدة، أهمها:

أولاً، إننا إزاء حركة تحرر وطني تحولت إلى سلطة، بما يعنيه ذلك من تحول الفدائيين المفترضين إلى مجرد رجال أمن، مع تغير مهمتهم من الكفاح ضد إسرائيل وسياساتها، الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية، إلى مواجهة المجتمع الفلسطيني لضبطه؛ مع ملاحظة الفارق في المستوى بين السلطتين في هذه الحيثية.

ثانياً، افتقاد الحالة الفلسطينية إلى العلاقات الديموقراطية، وهو أمر مفتقد في بنية الفصائل ذاتها، كما في علاقاتها البينية، وأيضاً في علاقاتها مع مجتمعها، ويأتي ضمن ذلك غياب علاقات الحوار والتفاعل والتداول، بمعنى إن ما يحدث هو تحصيل حاصل لاحتكار القرار من قبل القيادة الفلسطينية، ولتقويض إطارات الإجماع الوطني (لا سيما منظمة التحرير الفلسطينية)، والتملص من استحقاق الانتخابات على نحو ما حصل قبل عامين.

ثالثاً، كل ما يحصل يعبر عن أفول الحركة الوطنية الفلسطينية، التي نشأت في أواسط الستينات منذ 57 سنة، أي قبل احتلال الضفة وغزة (1967)، وهو تعبير ليس فقط عن عدم قدرتها على التطور، وتجديد شرعيتها، وإنما هو تعبير عن تحولها إلى عبء على شعبها، وقيد على كفاحه الوطني، إلى الدرجة التي يمكن القول معها بأن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة (1967) كانوا أكثر وحدة وتصميماً وجرأة في مواجهتهم إسرائيل قبل إقامة السلطة منهم (بموجب اتفاق أوسلو 1993).

رابعاً، واضح أن الاستعصاء الفلسطيني المزمن هو، أيضاً، نتاج العجز في مواجهة إسرائيل، لحركة وطنية فلسطينية بات لها أكثر من نصف قرن، لكن ذلك يؤكد، أيضاً، عجزها عن توليد ديناميات جديدة تمكن الفلسطينيين من تعزيز أحوالهم، وبناء إجماعاتهم الوطنية، إذ يفترض أن العجز الأول، لا يسد، أو لا يغطي أو يبرر، العجز الثاني، فالفلسطينيون، في ظل كياناتهم البائسة والمتقادمة، وفي ظل قيادتهم أبدوا عجزاً مزمناً في المسألتين، في آن معاً.

في الستينات والسبعينات كانت مأثرة الحركة الوطنية الفلسطينية، في لحظة صعودها، أنها استنهضت الشعب الفلسطيني في أماكن انتشاره كلها، من دون أن يكون لها أي سيطرة عليها، سواء داخل فلسطين التاريخية، أو في بلدان اللجوء والشتات، ولعله من سخرية القدر أن هذه الحركة بعدما أضحت سلطة كفت عن ذلك، بل إنها أضحت عائقاً، بعدما استكانت إلى كونها سلطة أخرى، تحت سلطة الاحتلال، على شعبها.

فلسطينيون يقمعون فلسطينيين… هذه مآلات مأساوية وكارثية لحركة وطنية.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني