القضاء و”حماس”: قيود إضافية على سفر نساء غزة

يونيو 20, 2022
"أشعر بأنني سجينة أتطلع إلى رؤية الشمس واستنشاق الهواء النقي يوم الإفراج عني، من السجن الذي أعيش فيه حالياً، وسيكون يوم الإفراج عندما يتيح لي والدي السفر وتحقيق طموحاتي المدفونة الآن".

ظل ذووها يرفضون أن تغادر قطاع غزة نحو ماليزيا لمدة ثلاث سنوات، وقد فشلت كل محاولاتها لإقناعهم بأن مستقبلها هناك، وبذلك خسرت الفلسطينية رغدة الحناوي (32 سنة) فرصتها في إحدى الشركات لأنها لم تستطع مغادرة القطاع بسبب القيود والعادات والتقاليد المجتمعية.

الحناوي من سكان بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، وهي متخصصة في الوسائط المتعددة، أوضحت لـ”درج”: “حصلت على وظيفة مصممة غرافيك في إحدى الشركات، لكن عائلتي رفضت، لأنني غير متزوجة ولا أحد من ذكور العائلة يستطيع مرافقتي… وأنا برأيهم لا أستطيع مواجهة تحديات الحياة دون وجود رجل بجانبي”.

وتابعت: “تتفاقم تعزيز هذه القيود المجتمعية بسبب قرار مجلس القضاء التابع لحركة حماس، بفرض قيود على سفر وتنقل الفتاة غير المتزوجة من غزة إلى الخارج، وهو قرار يتنافى مع المبادئ العامة لحقوق الإنسان التي كفلت حرية الشخص بالتنقل والحرك”.

تقييد حكومي لسفر الفتيات

فرض المجلس الأعلى للقضاء الشرعي التابع لحكومة “حماس” التي تدير قطاع غزة قيوداً على حرية التنقل والسفر للنساء غير المتزوجات، وبذلك يتم منعهن من السفر خارج قطاع غزة دون موافقة ولي الأمر. ففي شباط/ فبراير 2021، أصدر “المجلس الأعلى للقضاء الشرعي” في غزة  تعميماً يقضي بأنه يجوز لـ”ولي الأمر” الذكر أن يتقدم إلى محكمة لمنع امرأة غير متزوجة من السفر إذا ارتأى أن السفر سيسبب “ضرراً محضاً”، وهو مصطلح فضفاض لا نعرف حدوداً واضحة له. ينص التعميم أيضاً على أنه يمكن منع المرأة من السفر بمجرد أن يتقدم ولي الأمر بطلب منع بأمر من المحكمة، حتى قبل أن يُصدر القاضي قراراً. كما يقضي القرار بـ”منع سفر الأنثى غير المتزوجة بكراً كانت أو ثيباً دون الحصول على إذن من وليها العاصب ولوليها أن يمنعها من السفر إذا كان في سفرها ضرر محض أو وجدت دعوى قضائية بينهما تستلزم المنع من السفر”.

“المرصد الحقوقي الفلسطيني” اعتبر أن القانون الأساسي الفلسطيني، والمواثيق الدولية التي نصت على أنّ الأشخاص الذين تجاوزوا الثامنة عشرة أشخاص راشدون يتمتعون بالأهلية الكاملة، وبالتالي “لا يجوز تقييد حريتهم وحقوقهم بما في ذلك الحق في السفر”. وشدد على أن المادة الرابعة للقرار والمتعلقة بسفر النساء “تنطوي على تمييز واضح ضد المرأة وتقييد حقها المكفول قانوناً في حرية السفر”.

“حصلت على وظيفة مصممة غرافيك في إحدى الشركات، لكن عائلتي رفضت، لأنني غير متزوجة ولا أحد من ذكور العائلة يستطيع مرافقتي… وأنا برأيهم لا أستطيع مواجهة تحديات الحياة دون وجود رجل بجانبي”.

منع من السفر

الحناوي تقول لـ “درج”: “كان لدي بصيص أمل في كل مرة حاولت فيها إقناع والدي وأخي بتبني فكرة سفري، لكن محاولاتي باءت بالفشل، ولم يبديا أي ليونة أو قبول، حتى أرسلت لي الشركة إشعاراً بعد 17 يوماً من الموافقة على العمل لديهم، رسالة عبر البريد الالكتروني مفادها، بأنني سأفقد حقي بالوظيفة طالما لم ألتحق بمقر الشركة بماليزيا في الموعد المحدد”.

وتضيف: “عزلت نفسي في غرفة نومي لأسابيع بعيداً من عائلتي وأصدقائي، بعدما تحطم طموحي للعمل في الخارج، وشعرت بأن حياتي أصبحت بلا معنى، وأصابتني حالة من الاكتئاب الشديد، لا زلت أعاني آثارها حتى يومي هذا”.

تتحدث الحناوي عن شعورها بالإحباط تجاه ما تعيشه وما فرض عليها وكيف أن موقف عائلتها لم يلِن برغم كل الاجحاف الذي لحق بها، “برغم العزلة، وحالتي النفسية السيئة، لم يتغير موقف العائلة، حتى وصلني قرار نهائي من الشركة، بعد 3 أسابيع من الإشعار الأول، بفقداني فرصة العمل، لعدم الحضور، وهو إشعار أيضاً بإنهاء حلمي الذي لطالما راودني، إلا أنني وعلى رغم ذلك ما زلت أطمح بالسفر والرحيل من غزة في يوم ما”.

مجتمع ذكوري يقيد حرية الفتيات 

لم تستطع سمر العطاونة (27 سنة) السفر للالتحاق بفرصة عمل في تركيا خلال العام 2021، بعدما رفضت عائلتها أن تغادر وحدها لتعيش في مجتمع مختلف من حيث العادات والتقاليد.

وتقول لـ”درج: “بعد خمسة أعوام من حصولي على شهادة الثانوية العامة، قررت مواصلة تعليمي الجامعي، وحصلت على شهادة البكالوريوس في الصحافة والإعلام عام 2016، ومن ذلك الحين لم أحصل على فرصة عمل في هذا المجال، في ظل ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب والخريجين في القطاع، فيما يبحث آخرون عن حياة أفضل خارج القطاع”.  

وأكدت: “كانت فرصة العمل الوحيدة التي عرضت علي في الخارج الحلم الوحيد المتبقي لي لتحقيق طموحاتي في العمل، والرحيل نحو مستقبل أفضل، إلا أن والدي ووالدتي يرفضان الفكرة، مع أنهما كانا سمحا لشقيقي بالمغادرة إلى كندا خلال عام 2019، بحثاً عن وضع أفضل له، وهو ما زاد غضبي أكثر، في ظل مجتمع ذكوري يعمل على تقييد حرية الإناث، بذريعة العادات والتقاليد”.

وتضيف: “استغرقت شهرين متتالين لإقناع والدي ووالدتي للسماح لي بالسفر، لكن محاولاتي جميعها جوبهت بالرفض، وهي ليست المرة الأولى، فقد منعاني من السفر إلى الجزائر سابقاً، بعد حصولي على منحة كاملة للدراسة فيها بعد تخرجي من الثانوية العامة، للحصول على درجة البكالوريوس في الإعلام، لكن والدي رفض حينها، لطول فترة الدراسة والتي كانت لتستغرق نحو 4 أعوام”.

وتقول، “لم أكن أرغب في الدخول في مواجهة مع العائلة بشأن مستقبلي، إنهم عائلتي في النهاية، لكن تبقى الحسرة في قلبي، حين أفكر في أنني لا أستطيع تحقيق ما أريده”.

وتتابع: “أشعر بأنني سجينة أتطلع إلى رؤية الشمس واستنشاق الهواء النقي يوم الإفراج عني، من السجن الذي أعيش فيه حالياً، وسيكون يوم الإفراج عندما يتيح لي والدي السفر وتحقيق طموحاتي المدفونة الآن”.

إقرأوا أيضاً:

قيود تنتهك الدستور الفلسطيني

أحدث بيان المجلس الأعلى للقضاء في غزة ضجة على المستوى الرسمي والشعبي، إذ تعلق المواطنة خلود أبو سمعان (43 سنة) من سكان حي الشيخ رضوان بغزة، وتعمل محامية لـ”درج”: “القيود المفروضة على حقوق المرأة في السفر تنتهك الدستور الفلسطيني، والقانون الأساسي، وتحديداً في المادتين 11 و20 من القانون الأساسي اللتين تحظران القيود على الحركة، وكذلك المادة 12 من العهد الدولي بشأن الحقوق المدنية والسياسية”.

وتضيف: “لا أجد مبرراً واحداً يوضح أسباب منع رب العائلة الأنثى سواء كانت متزوجة أم لا من السفر، حتى إن قرار مجلس القضاء في غزة يحتوي على عبارات غير دقيقة، سوف يستغلها كثيرون لتقييد حرية النساء في الحركة والتنقل، ويسلبهن حريتهن، وهو ما يتعارض مع القوانين الفلسطينية والمعاهدات الدولية”.

نسمة أبو جبل (24 سنة) من مدينة غزة تقول: “المجتمع في غزة لا يزال أبوياً تحكمه مجموعة من العادات والتقاليد التي تحد من حقوق المرأة، وللأسف تنتقل تلك العادات من جيل إلى آخر”.

وأشارت إلى أنه “على رغم من أن هناك عائلات باتت تتحرر من بعض العادات بمرور الوقت من خلال السماح للبنات بالسفر للدراسة أو حتى العمل، إلا أن عائلات كثيرة ما زالت تتمسك بالعادات التي تقيد حقوق المرأة وحقوقها الطبيعية”.

بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني خلال عام 2021، فان نسبة البطالة في قطاع غزة بلغت 47 في المئة، وبلغت البطالة في صفوف الإناث 43 في المئة، مقارنة بـ22 في المئة للذكور، في حين بلغ عدد العاطلين من العمل في غزة 320 ألفاً.

هذه القيود التمييزية تنتهك حق المرأة في مغادرة بلدها دون تمييز وهذا عبء إضافي يقع على اللواتي يخضعن لتضييق ورقابة قانونية ومجتمعية بالغة… وفي غزة ولأكثر من 14 عاماً، قوّض الحصار الإسرائيلي المدمر والقيود المصرية على معبر رفح حق حرية التنقل لمعظم سكان غزة الذين يزيد عددهم عن مليونين، وقد ضاعفت هذه القرارات حجم الانتهاكات التي تتعرض لها النساء. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميزر كمال- صحافي عراقي
بمعدل 22 حادثاً مرورياً في اليوم الواحد، و6 قتلى، تتفوق حوادث السير على معدلات العنف الناتجة من العمليات الإرهابية في العراق.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني