“باص الترحيل”: كابوس العودة القسرية للسوريين من تركيا

يعيش السوريون المقيمون في تركيا حالياً تحت رحمة مؤسسة الهجرة، التي وفي أي لحظة قد ترحلهم أو تُلغي حتى الإقامات النظامية دون وجود أي سبب. إنها سياسة الترحيل القسري تحت مسميات عديدة.

نجحت عائلة محمود (اسم مستعار) في الوصول إلى إسطنبول عن طريق مُهرب، ليعمل الأب في الأعمال الحرة كبيع الملابس في محاولة لبدأ حياة جديدة. وفعلاً، حاول محمود بناء حياة جديدة لكن في يومٍ أوقفته الشرطة واحتُجِزته لمدة 45 يوماً ثم أُطلق سراحه وطُلب منه الحصول على بطاقة الحماية “الكملك” من منطقة تبعد حوالى السبع ساعات عن إسطنبول. 

خرج محمود للاستحصال على بطاقة الحماية “الكملك” التركية وبقيت عائلته في إسطنبول، وبعد حصوله عليها عاد إلى عائلته، ليلقى القبض عليه مجدداً. أثناء ترحيله إلى سوريا أخبر السلطات أن عائلته في إسطنبول ويجب أن يبقى معها، فعبّرت السلطات التركية عن “تعاطفها” معه وإذ بهم يقومون بترحيل العائلة بكاملها بحجة عدم تفريقها.

قيودٌ متصاعدة ضد السوريين

في منطقة “اسكودار” ذات الأكثرية الأجنبية في مدينة إسطنبول ستتمكن من مشاهدة وحدات تنفيذ قانون ترحيل الأجانب والمقيمين بصورة غير شرعية، ستتمكن كذلك من رؤية سياراتهم وفي بعض الأحيان ستكون هذه السيارات ممتلئة بأناس عرب وأجانب سيرحلون قريباً عن الأراضي التركية من بينهم سوريين.

تنتشر هذه الدوريات في كل المدن، وتزداد في مناطق تواجد الأجانب ومن بينهم سوريون. مهمة هذه الدوريات التحقق من حيازة العابرين أوراق الإقامة النظامية أو بطاقة “الكملك” وهي بطاقة حماية مؤقتة تمنحها السلطات التركية للأجانب والسوريين الذين يدخلون تركيا بطرق غير شرعية ويحصل الأفراد من خلالها على جميع الحقوق الأساسية التركية من تعليم وصحة وتسجيل أوراق. 

وفي حال عدم امتلاك الشخص إقامة نظامية أو بطاقة حماية مؤقتة يوقف ويجرد من كل ما يحمل ويوضع في “باص الترحيل” كما يسميه السوريون، بانتظار امتلائها والتوجه نحو مركز إدارة الهجرة، إذ لا تتحرك هذه الباصات إلا حين امتلائها بالكامل، يوضع بعدها الأفراد  في السجن دون توكيل محامٍ لهم ولا حتى فرصة للدفاع عن أنفسهم، فتهمتهم جاهزة بالفعل وهي عدم حيازتهم أوراقاً نظامية.

لا تنتهي قيود السلطات التركية على السوريين، فحتى لو امتلك الشخص أوراقاً نظامية لكنه قادمٌ من ولاية أخرى وليس بحوزته تصريح سفرٍ سيتم إيقافه ووضعه في السجن لمدة تبدأ من خمسة أيام وتصل إلى 15 يوماً، يتم بعدها ترحيله إلى ولايته. يستغرق الحصول على تصريح السفر أسبوعاً ومدته 15 يوماً. 

يقول أحمد (اسم مستعار): “يجب عليك كسوري أن تحصل على إذن سفر عند مغادرتك من ولاية إلى ولاية ومهما كان ظرفك صعباً كوجود وفاة قريب أو ظرف صحي طارئ، لا يؤخذ وضعك بعين الاعتبار”.

تركيا وسياسة الترحيل

منذ الثورة السورية عام 2011 تحولت تركيا الى أحد الملاذات للائجين السوريين الذين هربوا من الحرب وبطش النظام. كانت السياسات الرسمية التركية تعلن خطاباً داعماً للاجئين ومرحباً بهم. مع تقدم السنوات ومع التغيرات الجيوستراتيجية خصوصاً في العلاقة مع روسيا والغرب والحرب الأوكرانية تبدلت الكثير من المواقف التركية التي انقلبت تضييقاً وضيقاً بالسوريين. 

آخر الاجراءات ما أعلن مؤخراً عن ترحيل رحّلت 28 ألفًا و581 مهاجرًا “غير شرعي” خارج تركيا التي وصفت بأنها في إطار مكافحة السلطات الهجرة “غير الشرعية”.

واختلفت أسباب الترحيل، منها الدخول إلى البلاد بطريقة غير نظامية، والمخالفة في تأشيرة الدخول أو تصاريح الإقامة، أو تزوير بأوراق رسمية، بالإضافة إلى الانخراط بممارسات مخالفة للقانون وتنتهك الأمن العام.

تقول الأرقام الرسمية التركية أنه منذ عام 2016 مُنع دخول نحو مليونين و616 ألف أجنبي إلى البلاد وأن العام الحالي شهد منع دخول حوالي 153 ألف أجنبي. وبحسب وكالة الهجرة التركية فإن إجراءات الترحيل مستمرة لـ18 ألف أجنبي من 94 جنسية مختلفة محتجزين في مراكز الترحيل، منهم ألف و776 سوري الجنسية. وكان وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، قد أعلن ترحيل سلطات بلاده 19 ألفًا و336 سوريًا منذ 2016 لأسباب أمنية. وقال صويلو إن عدد اللاجئين السوريين الموجودين في تركيا تحت “الحماية المؤقتة”، بلغ نحو ثلاثة ملايين و762 ألفًا، مشيرًا إلى وجود قيود 120 ألف لاجئ غير مفعلة، خارج هذه الأرقام.

تركيا كانت أنهت بناء جدار أسمنتي على طول ألف و28 كيلومترًا من أصل ألفين و949 كيلومترًا، من الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية، لمنع الهجرة غير النظامية، بالتزامن مع التطورات في كل من سوريا وأفغانستان.

كل هذه القيود ترجمت مزيداً من الضغوط على السوريين في تركيا.

ظروف صعبة ومعاملة لا إنسانية

دخل رامي (اسم مستعار) مع اثنين من أبناء عمومته إلى تركيا عن طريق الحدود بعد أكثر من تسعة عشر محاولة، بهدف العبور إلى أوروبا، وبعد وصولهم إلى لواء إسكندرون، أُلقي القبض عليهم، وأجبرتهم السلطات التركية على تثبيت دخولهم من خلال البصمة ليحصلوا على بطاقة حماية، في اللحظة الأولى شعر رامي بالسعادة، إذ وبناء على “الكملك” ستتم استضافتهم داخل تركيا بشكل نظامي، ليفاجئوا بعد إيصالهم قسراً إلى أحد مراكز الهجرة، إذ سجنوا هناك وأبطلت بطاقات الحماية بحجة تقدمهم بطلب عودة طوعية، على الرغم من رفضهم ذلك، ثم تم ترحيلهم بالفعل إلى سوريا.

يشار إلى أنه وعند إلغاء إقامة الحماية من قبل الشخص لا يحق له العودة إلى تركيا مرة أخرى أو طلب اللجوء، لكن رامي وأبناء عمه حاولوا دخول البلاد مرة أخرى ووصلوا بالفعل إلى إسطنبول وبعد شهر ونصف أمسكت الشرطة بهم مرة أخرى، وكانت القضية أكثر صعوبة هذه المرة لأنهم خرجوا “طواعية” وعادوا مجدداً. 

 تعرض الشبان الثلاث للتعنيف والضرب وتنقلوا بين عدة سجون من بينها سجن أدرنة وتم ترحيلهم مرة أخرى بناء على التهمة الأولى والملفقة وهي رغبتهم بالعودة طواعية إلى سوريا.

وكان “الكملك” أو بطاقة الحماية قد أُلغيت في إسطنبول منذ أربع سنوات ونصف بطلب من المعارضة التركية ووالي إسطنبول المنتمي إلى المعارضة، ومؤخراً باتت السلطات التركية تختار المدن التي سيقيم فيها السوريون في حال رغبتهم باستحصال الإقامة ويبدو كل ذلك جزء من محاولات لإفراغ إسطنبول بشكل كامل من السوريين والأجانب وزيادة الضغط على اللاجئين.

ويعامل من يتم إيقافهم بطرق غير إنسانية بحسب حالات التقاهم “درج”، إذ يوقف الأفراد لمدة قد تصل إلى ثلاثة أشهر في غرفة بمساحة صغيرة، يصل أعداد الموقوفين في بعض الأحيان إلى ستين شخصاً، مع وجبتين ضئيلتين من الطعام. بعدها يتم استدعاء الموقوفين، ليوضعوا أمام خيارين، إمّا الترحيل الى سوريا، وهذا لا يعني الترحيل إلى دمشق أو المدن الكبرى إنما إلى مناطق المعارضة، حيث يُرمى الشخص وحيداً بعد أن يعبر بوابات جرابلس أو باب الهوى من دون أهل او منزلٍ يعود إليه، أما الخيار الثاني فهو منح المرحّل ورقة يؤكد من خلالها المغادرة الطواعية خلال 15 يوماً والخياران يفضيان بالنهاية إلى نتيجة واحدة.

إقرأوا أيضاً:

السوريون تحت رحمة السطات التركية

السوريون المقيمون في تركيا حالياً هم تحت رحمة مؤسسة الهجرة، في أي لحظة قد تُلغى حتى الإقامات النظامية دون وجود أي سبب، وهي في الأصل باتت إقامات قصيرة، مدتها أقل من سنة، فمثلاً مُنحت السورية راما (اسم مستعار) إقامة لمدة ثلاثة أيام فقط وهو ما يعني عدم قدرتها على فعل شيئ وحصر مصيرها بعودة قسرية! كما يمكن للمؤسسة أن توافق على طلبات الإقامة بشكل عشوائي على نحو يسبب شرخاً او انقساماً في العائلة، فمثلا تقدمت عائلة خالد (اسم مستعار) لاستحصال الإقامات، ووافقت إدارة الهجرة بالفعل على الإقامة للأب واثنين من أبنائه أما الأم فجاء الرد على طلبها بالرفض.

من جهة أخرى يعيش البعض منذ سنوات من دون إقامات شرعية وهو تحدٍ يومي بالنسبة لهم. امتلك (صالح) إقامة شرعية قبل سنوات وبعد انتهاء مدة صلاحيتها حاول الهجرة إلا أنه لم ينجح فعاد مجدداً إلى تركيا، وهو يعيش اليوم في إسطنبول من دون أوراق نظامية منذ ثلاثة سنوات. يقول صالح: “من لا يحمل أوراقاً نظامية يعيش في رعبٍ صباحيّ يتكرر يومياً، إنه كالكابوس، فقد توقفك دورية الشرطة وأنت متوجه إلى عملك، لديك معركة ومخطط يومي، إذ يجب عليك المشي بدقة وفي شوارع وأزقة بعينها كي تتجنب دوريات الشرطة”.

هذه ليست معارك السوريين الوحيدة في تركيا إذ يجب على السوري تأمين العمل، مواجهاً استغلال أرباب العمل بسبب الحاجة وعدم امتلاك أوراق شرعية، من جهة أخرى لا يستطيع هؤلاء وضع أطفالهم في المدرسة، ويستحيل الحصول على سكن كذلك، كل هذا جزء من تحديات السوريين الذين يقيمون بطريقة غير شرعية على الأراضي التركية.

العنصرية المتنامية ضد السوريين في تركيا تتسبب في ظهور وانتشار حملات مناهضة لهم بين الحين والآخر، وهي حملات أقوى من سابقتها، تأتي في الغالب بعد حصول مشكلة بين السوريين والأتراك وتستمر الحملة لأسبوع أو لعشر أيام، تقوم السلطات على أساسها بإيقاف أشخاصٍ بشكل عشوائي، يرحّلون جميعاً إلى الشمال السوري حتى أولئك الذين يمتلكون أوراقاً نظامية. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ليلى محمود
جميع الأهالي لا يملون من انتظار أبنائهم الغائبين، بينما تزداد أعداد المختفين قسراً يوماً بعد يوم.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني