رئيس “الزمالك” مرتضى منصور: كيف تربع كاره النساء
وحامي المنظومة على رأس أكبر الأندية المصرية؟ 

الوصاية على النساء، هي إحدى حلقات الوصاية التي يمارسها منصور ضد الجميع الآن، من الجمهور إلى أعضاء النادي، ولا شيء يوقفه. 

أعلن رئيس نادي “الزمالك” المصري مرتضى منصور أثناء حديث مع أعضاء النادي في الميكروفونات الداخلية قائمة محظورات منها، “ممنوع ارتداء السيدات الملابس الضيقة وتُمنع من دخول النادي من تخالف ذلك، وممنوع دخول النادي لمن تقوم بصبغ شعرها باللون الأحمر، وممنوع ارتداء الرجال السلاسل، وممنوع التدخين إلا في الأماكن العامة”، وهي القائمة التي أكدها المراسل التلفزيوني داخل نادي الزمالك علي شحاتة في برنامج “كورة بلدنا“.

لرئيس نادي الزمالك تصريحات سابقة تتشابه مع قائمة الممنوعات المُصدرة حديثاً، حيثُ قال نصاً في أحد خطاباته داخل النادي:

“أي بنت لابسه محزق وملزق مش هتدخل من بوابة النادي، آه أنا سلفي متشدد”. 

مها محسن وهي من أعضاء النادي، كانت وجهت في فيديو على “فيسبوك”، شكوى لرئيس الجمهورية لأن رئيس نادي “الزمالك” منعها من الدخول، وسحب بطاقة عضويتها لأنها صبغت شعرها باللون الأحمر.

وفي واقعة سابقة عام 2017، وجهت ملكة خليل، وهي من أعضاء النادي أيضاً، شكوى للنيابة ضد المستشار مرتضى منصور، متهمةً إياه بالتعدي عليها داخل النادي، لقيامها بالتصوير دون إذنه.

والسؤال الآن، من الذي نصّب المستشار مرتضى منصور وصياً على جمهور  المجتمع الكروي وأعضائه؟

“ملك السيديهات”

 يُطلق المصريون على مرتضى ألقاباً عدة لعل أبرزها “ملك السيديهات”، حيث اعتاد في معظم لقاءاته التلفزيونية على الظهور وفي يده قرص حاسوب مهدداً خصومه من الشخصيات العامة بامتلاكه فضائح أخلاقية أو ملفات فساد تورّطهم. وبالفعل دخل منصور في السنوات الأخيرة في صدامات مع شخصيات سياسية وقضائية ورياضية تسببت في سجنه أكثر من مرة قبل ثورة يناير. كما خاض معارك، منها مع حارس مرمى “الأهلي” السابق والإعلامي الرياضي أحمد شوبير، حين سرب مرتضى منصور مكالمات خاصة بين شوبير وإحدى السيدات.

كان لنظام مبارك تدخل مباشر في هذه الخصومات المتكررة والساخنة بين مرتضى منصور وشخصيات مختلفة رياضية وغير رياضية، فكرة القدم كانت من أبرز أدوات مبارك ونظامه للتحكم في الوضع العام، فمعركة مثل التي خاضها منصور ضد شوبير كانت حديث الشارع المصري لأسابيع كثيرة، بخاصة مع تسليط الضوء عليها من قبل تلفزيون الدولة، والبرنامج الأشهر حينها “البيت بيتك” والذي كان يقدمه الإعلامي محمود سعد، فبعد يوم عمل شاق كانت طلة مرتضى منصور من خلال شاشات التلفزيون بمثابة فيلم ستُعرض فيه فضائح عن لاعب مشهور أو ممثل أو سياسي أو غير ذلك، وهي الوجبة الإعلامية التي ظل مبارك يطبخ سمّها، والعجيب أنها نجحت لثلاثة عقود كاملة.

يصنف البعض منصور بأحد أهم رجال نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، برغم أنه لم ينتم إلى الحزب الوطني. ومع انطلاق الشرارة الأولى لثورة 25 يناير، كان لمنصور موقف معادٍ للثورة، ونزل هو وأنصاره إلى ميدان مصطفى محمود دفاعاً عن مبارك ونظامه. وانتشرت مقاطع فيديو له وهو يحرض أنصاره ضد المتظاهرين في ميدان التحرير، واتهم على إثرها بالتحريض على ما يُعرف بـ”موقعة الجمل” قبل أن تبرئه المحكمة. ويعتبر مرتضى منصور ثورة 25 يناير انقلاباً ونكسة لمصر. وبعد نجاح الثورة في إسقاط مبارك، شارك منصور في تأسيس حزب “مصر الحرة”، كما أعلن عن ترشحه في الانتخابات الرئاسية التي أعقبت الثورة عام 2012 عن “حزب مصر القومي”، وتم استبعاده من السباق بعدما فقد الحزب فرصة تزكية مرشح للرئاسة.

هاجم منصور في لقاءاته التلفزيونية القيادات السياسية وشباب الثورة وقيادات الإخوان وتحالف دعم الشرعية وجماهير الألتراس. ولم يتوقف هجومه على الشخصيات المصرية، فقد نال منه رؤساء وشخصيات عربية ودولية.  يجد كثيرون صعوبة في أخذ الكثير مما يقوله منصور على محمل الجد، لكن أفعاله جديرة بالملاحظة، لأنها تعطي إحساساً بنوع الشخص الرجعي والخطاب المتشدد الذي هيمن على مصر بعد مرور أكثر من عقد على ثورتها المتعثرة. 

كانت جماعات الألتراس من العوامل الفاعلة قبل الثورة وبعدها، كان الألتراس ثاني أو ثالث أكبر حركة اجتماعية في مصر بعد جماعة الإخوان المسلمين، وحركات “كفاية” و”6 إبريل”، كانت مفتاحاً لإسقاط مبارك ولعبت دوراً مهماً للغاية في معارضة الحكم العسكري بعد سقوط مبارك. ولكن مع زوال حكم الإخوان المسلمين، سعى النظام الجديد  إلى تخفيف وتيرة الاحتجاجات، والسيطرة على المروجين لها، ورأى النظام في منصور خير من يقوم بذلك ولو حتى لـ”ألتراس نادي الزمالك”.

على رغم أن طبيعة الخلاف بين منصور والألتراس بدت شخصية، إلا أنه يجب النظر إلى هذا الخلاف أيضاً في سياق أوسع لقمع المعارضة. إذ استهدفت الدولة الإسلاميين والطلاب والليبراليين واليساريين والملحدين والمهاجرين وأفراد مجتمع الميم والمنظمات غير الحكومية ودور النشر والصحافيين- إضافة إلى الألتراس- بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في 3 تموز/ يوليو 2013. واعتُقل آلاف المتظاهرين، في النهاية نجح منصور في ما جاء من أجله، فقد تم حظر جماعة “ألتراس وايت نايتس” من قبل المحكمة بناءً على دعوى كان قدمها منصور للقضاء، كما حُل “ألتراس أهلاوي”، ليثبت منصور كفاءته من جديد وأنه لا يزال في كامل لياقته. وهو ما استحق مكافأة، وهي عودته إلى البرلمان في انتخابات عام 2015.

إقرأوا أيضاً:

“إحنا نلغي المرأة”

هدأت وتيرة الأحداث السياسية، بعدما سيطرت الدولة على كل منافذها، وحذرت من أي احتجاج، لكن هل يعني ذلك أن دور المستشار قد انتهى؟

ظهر منصور واختفى مرات عدة من حينها، لكن ظهوره كل مرة لم يكن اعتباطاً، ارتدى المستشار ثوباً آخر جديداً، توجهت سهامه نحو أهداف جديدة لم تكن من أولوياته في ذروة الأحداث السياسية، لكن وبعدما هدأت الأوضاع، عاد ليوجه اهتماماته نحو موضوعات كانت أقل أهمية بالنسبة إليه أو إلى الدولة في السابق.

تصريحات مرتضى منصور الأخيرة عن المرأة بالتحديد، وما تحويه من أفكار قمعية لها، لم تكن جديدة على الرجل، ففي لقاءات سابقة، وجه منصور اتهامات شنيعة لعدد من الفنانات مثل تهكمه من الفنانة مايا دياب، بشكه في أنها “رجل متحول لامرأة”، منتقداً ملابسها في أحد لقاءاتها الصحافية.

لكن المعركة الضارية خاضها المستشار ضد الراقصة سما المصري، “لأنها تفسد الذوق” العام الذي نصب المستشار نفسه وصياً عليه، وحامياً له. وفي لقاء تلفزيوني سابق للمستشار مرتضى منصور مع الإعلامي الراحل وائل الإبراشي، هدد بأنه سيضع سما في السجن، ويغلق قناتها التلفزيونية، وهددها بمعرفة كل تاريخها الشخصي و”فضائحها” على حد وصفه، وخاض ضدها قضايا عدة، قررت المحكمة معاقبتها في بعضها، وتبرئتها من الأخرى. لكن المستشار لم تطاوله أي إدانة من القضايا التي رفعتها سما ضده.

الغريب في الأمر، أن الدولة قررت في وقت لاحق حبس سما المصري بتهمة التحريض على الفسق والفجور، إذ قررت المحكمة الاقتصادية في القاهرة حبسها لمدة عامين، وكانت هذه القضية مقدمة لقضايا وملاحقات لما يعرف بـ”فتيات التيك توك”، والتي انتهت بحبس الفتيات بالتهمة ذاتها التي وُجهت لسما، أي إفساد الذوق العام، والتحريض على الفسق والفجور.

يضعنا توجه الدولة إلى الاهتمام بما يُعرف بالقضايا الأخلاقية أمام سؤال هل تحرك مرتضى في هذا الملف بالتحديد من تلقاء نفسه؟ بترتيب الأحداث، وبمعرفة تاريخ الرجل في النطق بما تُمليه عليه الأنظمة، نعلم أن الإجابة، قطعاً “لا”، لا يتحرك مرتضى من تلقاء نفسه، ملاحقته السيدات ومحاولته فرض الوصاية عليهن، ليس توجهاً شخصياً؛ بل أبعد من ذلك بكثير.

وحتى إن تراجعت حدة نقد منصور للنساء خارج أسوار نادي الزمالك، تزامناً مع إعلان الرئيس السيسي عن نيته في زيادة تمكين المرأة، وإعطائها كامل حقوقها، والعمل على إزالة العقبات التي كانت تواجهها في الماضي، فإن تربص منصور بالسيدات داخل أسوار نادي الزمالك يوحي بعكس ذلك تماماً، فمحظورات منصور للمرأة ولبسها وشكل شعرها وجسدها، توحي بأن كل ما يُعلن عنه مجرد كلام على ورق حتى الآن.

وصاية على الجماهير

“لن أسمح بوجودك داخل النادي وأنت ترتدي سلسلة وسيتم شطب عضويتك”.

مرتضى منصور مخاطباً أحد أعضاء النادي.

الوصاية على النساء، هي إحدى حلقات الوصاية التي يمارسها منصور ضد الجميع الآن، من الجمهور إلى أعضاء النادي، ولا شيء يوقفه. 

تنقسم جماهير الزمالك إلى فئات عدة، جمهور الجمعية العمومية ويتجاوز عدده 80 ألف شخص، في مقابل مشجعي نادي الزمالك من عامة الشعب وهم بالملايين ولا يمكن حصرهم، والجميع لم يسلم من رئيس النادي، الذي يعتبر نفسه المتحكم والناطق باسم هذه الفئات كلها.

قائمة المحظورات الأخيرة هي خير دليل على وصاية الرجل على الجماهير من أعضاء النادي، الذي يدفع كل عضو فيهم  قرابة 200 ألف جنية مصري كقيمة اشتراك لنيل عضوية واحد من أهم أندية أفريقيا، ليستفيد من الأنشطة الرياضية والاجتماعية مع عائلته. إلا أن ذلك قد لا يحدث بسبب ارتداء الشخص سلسلة أو أي زي لم يعجب السيد المستشار.

أما عن علاقة منصور بالجماهير، فهي علاقة قمعية بحتة، فمنصور لا يقبل النقد، ويعمد إلى تهديد كل من ينتقده بالحبس، ناهيك بعلاقته بجماهير الألتراس التي ذكرناها سالفاً، الأمر الذي أوصل هذه الجماهير منذ عام تقريباً، إلى الدعوة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى “ثورة جماهير الزمالك” لخلع منصور من منصبه.

حتى اللاعبون لم يسلموا!

لم يسلم لاعبو الفريق من منصور، فمشكلات الرجل طاولت حتى أكثر اللاعبين جماهيرية وتاريخاً في النادي، منها تصريحات منصور المتكررة ضد حازم إمام “أسطورة” فريق كرة القدم، بسبب خوفه من شعبيته واحتمالية منافسته له على رئاسة النادي يوماً ما.

لكن لمنصور تصريحات متكررة ضد بعض اللاعبين تتماس مع الخطاب الأخلاقي الذي يتبناه حالياً، وتقع ضمن حلقات مسلسل الوصاية الخاص به على كل ما يخص الزمالك، مثل تصريحاته ضد نجم “توتنهام” الإنكليزي السابق، ولاعب الزمالك السابق أحمد حسام ميدو، وكان آخرها وصفه “بالعيل السكران“:

“في ناس بيقولولي رد علي الولد السكران قليل الأدب، لا أنا ردي هيبقي بالجزمة اللي في رجلي”، يقول.

خرج مرتضى منصور ذات مرة يقول إنه مَنَع اللاعبين من استخدام الإنترنت؛ لأنهم يستخدمونه في عمل “علاقات غير مشروعة”، وصرح سابقاً بأنه اتخذ قراراً بمنع التعامل مع صفحات التواصل الاجتماعى ، مشيراً إلى أنه علم بأن بعض اللاعبين يستخدمون “النت” من أجل التعرف إلى بنات، مشيراً إلى أن “البنات” أبلغوه بما حدث، وبالتالي تم إيقاف هؤلاء اللاعبين على الفور.

لعبة القط والفأر

تلعب الدولة مع منصور لعبة حفظها الجميع، فيظهر ويعود للواجهة كلما كانت الدولة في حاجة إلى توجيه رسائل إلى فئة بعينها، كما فعل قديماً مع الألتراس، ومع الجماهير العادية من مشجعي النادي، ومع نجوم الفريق في مختلف الألعاب، ويفعل ذلك حالياً مع النساء، بخاصة مع تصاعد الخطاب النسوي في السنوات الأخيرة.

اللعبة باتت معروفة سيخرج منصور في أحد خطاباته ويوجه النقد لشخص أو مؤسسة ما، ومن ثم سيتحدث الجميع عن ذلك، وهو بالتحديد ما ترنو إليه الدولة، ثم تنتهي مهمة الرجل، فيختفي من جديد، سواء بمنعه من الظهور في الإعلام أو حتى قضائياً باستبعاده من النادي برمته بحكم محكمة، ثم يعود بحكم محكمة آخر.

وبالمناسبة، مرتضى فاز بخمس سنوات جديدة من رئاسة نادي الزمالك… 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
كم يبدو مستفزاً أن تتقاطع مصالح الطوائف اللبنانية عبر تمرير جريمة انفجار المرفأ في مقابل تمرير عملية السطو على الودائع، وأن يُضرب صمت على غرق مركب الموت مقابل التضامن مع المفتي في حربه على الزواج المدني. يجري ذلك وسط انهيار كل شيء، ووسط تغوّل الطبقة السياسية، ووسط نجاة المرتكبين.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني